3 دقائق للقراءة
أنواع السحر كما وردت القرآن الكريم
السحر الأسود
السحر الأسود أعنف أنواع السِّحر وأشدها فتكا.
لأنه يقوم على تعامل مباشر مع الشيطان، وعلى فتح بوابات تمكن للأبالسة من دخول عالم البشر بشكل مادي، والتسلط على ضحية هذا السحر بأشكال مدمرة تصل إلى الإصابة بالجنون والقتل.
وهذا النوع كفر، يكفر فاعله، بكفر الشياطين التي استحضرها، ومن أتى ساحرا ليفعل له ذلك فله مثل حكمه، ولا أقول هذا اجتهادا مني، بل بواضح وصريح القرآن الكريم الذي أبان عن كفر الشياطين إذ يعلمون الناس السحر، وأن نبيه سليمان لم يكفر إذ فعل بأمر الله وإذنه أمورا معجزة، كتسخير الجن والشياطين والطير وفهم منطقها وغير ذلك، وهو ما يفتح بابا عن البون والفرق بين المعجزة والكرامة والعلم الروحاني، وبين السحر.
والآية التي فيها طبيعة السحر الأسود وحكمه وحكم فاعله هي الآية 102 من سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
والآية صريحة في الفصل بين حقيقتين متقابلتين: حقيقة التسخير الرباني الذي اختص الله به نبيه سليمان عليه السلام، وحقيقة السحر الشيطاني القائم على الكفر وتعليم الناس طرائق الإفساد. فسليمان عليه السلام لم يستمد ملكه من الشياطين، ولم يخضعهم بطلاسم أو قرابين أو عهود محرمة، وإنما سخرهم الله له بأمره، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾[1].
وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾[2].
وقد نفى القرآن عن سليمان عليه السلام الكفر قبل أن يثبت كفر الشياطين، لأن من أخطر الأكاذيب التي راجت في بعض المدونات القديمة الزعم بأن ملكه قام على السحر.
فجاء البيان القرآني حاسمًا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، ثم عيّن مصدر الانحراف بقوله: ﴿وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾، وبيّن مظهرًا أساسيًا من مظاهر كفرهم: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المعجزة والسحر؛ فالمعجزة من الله، تقع تأييدًا لنبي، ولا تقوم على عبادة الشيطان أو استرضائه، ولا تهدف إلى الإفساد والتسلط على الناس.
أما السحر الأسود فينبني على الخضوع لقوى الشر، وعقد الصلات المحرمة معها، واستخدامها في الإضرار والتفريق والترويع والمرض والتسلط.
وكذلك تختلف الكرامة عن السحر، فالكرامة فضل من الله لعبد صالح لا يطلبها بطقوس ولا يبيعها للناس ولا يتقرب من أجلها إلى الشياطين، بينما يقوم السحر على الاستحضار والتسخير المحرم والعهود والقرابين والتدنيس، وعبادة الأبالسة والخضوع للشياطين.
ولا ينبغي كذلك أن يُخلط العلم الروحاني النوراني، القائم على العبادة والتزكية والدعاء والذكر والتقرب إلى الله، بالسحر الشيطاني المظلم؛ فليس كل أمر خفي بسحر، وليس كل ظاهرة خارقة ذات مصدر واحد، وإنما العبرة بالمصدر والمنهج والغاية والأثر: فما كان من الله كان نورًا وهداية ورحمة، وما كان قائمًا على عبادة الشيطان والإضرار بخلق الله كان ظلمة وكفرًا وفسادًا.
وللسحر الأسود سبعون بابا، كلها تقوم على عبادة الشيطان والتقرب إليه، بالقرابين، وتدنيس المقدسات، وترديد كلمات كلها كفر بالله وعبادة لإبليس وتمجيد له، وهنالك طلاسم خاصة، ومواقيت محددة تكون غالبا ضمن ساعات النحس وطالع زحل وعطارد، ومواضع معينة تكون عليها لعنة، أو بتدنيس مواضع مباركة والقيام بأمور على غاية الفجور فيها.
كما يقوم على عقود وعهود مع الشيطان، أخطرها “عهد الدم”، الذي يهب بموجبه الساحر طاقة روحه وجسمه للشيطان، فيختلط به ويسري فيه، حتى تنزع منه إنسانيته، وعاقبته وخيمة وعقابه عسير، والشياطين تتخلى عن الساحر الأسود قبل أربعين يوما من وفاته، فيعاني النزع ويتجرع العذاب والخزي في الدنيا قبل الآخرة، ولا يتوب الله عليه ولا تقبل توبته.
وكل هذه الطقوس والممارسات من علوم الشر التي فتن الله بها إبليس وزمرته، لفتح بوابات والتحكم في طاقات البشر واختراق أنفسهم والعبث بعقولهم، وحتى قتلهم.
وكل ذلك بإذن الله، امتحانا منه لمن أراد، وتمحيصا لمن شاء.
وقد اطلعت على بعض هذه الكتب وما فيها، وما يصحب ذلك من أحوال.
وأقول أن الذي لا يملك تحصينا قويا بكتاب الله، وسرا روحيا نافذا، لا يمكنه أن ينجو حتى من مجرد الاطلاع.
ولا يغلب من يمارس السحر الأسود إلا روحاني متمكن موصول، صاحب علم وفهم وأسرار.
والحقيقة أن التصوف في قمته، بعد سلوك طويل، ومجاهدات وتريض، يوصل إلى علوم وقدرات يمكنها قطع دابر السحر الأسود وأصحابه، ولكن وجود السحرة من حكمة الله، تماما كوجود إبليس نفسه، ولو أراد الله لأرسل ملكا فقضى عليه مع كل الشياطين، ولكن لله الأمر كله.
وعلى المؤمن أن يتوكل على الله، ولا يسجن نفسه في الهواجس، وأن يتلو القرآن لأنه حفظ ووقاية، وأن يحذر، ويعلق قلبه بالله عز وجل، وبالنبي وآله، وعباد الله الصالحين، فإن في ذلك تحصين عظيم.
[1] الأنبياء: 82
[2] ص: 37-38