المعلم والتنين المشهد الاول

4 دقائق للقراءة

(المشهد الأول من رواية المعلم والتنين، كتبتها سنة 2012 والان انشرها بينكم.)

المشهد الاول: التنين والشجرة

حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة.
وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة كي لا يلامسني نوره فأذوب، لقد علمني الكثير، وها أنا أمضي إلى جبل الخلود، بعد ان تخليت عن كل شيء، وبعد أن فقدت اللهفة إلى أي شيء.
الشجرة في قمة جبل من الماس أو ما يشبه الماء، عليه زهور ماسية وأشجار من الضوء، كل الحيوانات كانت بلورية تشع بشكل عجيب وتتحرك بسرعة كبيرة.
السماء هرمية الشكل، والسحب بعيدة للغاية.
الكواكب تبدو جلية قريبة، والأقمار والشموس تصطف معا في أفق واحد.
حلقت من حولي طيور ضوئية، وسمعت بلابل تشدو ورأيت الألحان كخيوط النور الملون تخرج من بين مناقيرها.
المياه صافية والأسماك كلها من البلور واللازورد.
لمست يدي زهرة، فتناثرت كقطرات ماء ضوئية ثم اجتمعت من جديد بألوان أجمل.
كان كل شيء يتجدد ويتفاعل ويتحرك بانسجام.
وكان النور في كل شيء.
وقد بدا لي أن الكون الذي صرت فيه مبلل بالقطر او الندى أو الماء الضوئي.
والهواء بارد، لكنه برد عجيب تعشقه الروح.
عندما وضعت قدمي على الأرض صرت شفافا، حتى أني لم أستطع رؤية يدي، لكأني بلور ضوئي، ماس شفاف أو ماء متجسم برقة وتماسك، لم أعد أفرق بين جسمي وروحي، ولا عدت أشعر بانفصالي عن كل ما حولي،
ابتسم التنين الذي كان يشاهد أفكاري، وقال لي دون أن ينطق: كل شيء هاهنا متصل كأنه واحد. منسجم كأنه كل، متميز رغم كل ذلك ومستقل.
إنه تناغم عالم النور، حيث أوصلك نقاء روحك.

لم أتخيل يوما ان شجرة تتكلم، لكن حتى الحجارة التي كنت أمشي عليها ولا ألمسها كانت تصدر طاقة تترجمها روحي إلى كلمات.
كل شيء يتكلم باللون واللحن والذبذبة والطاقة.
التنين كان أكبر من كل ما رأيت من قبل، والشجرة كانت أكبر منه، والجبل كان كونا كاملا، ومن حوله كانت بحار النور الممتدة.
وفوقه غمائم، وفوق الغمائم سحب بلورية، فوقها أقمار وشموس وكواكب درية وماسية، وفي كل هذا عوالم من الحياة والضوء والطاقة والكائنات.
وقفت امام الشجرة وانحنيت على ركبة ونصف في تحية هادئة واحترام كبير.
فجأة رأيت التنين الأبيض يتحول إلى رجل بملابس بيضاء وفي يده عصا كأنها صولجان، وعلى جبينه ضوء أخضر عجيب.
وكلمني فقال: انهض وتأمل دون أن تفتح عينيك.
فوقفت ونظرت.
فإذا فوق كل ما أراه برازخ من النور تعجز عن النظر الطويل إليها حتى عين الروح، ففتحت عيني رأسي.
نظر إلي الرجل التنين وقال لي: تقدم قليلا معي، ولا تتحرك من مكانك،
فمشيت بكلي إلى الأمام، وإذ بي أغادر تجسمي الذي لا هو روح ولا هو جسد، وأصبح بلا يد ولا قدم ولا أطراف، صرت الهواء والضوء ولامست كل ما حولي ورأيت بلا عين وسمعت بلا أذن.
ثم تجمعت كتجمع الأضواء لأصبح رجلا آخر أكثر شفافية ونورا،
وصار تجسمي الذي غادرته هيكلا من البلور، وأمامي كانت الشجرة ولكن كان بإمكاني تمييز حجمها ورؤية أبعادها،
لمع في ذهني أني أستطيع أن أكون على أي شكل أريد، وتصورتني عصفورا فوجدتني في الحين أتحول إلى ضوء ثم أصبح عصفورا ملونا مضيئا،
وبسرعة تحولت مع تحول أفكاري إلى كل ما تخيلته من كائنات،
كنت النمر والنسر والشجرة والغيمة، وكنت كل شيء.
ثم تحولت إلى تنين وتوغلت في أبعاد بعيدة جدا وعوالم كثيرة.
حتى بلغت هرما ذهبيا عليه جوهرة كبيرة حمراء، انفتحت لي فدخلت ورأيت صورا وأطيافا، وسمعت أصواتا من أكثر من عالم.
ووجدت ما يشبه الماسة يشع منها نور أحمر، وفي داخلها شيء كالدخان الأسود القاتم، وأطياف تبدو وتتلاشى، ومشاهد تختزل قصص عالم الفناء.
تم كل شيء بسرعة لا يمكن لخيال فانٍ أن يتصورها.
ثم سمعت صوت الرجل التنين يناديني: ارجع ولا تعد.
فوجدتني مجددا تحت الشجرة في تلك الأرض الخضراء المضيئة.
فقال لي: امتلك ولا تأخذ.
امتد إلى غصن من أغصان الشجرة.
كانت أوراقه تضيء، شفافة ملونة، ولكل ورقة لون، وعليه من كل الثمار، كل ما يتصور الفانون من ثمار الأرض كان على غصن واحد من أغصان شجرة التنانين في جبل الخلود.
أمسكت تمرة وتفاحة وزيتونة.
أكلت التمرة وألقيت نواتها فرجعت إلى يدي، كانت النواة نوعا من الأحجار الكريمة، اما طعم التمرة فليس في اللغة التي أكتب بها كلمة يمكنها تقريب الوصف، وكنت حين أكلتها شربت وأكلت في نفس الوقت، كانت ماء وكانت غذاء، ولم تكن أي شيء يمكن تصوره.
وضعت النواة مع التفاحة والزيتونة في كفي، رجعت فجأة إلى تسجمي النوراني الذي تركته خلفي.
فتحت عيني، وجدتني على غيمة والجبل يطير فوقي بعيدا.
فتحت عيني، وجدتني في أطراف السماء يحملني شهاب بلوري ومن حولي ملايين التنانين الملونة.
فتحت عيني، وجدتني فوق المعبد.
فتحت عيني، وجدتني في وضعية التأمل وقد شكلت يدي فوق رجلي وانا متربع، وجسدي يتصبب عرقا، وأمامي كانت التفاحة والزيتونة والنواة.

