6 دقائق للقراءة
أنواع السحر كما وردت القرآن الكريم
السحر الأزرق
السحر الأزرق يسمى أيضا سحر الأمزجة والطبائع، وهو يتفاعل بشكل كبير مع السحر الأحمر، ويبلغ في أعلى مستوياته استخدام قوى السحر الأسود، وطاقة الشياطين.
ويعتمد بالأساس على استخدام علوم الخيمياء، مثل ما سمي بالإكسير، وحجر الفلاسفة، الذي يحول النحاس إلى ذهب، وقد أنفق ستالين أموالا مهولة لأجل ذلك مستخدما عددا من السحرة ووثائق منظمة أنينيربي النازية للغيبيات، وفق ما تم الاعتراف به.
وهنالك كتب تحدثت عن سحر الأمزجة، والخلطات التي يتم إعدادها، مع الطلاسم والتعاويذ التي تصاحبها، لاكتساب قوى جسدية كبيرة، أو حتى التسميم والعبث بالطبائع والأذهان، كسحر الفزع الذي برع فيه جالوت، وكذلك تحويل المعادن إلى ذهب، وسوى هذا كثير.
ومن هذه الكتب: غاية الحكيم، وشمس المعارف الكبرى، ومنبع أصول الحكمة، والسر المكتوم في مخاطبة النجوم، والفلاحة النبطية، وPicatrix في نسخته اللاتينية، وThe Book of Abramelin، وThe Key of Solomon، إلى جانب عدد من الرسائل الخيميائية المنسوبة إلى جابر بن حيان، ورسائل الهرمسيين، وما دُوّن في أوروبا في القرون الوسطى وعصر النهضة حول الإكسير وحجر الفلاسفة.
كما ارتبط هذا اللون بما عرف عند الخيميائيين بـ«الإكسير الأعظم»، الذي زعموا أنه يطيل العمر، ويعيد الشباب، ويشفي الأمراض المستعصية، ويغير خواص المعادن.
وقد انشغل به ملوك وأمراء وعلماء ومغامرون قرونا طويلة، حتى امتزجت الخيمياء بالفلسفة، ثم بالسحر، ثم بالتصوف الباطني في بعض المدارس، وأصبحت الحدود بين التجربة الكيميائية، والرمزية الروحية، والممارسة السحرية شديدة التعقيد.
ومن أشهر الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذا المجال: هرمس الهرامسة[1] في التراث الهرمسي، وجابر بن حيان[2] في جانب من التراث الخيميائي المنسوب إليه، وألبرت الكبير[3]، ونيقولا فلاميل[4] في الروايات الأوروبية، وباراسيلسوس[5]، ثم عدد من الباحثين الذين سعوا إلى اكتشاف حجر الفلاسفة أو إكسير الحياة، وإن اختلفت منطلقاتهم بين البحث العلمي، والتأمل الفلسفي، والممارسة الباطنية.
ولم تقف هذه التصورات عند حدود التاريخ القديم، بل امتدت إلى العصر الحديث، حيث اهتمت بعض الدوائر السياسية والاستخباراتية والعسكرية بدراسة التراث الباطني والخيميائي، سواء بقصد التحقق منه أو استثماره، وهو ما جعل كثيرا من الوثائق الغربية تتحدث عن اهتمام بعض الأنظمة الشمولية، ومنها النظام النازي عبر مؤسساته المختصة بالتراث الغامض، بجمع المخطوطات والرموز والعلوم الباطنية، وربطها بمشروعاتها الفكرية والسياسية.
ومهما تعددت الأسماء، وتنوعت المدارس، فإن الجامع بينها جميعا هو الاعتقاد بإمكانية إحداث تحول في المادة أو في الطبيعة الإنسانية أو في قوى الإنسان بوسائل تتجاوز الأسباب المألوفة، وهو ما جعل هذا الباب من أكثر أبواب السحر والخيمياء اختلاطا بالفلسفة والأسطورة والتجربة والادعاء، حتى أصبح التمييز بين الحقيقة التاريخية، والرمز الخيميائي، والمبالغة الأسطورية،
من أدق أعمال الباحث المتخصص.
وبالعودة إلى كتاب الله، نجد إشارات للسحر الأزرق وفق فهمنا وتفسيرنا الذي نقبل فيه النقاش العلمي الهادئ العميق.
وشاهدنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ۖ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ۖ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[6]
تصف هذه الآيات مشهدا من تاريخ بني إسرائيل عندما كانوا تحت حكم طالوت، في حربهم مع جالوت، الذي زعموا أنه عملاق من نسل مختلط بين ملائكة سقطت من السماء ونساء من بنات حواء، وهو ادعاء فارغ لا صحة له.
ورغم أن اسم جالوت يقابله في العبرية (Golyat) جليات، وطالوت يقابله في العبرية شاول (Saul)، فإن الله سبحانه قد أعطانا الأسماء الحقيقية، وليس من العبث أو المصادقة أن كلا من طالوت وجالوت وهاروت وماروت تنتهي جميعا باللاحقة (ـوت)، التي نجدها تعني الامتداد في اللغة العربية، مثل جبروت وملكوت.
