6 دقائق للقراءة
أنواع السحر كما وردت القرآن الكريم
السحر الأحمر
السحر الأحمر خمس وثلاثون بابا، أعلاها التسليط الكامل، وأدناها الأذى، وأوسطها التفريق.
وعلى عكس السحر الأسود، فإن السحر الأحمر لا يستخدم قوى الشياطين، بل يتم عبر كفرة الجن، ضمن علاقة قديمة بين شرار الثقلين، وصفها الله سبحانه في كتابه العزيز في قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾[1].
أو في قوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾[2].
وتكشف الآية الثانية عن وجود صورة من صور التداخل بين بعض الإنس وبعض الجن: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، وهذا الاستمتاع يحتمل صورًا متعددة من الانتفاع المحرم والتعاون على الإثم والضلال، ومن ذلك السحر.
وهذه الأمور تمت منذ بدايات الحضارة البشرية الأولى، أي من زمن نبي الله شيث، ولكن تجددت عهودها وأذونها وطلاسمها زمن نبي الله سليمان، حين فتحت بوابة السحر الأسود بشكل أكبر، ومع هاروت وماروت في نفس الفترة، حين فتحت بوابة السحر الأحمر، وهو سحر الانفعال، يؤثر على المشاعر، وعلى الحياة عموما.
وهذا النوع من السحر قوي جدا، لكنه لا يتطلب بالضرورة عبادة الشيطان، كما هو الحال في السحر الأسود، إنما أمورا أخرى من التقرب إلى كفرة الجن، والاعتماد عليهم، وتنفيذ بعض الطقوس، في مواقيت محددة، وكلها كفر بالله بنص نفس الآية التي تحدثت عن السحر الأسود، في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[3].
وهنا لا بد من بعض الوقفات العلمية:
* ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: هذه تتمة للكلام عن نبي الله سليمان وعن فعل الشياطين، والواو لا تعني فقط العطف بل المزامنة، لأن الأمر حدث في نفس الزمن.
وهذا مما أوردته في موسوعة البرهان التي ألفتها سنة 2006 مع تتمة لاحقة، وتحديدا في مبحث “حقيقة هاروت وماروت”.
وإن من الإسرائيليات ما فسرت به قصتهما وحقيقتها، فنجد في تفسير الطبري: “كانا ملكين من الملائكة فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من أحكام بني آدم، قال: فحاكمت إليهما امرأة فحافا لها، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. “
وهذا كلام فيه استنقاص من ملائكة الله التي لا يصدر عنها فعل إلا بأمر الله، وليس فيها شيء مما يعتمل في نفوس البشر، بل وهو كلام يعارض المعاني الواضحة للآيات القرآنية التي وصفت الملائكة، كقوله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[4].
وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[5].
وغير ذلك كثير.
ولكن هاروت وماروت في الحقيقة ملِكان بابليان، وابنا طالوت، الذي قتل جالوت والده الملك ففر إلى بني إسرائيل، ثم صار ملكا عليهم، وأوتي البسطة والنبوة: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾[6].
وقاتل نبي الله داوود تحت حكمه، وحين قتل جالوت: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾[7].
رجع داوود ملكا على بني إسرائيل فأنجب سليمان وصار ملكا من بعده عليهما السلام، ورجع طالوت ملكا على بابل وأنجب ولدين توأمين هما هاروت وماروت، وقد أوتيا الحكمة، وعُلما علوم السحر، ليمتحن الله بهما الناس.
فكان الإنزال بأمر الله، تمحيصا وبلاء وفتنة.
وحكم كل من سليمان، وهاروت وماروت، في نفس الفترة، وكان بينهم صلة وتواصل مستمر، وكان الخضر أستاذهم، ضمن شخصية آصف بن بلخيا الذي جلب عرش بلقيس.
* ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: هنا منتهى الاستدراج، وبيان امتحان السحر وفتنته، لأن الإنسان الذي لا يجعل حبله موصولا بالله، ويكابد مشقة العبادة، ومكابدة السلوك في طريق الحق، وتكون غايته الله، ثم ينفحه الله بما شاء من العلوم والقوى والقدرات، يقع من حيث يدري ومن حيث لا يدري في حبائل الشيطان، ويتم استدراجه، ليأتي السحر، ويعبد الشيطان والجن، مقابل بعض القدرات، التي لا تغني عنه أمام الله شيئا.
وهنا كذلك حكم الساحر في هذا الباب وهو ينطبق على ما سبقه، مفاده أن ممارسة السحر الأسود والأحمر كفر بالله سبحانه، ومن أتى ساحرا فطلب منه تفريق زوجين، أو فعل شيء من السحرين، فله حكمه. فلينظر الإنسان ما يفعل، وأين يضع قدميه.
* ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: وهنا طامة كبرى، وجب الانتباه إليها، وهي أن هذا النوع من السحر قد يفرق بين الأزواج، بشتى الأشكال والصور، من التشتيت العاطفي، إلى الربط، وتغيير الأمزجة، والعبث بالمنظور، أي أن يرى كل طرف الآخر على غير حقيقته، فيبدو الجميل قبيحا، والجيد سيئا، وكذلك التلاعب الشعوري، وتحويل الحب إلى كره، والانجذاب إلى نفور، وسوى هذا كثير.
