4 دقائق للقراءة
أنواع السحر كما وردت القرآن الكريم
السحر الأخضر
السحر الأخضر أو السحر التخييلي، ليس كفرا، لأنه لا يعتمد بالضرورة على الاستعانة بالجن أو الشياطين، ولكنه نوع من العبث والفساد، إن تم توظيفه في خداع الناس.
فهو سحر للتخييل البصري، والتلاعب بالأذهان، وفيه أنواع من ألعاب الخفة، ولا يكفر فاعله.
ويقوم هذا السحر أساسا على القوة المغناطيسية، والقدرة على التأثير الذهني، مع فنيات الخفة التي تأتي من الاتقان.
وقد تطور من هذا النوع ألعاب خفة كثيرة حتى صار فنا كاملا نبغ فيه أفراد من أمثال هوديني، امتزجت فيه التقنية بالتمثيل والأداء الركحي والخدع البصرية، وليس ذلك من السحر الفعلي في شيء، رغم أن كثيرين ممن يدعون أنهم يمارسون ألعاب خفة في الحقيقة سحرة وبعضهم من عبدة الشيطان في اعتقادي كديفيد كوبرفيلد وكريس أنجل، ونرجع إلى ذكرهم في فصل السحر الغربي.
وفي القرآن الكريم خبر عن السحر التخييلي، فيه تفاصيل مهمة، ومعطيات على غاية الدقة، كل ذلك في نبأ نبي الله موسى مع سحرة فرعون.
من أهم الآيات التي تصف السحر التخييلي في قصة موسى عليه السلام، وتبين أثره حتى على إدراك موسى نفسه، ما يلي:
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾[1].
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾[2].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾[3].
ومن أجمع الآيات في بيان حقيقة هذا النوع من السحر قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، فهي تدل على أن الأثر وقع في الإدراك والحس، حتى خُيِّل إلى موسى عليه السلام أن الحبال والعصي تتحرك وتسعى، مع أنها لم تنقلب في حقيقتها إلى حيات، وهو ما يؤيده قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، أي أن التأثير انصب على أبصارهم وإدراكهم، ثم ختم الله المشهد بقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾، ليقرر أن ما صنعوه كيد بشري محدود، لا يصمد أمام المعجزة الربانية.
ولا يصح أبدا القول أن موسى عليه السلام سُحر، إنما الله سبحانه سمح لهم بالتأثير عليه ليرى ما صنعوا وما خدعوا به أعين الناس من حوله، وحتى تقوم المعجزة الربانية الجلية، قال تعالى:
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾[4].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾، يحمل حكمين، عام وخاص.
فأما الحكم العام فهو أن السحر طريق خسران، وأن الساحر خاسر لا محالة، وفي حالتي السحر الأسود والأحمر خاصة، فقد كفر ولا تقبل توبته لما ألحق من الأذى للناس ولعبادة الشيطان وهو شرك بالله والله لا يغفر أن يشرك به.
والحكم الخاص لهذا النوع من السحر، فهو خسران مبين لأنه مضيعة للوقت والجهد وشغل للناس عن مصالحهم، عند توظيفه في فتنتهم.
ولا ينطبق هذا على ألعاب الخفة والخدع البصرية التي تكون للتسلية دون أذى ولا إفساد، كبعض ممارسي تلك الألعاب لتسلية الأطفال، ويكون معها أداء كوميدي، وشيء من المسرح.
وكذلك لا يعني أن الفنون المغناطيسية سحر، بل توظيفها في الخداع سحر محرم، وبين الأمرين فروق كبيرة لا يدركها إلا من عرف هذه الفنون وميز بينها.
فالتنويم المغناطيسي له استخدامات علاجية هامة، وله استخدامات أخرى في بعض الفنون الدفاعية وغيرها.
والسحر التخييلي لا يغلق باب التوبة على صاحبه الذي استخدمه في شغل الناس عن الحق، لأنه تلاعب بأبصارهم ولم يؤذهم في أنفسهم، فإن تاب عنه، تاب الله عليه، وهذا حال سحرة فرعون فقد تابوا إلى الله وتقبل الله توبتهم، بعد أن عرفوا الحق، رغم أنه تم توظيفهم لمحاربة نبي الله وكليمه، وما أدراك ما ذلك كذنب عظيم، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾[5].
كما تنبغي الإشارة إلى أن غسيل الأدمغة، وتوظيف الاعلام والسينما خاصة للتلاعب بالعقول، كل ذلك يدخل في خانة لعبة التخييل المشابهة من حيث الأثر للسحر الأخضر أو التخييلي، وهذا ما يبرع فيه الصهاينة والمنظمات السرية التي تتحكم في العالم أو جانب منه.
[1] طه: 66-69
[2] الأعراف: 116
[3] يونس: 81-82
[4] طه: 67-69
[5] طه: 70-73