وحين أردت لمسها لم أستطع، أغمضت عيني مجددا فخرجت يد ضوئية من يدي الجسدية وحملت الثمرتين والنواة ووضعت كل ذلك في صدري.
وكان التنين أمامي بشكل الرجل ثم ابتسم وتحول إلى تنين ثم إلى غيمة ضوء انفجرت وتحولت إلى نقطة صغيرة بيضاء اختفت واختفى معها بقية التنانين.
فتحت عيني وكانت الشمس لم تشرق بعد على الكهف الذي بنيت فيه وبجانبه معبد التنين الأبيض، أول معبد للفنون التأملية والدفاعية.
وفي الخارج كانت أصوات تلاميذي السبعة تصلني وهم يتهامسون.
لكني كنت أسمع دقات قلب كل واحد وفكرة كل واحد منهم.
وحين مشيت إلى الخارج، رأيت الحب والسلم والضوء والنور في كل شيء.
رأيته روحا واحدا يحركه روح واحد.

نور يمنحه نور أعلى حياته وطاقة.

حينها بدأت أفقد كل ظلمة في نفسي، وألتقي جمال الخالق الواحد، في كل متعدد خلقه.

منشورات ذات صلة

رواية المعلم والتنين المشهد الخامس: تايبنغ
“طفل مدلل، ولدك طفل مدلل”. اتسعت عينا الملكة ثم حنت رأسها بشيء من الحزن وكثير من الحب. كان والده يقف بملابسه الملكية المزركشة والمرصعة...
3 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الرابع: التنين الأبيض الكبير
لقد وُجدت تنينا. لم أعرف من أين أتيت، ولا من أكون، أو كيف وعيت بذاتي وعرفت نفسي، كأني كنت مخلوقا آخر ثم تشكلت في...
4 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الثالث: كي تونغ
    بعيدا، في مملكة السواد، كان الكاهن يقسم لملكه كل مرة أنه سيتمكن من فتح البوابات والسيطرة على قوة التنين الأسود، ومنحها للملك...
6 دقائق للقراءة
رواية المعلم والتنين المشهد الثاني
المشهد الثاني: السبعة الكبار   تلاميذ المعلم السبعة كانوا أشبه بالأسطورة. ولولا آثارهم القوية التي امتدت لآلاف السنين، لحسب الناس أنه لم يكن لهم...
6 دقائق للقراءة