رواية المعلم والتنين: المشهد السادس: داريوس

3 دقائق للقراءة

 

 

كما ترون يا سادة، هذه صور من أقمارنا الصناعية، إنها تشير بدقة إلى ما نظن أنه مكان تابوت الملك سفاريم الأول، تحت سبعة كيلومترات في قاع المحيط، يبدو أن الأرض غرقت وهجم عليها البحر، أو انجرفت طبقاتها وساخت بأهلها فخسف بهم.

ولكن كل شيء يوحي بما في مخطوطتنا السرية التي عثر عليها مرتزقتنا في بلاد نهردان، نقش على معدن غير مصنف عندنا.

صفق الجميع للشابة الجميلة ذات اللباس الأسود والشعر القصير.

ظهر خلفها حارس على وجهه أثر ضربة سكين أو خنجر، حمل بيديه القاسيتين حقيبة، فتحها وأخرج كأسا قديما.

سكبت الفتاة بعض الدم فخرج دخان فيه أصوات كالعويل وظهرت معه وجوه وأطياف مفزعة.

اهتزت القاعة، وأمام أعين الجمع الفزعة هتفت الفتاة وهي تتبسم بزهو ماكر: كما ترون، كأس الملك التي شرب فيها الدماء.

نحن في الطريق الصحيح يا سادة، نحتاج تمويلكم وقوة السحر الأسود التي لديكم وكل ما تمتلكون من علاقات مع العالم السفلي.

سنحقق نبوءتنا أخيرا، ونعيد إحياء التنين الأسود ذي العين الواحدة، وننتقم من أحفاد الامبراطور كي تونغ الذي هزمه، وممن أفقده عينيه اليمنى بضربة من سيفه.

زمن التنانين الذي انتهى منذ عصور، ثم تجدد بعد الظهور، سينتهي قريبا، وسيبدأ زمن التنين الأسود، زمن أحفاد الملك الشيطان.

أين عثروا على الكأس، قال أحد دهقانات معبد العين الثالثة وهو يخرج مرتعدا من القاعة، همس إليه صديقه السياسي المحنك: إنهم نافذون جدا يا دكتور ماتيو، علمك الفيزيائي والذري مجرد لعب أمام علومهم الخفية.

فوق القاعة، وخلف نافذة خفية، كان خاتم أسود فيه ما يشبه الزمردة السوداء يتحرك فيها دخان، وكان إصبع عجوز يحمله، بيد مرتعشة تمسك عصا فوق ركبتين حادتين، ظهر وجه محدودب وعينان ثاقبتان، تراقبان بدقة وجوه الدهقانات وبقية أعضاء المعبد من النافذين في السياسة والفن والإعلام والعلم، ومن رجال المال والسلطة، ومن السحرة والمشعوذين.

دخلت فتاة الغرفة السرية، أمسك حارسه الشخصي ذو اللحية الطويلة واللون القاتم بمسدسه الذي يضعه في جراب مشدود إلى صدره، ثم أنزل يده وحنى رأسه باحترام.

ما رأيك في العرض يا جدي.

أنت بارعة يا سوزي، أو لأقل يا شانديارا.

جدي قلت لك لا تقل اسمي الخفي أمام هذا الحارس المغفل.

إنه لا يفهم لغتنا السرية يا حفيدتي.

كم مرة قلت لك أن هذا البغل لا يفهم.

ولكن الحارس كان يفهم جيدا كل كلمة.

وكان في سترته زر لم يكن زرا، كانت كاميرا صغيرة زرعها رجل كان يجلس أمام جهاز يشاهد المشاهد كلها، ويسمع كل كلمة.

أحسنت رانفير، لقد اخترقتهم.

نحن في خدمتك أيها المعلم داريوس.

لكن أخبرني كيف عرفت أنهم وجدوا الكأس.

لأني منحته لهم يا عزيزي.

حكمة المعلم لا يمكن أن يفهمها رانفير المسكين.

ضحك داريوس وهو يربت على كتف تلميذه الذي زرعه في المنظمة وتمكن بعد انتصاره على كل الحرس الشخصي أن يكون حارس كبير الدهقانات.

انت رجل مخلص وشجاع، ستفهم كل شيء في أوانه.

وحين غادر رانفير، وضع داريوس يده على الجدار، فتحول إلى طاقة زرقاء كأنها ماء ضوئي، دخل منها إلى معبد في قمة جبل عليه سبعة تماثيل لتنانين ملونة يركبها ستة محاربين وفتاة تحمل سيفا.

انحنى أمام رجل يتربع في الهواء.

أنت تتقدم بسرعة حتى تكاد تتفوق على تلامذتي السبعة القدامى، وحتى على الثامن، يا تلميذي التاسع والأخير.