فوجب التحصين، والتحصن بالله وكلماته.
* ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: وهذا في حد ذاته سر عظيم، إذ أن تلك الأذية الواقعة لا تتم أبدا إلا بإذن من الله سبحانه
وقد يسأل سائل: لِم سيأذن الله بمثل هذا، ويكون الجواب من كتاب الله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾[8].
وكذلك في قوله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾[9].
فالحياة الدنيا دار امتحان، والله سبحانه يفتن الساحر فيما يفعل، ويفتن الجن الذي ينفذ، ويفتن من طلب السحر، ويمتحن المسحور ويبتليه.
نسأل الله السلامة من كل ذلك.
* ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: ورد في الأثر قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: “نعوذُ باللَّهِ من علمٍ لا ينفَعُ“[10]،
والسحر الذي تعلمه الذين أخذوه عن هاروت وماروت، أو الذين تلقفوه من أفواه الشياطين، علم ضار لا نفع فيه.
ولكن لابد من الانتباه إلى أن من علمه لغاية محاربته، لا ينطبق عليه نفس الحكم، لأن النفع حاصل بإنقاذ الناس من شره، عبر فهم طرقه وخواصه، والسبل المؤدية إلى فكه وإبطاله، وبرهاننا على ذلك أن هاروت وماروت كانا معلمين له، ولكن لم يعملا به، ولم يُفتنا بسببه، ولكن فتنا به ضعاف الإيمان.
وهكذا فمن علم من السحر شيئا بنية محاربته، ولم يعمل به،
أو ينفذ ما فيه من طلاسم وعبادات للشيطان بحجة التعلم، فلا إثم عليه في ذلك، والله أعلم بالنوايا.
* ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: أي أن الذي باع نفسه واشترى السحر والقوى التي يمنحها، خسر الآخرة لكفره، وضل سعيه في الدنيا، فلا نصيب له في المعاد، ولا نفع له للعباد.
فوجب التحذير من السحر وفعله، ومن الذهاب إلى السحرة لأذية الناس بسبب الحقد والحسد، والغل والكراهية، وهذا داء عضال يخرب المجتمعات، وينسف الأسر، ويدمر الأواصر، ويشتت العائلات، وينشر الفسوق والفجور والفواحش
وللأسف فسريانه في العالم الإسلامي كبير، وقفت على كثير منه بالمعاينة، وعالجت ما كتب الله أن أعالج منذ سنين خلت، ثم تركت ذلك، لانشغالي بما هو أهم.
* ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: بئس ما باع به الساحر نفسه، تلك القدرات والقوى، التي تغذيها عقد النقص، والنقمة، ويتلاعب به فيها الشيطان وكفرة الجن، حتى لا يجد إلى النور طريقا، ولا إلى الحق سبيلا، ولا من الزيغ مخرجا.
فليحذر الإنسان أن يبيع نفسه للشيطان، وأن يكون خادما له، وبعض جهلة الصوفية يسلكون سبل السحرة، في تعلم علوم يظنونها من التصوف والروحانية، ويرددون كلاما بالسريانية لا يفقهون معناه، ويتبعون دجاجلة هم في الحقيقة سحرة، يتغطون بغطاء التصوف.
وكذلك عدد من أدعياء الطاقة الحيوية واليوغا، ومن يستخدمون بعض أنواع المنترا[11]، ويعتقدون في بعض المعتقدات الهندوسية كتناسخ الأرواح، ويسقون من يدرس عندهم مشروبات تسبب الهلوسة مثل الأيواسكا[12]، يمارسون أنواعا من السحر، ويسببون اللبس وسيطرة الشياطين.
فوجب الانتباه.
[1] الأنعام: 112
[2] الأنعام: 128
[3] البقرة: 102
[4] النحل: 50
[5] التحريم: 6
[6] البقرة: 247
[7] البقرة: 251
[8] محمد: 31
[9] البقرة: 155
[10] تخريج الإحياء للعراقي (١/١٦) • إسناده حسن • أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٨٦٧)، وابن ماجه (٣٨٤٣) مطولاً باختلاف يسير.
[11] المانترا (Mantra) هي كلمة أو عبارة أو مقطع صوتي يُكرَّر بصورة منتظمة في بعض التقاليد الدينية والروحية، بهدف التركيز الذهني أو التأمل أو التعبد أو استحضار معنى معين.
[12] الأيواسكا (Ayahuasca) الأيواسكا هي شراب نباتي ذو تأثير نفسي قوي، استُخدم تقليديًا منذ قرون لدى بعض شعوب الأمازون في دول مثل البيرو والبرازيل وكولومبيا والإكوادور ضمن طقوس دينية أو علاجية. ويسبب هلوسات سمعية وبصرية وله مخاطر أخرى كبيرة.