أنا فداء للمعلم.

كان حديثا تخاطريا قصيرا رجع بعده داريوس إلى غرفته في تلك المدينة التي تعج بالبشر والشياطين والمسوخ.

 

كان يسعد كلما التقى مجددا مع الرجل الذي غير حياته وعلمه ما لم يكن يتصور وجوده، ودربه ثلاثة وعشرين عام حولته إلى معلم كبير يتقن فنون التنانين وعلوم الرواحين.

لقد كان مكلفا بمهمة دقيقة، وكان يعلم أن الوقت ينفذ، وأن تنين العين الواحدة لا بد أن يكسر الختم ويغادر التابوت، لأنها حكمة الأول الآخر، وقدره الذي لا راد له.

همس في نفسه: من يصدق أن ثلاثمائة عام مرت منذ قيام دولة الظهور، وقتل شيطان النار والدخان، وأن معظم البشر سيرجعون للشر مجددا بهذا النهم، كأن أرواحهم السفلية اشتاقت لشرها القديم.

بل ومن يصدق أن رجلا يتجاوز عمره الخمسين ألف عام ما يزال حيا، كأنما شرب من ماء الحياة.

أتاه صوت المعلم من خلف برازخ المسافات يتردد في كيانه كأصوات جن البحار: أنجز مهمتك ولا تكثر من التفكير فيما لا تملك له تفسيرا.

لبس بدلته الأنيقة وركب سيارته الطائرة وانطلق في الجو يريد لقاءا في تلك المدينة العامرة بالضوء مع صديقه ورفيقه في التدريب، جون بيير، الذي التقى المعلم قبله بعقود، ولم يهرم، رغم أنه عاش ما يزيد عن المائتي عام.

 

 

 

منشورات ذات صلة

رواية المعلم والتنين المشهد التاسع عشر: يامُوتو
تكمن القوة الحقيقية في الوعي بالضعف، ومهاجمة نقاط ضعفه فينا، فكم يخاف ضعفنا من أن نسترد الذاكرة، ونعلم كم نحن أقوياء. غرورنا، هواجسنا، ورغباتنا...
7 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الثامن عشر: في برزخ التنانين
كان قد بلغ الأربعين من عمره، وأصبح ملكا مكان أبيه، وأعظم مما كان يتصور والده، الذي تنازل له عن العرش بابتسامة كبيرة ووضع بفخر...
5 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد السابع عشر: يان، يوشين، ويوجين
يذكر أهل أرض اليأس التي أصبحت بعد ذلك اليوم أرض الأمل وأينعت وانفجرت الصحراء من حولها ينابيع واخضرت وأزهرت، واحترقت الأفاعي ورحلت أطياف الشر،...
3 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد السادس عشر: مايسان وزهرة البلور
ليس هنالك ما يمنع تصديق أي شيء، ولا ما يمنع تكذيب أي شيء، والأمر متصل بالحجة والدليل. كانت هذه كلمات الأمير يحدثه عن قصته،...
5 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الخامس عشر: سَفَرْدايِمْ
حين مات الملك الشيطان كما كان يسميه شعبه: سفاريم، وأثناء جنازته، لما كانوا يهمون بحرق جثته كما هي العادة عندهم، وبمجرد أن اشتعلت النار...
3 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الرابع عشر: ختمة النسيان
لا بد أنك جننت، ماذا، ختمة النسيان؟ إنها الوسيلة الوحيدة ليحقق نفسه، فابنك مدلل ولن تتمكني من ترك الدلال يا سمو الملكة. كان الملك...
4 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الثالث عشر: شينوبي
في قرية مخفية من قرى المرج الأصفر التي ينادى فيها البان، في منتصف القرن السابع عشر من تقويم الحضارة الأخيرة، جلس المعلم مع تلاميذه....
3 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الثاني عشر: تْسُو مينغ.. ذئب الريح
إنها أرض اليأس، حيث لا شيء سوى الظلال الكئيبة والبؤس والجفاف. وحولها تمتد صحراء المتاهات الألف، والتي لم يعبرها أحد مطلقا سوى “ذئب الريح”،...
4 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الحادي عشر: سَلانْدَرْ
لم يكن سلاندر ملكا عاديا، بل كان الملك الذي تنازل عن عرشه طوعا، وترك كل شيء، وانضم للمعركة كجندي تاركا قيادة جيشه لوزيره، وتاج...
3 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد العاشر: هُو لاَوْ
كان من بين الفانين الذين تمكنوا من رؤية التنين الأسود، وامتلاك شيء من قوته، ذلك الشاب الذي خسر حبيبته لأن زعيم قبيلة الجذع رغب...
6 دقائق للقراءة