وهذه اللاحقة تثبت أن الأمر يتعلق بأصل لغوي وحضاري واحد تم تحديده أثناء الحديث عن هاروت وماروت أو الملكان ببابل.
وحسب رأيي فطالوت بابلي، وهو ابن ملك بابل الذي قتله جالوت، وكان ساحرا عليما بفنون السحر، وقد وضع في النهر مزيجا مُعدّا بالسحر الأزرق يؤثر في العقول والأنفس، وهو سحر الفزع، شيء كمخدرات الهلوسة.
وكان يستخدم هذا للانتصار على خصومه عبر تسميمهم وتلويث عقولهم فيرونه بحجم عظيم ويرون جنوده عمالقة مرعبين، في امتزاج بين رؤية العالم المادي ورؤية هلوسات الشياطين ووجوههم، وهذا ممكن أيضا بأنواع من الأبخرة والأمزجة التي تلوث العقل وتعبث به.
وقد أوحى الله إلى طالوت بهذا الأمر فقال لجنوده الذين أصابهم الظمأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ۖ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ۖ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ﴾.
فهذا السحر امتحان من الله لهم، حيث سيجدون النهر في طريقهم، والذي وضع فيه جالوت السحر، فمن شرب منه تلوث ذهنه، وأصابه فزع شديد، وتخلى عن الحرب، ومن لم يطعمه ثبت مع طالوت، ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ لأن ذلك لا يؤثر فيه، بل يؤثر في من شرب منه أكثر.
وهكذا لم يبق معه إلا قلة ثابتة. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾. وهذا تمحيص إلهي عظيم، وحكمة ربانية محكمة، حتى لا يقاتل ذلك الساحر الظالم إلا من لم يتأثر بسحره، وحتى تحل القوة الروحية العظيمة التي تكسر بإذن الله سبحانه عتو السحرة والمستكبرين.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾.
وهو مشهد عظيم يظهر قوة الإيمان والصفاء الروحي، الذي يؤهل أصحابه لتلقي الأمداد الإلهية، والعون الروحاني، والتدخل العلوي. وهذا يكون في كل زمان، ولدى كل ثلة توفرت فيها هذه الصفات.
فتمت هزيمة جالوت الساحر، ورجع طالوت ملكا على قومه، وداوود ملكا على قومه، عليهما السلام. ثم كان ما ذكرنا آنفا في شأن من ورثهما وكان بعدهما.
ختاما فالسحر الأزرق من أخطر وأخبث أنواع السحر، وضمنه أنواع من السحر المأكول، وما يعمل على عنصر الماء وعنصر الهواء، في الأبخرة والأمزجة والدخان، وفي أمور أخرى لا تحصى.
وعلاجه في علوم الأبخرة والأمزجة التي تصفي الذهن وتنزع أثر ذلك السحر، وله فنون علاج أخرى، ليس هذا سياقها.
[1] هرمس الهرامسة، أو هرمس المثلث العظمة (Hermes Trismegistus): شخصية حكيمة أسطورية ظهرت في الثقافة الهلنستية، وجمعت بين الإله المصري تحوت، رمز الحكمة والكتابة، والإله اليوناني هرمس. نُسبت إليه مجموعة من المؤلفات الفلسفية والروحانية والخيميائية المعروفة باسم الكتابات الهرمسية، ولذلك عُدّ في التراث الباطني أبا للحكمة والخيمياء والتنجيم. وليس هناك دليل تاريخي يثبت أنه شخص واحد حقيقي ألّف جميع هذه الكتب. وقد ربطه بعض المؤلفين المسلمين بالنبي إدريس عليه السلام، لكن ذلك قول تراثي لا حقيقة تاريخية قطعية.
[2] جابر بن حيان: عالم مسلم يُعد من أبرز رواد الكيمياء في الحضارة الإسلامية، وعاش في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. نُسبت إليه مئات المؤلفات في الكيمياء والصيدلة والفلسفة الطبيعية، ويُعرف في التراث الأوروبي باسم Geber. أسهم في تطوير المنهج التجريبي ووصف عمليات مثل التقطير والتبلور والتسامي، وكان له تأثير كبير في تطور الكيمياء الأوروبية في العصور الوسطى. كما تضمنت بعض مؤلفاته موضوعات في الخيمياء والرمزية، وهو ما كان شائعًا في عصره، إلا أن الباحثين يختلفون في نسبة جميع الكتب المنسوبة إليه لشخصه.
[3] ألبرت الكبير: فيلسوف ولاهوتي وعالم ألماني من العصور الوسطى، كان من أبرز علماء عصره في الفلسفة والعلوم الطبيعية، ونُسبت إليه لاحقًا في التراث الشعبي بعض مؤلفات السحر والخيمياء، مع أن كثيرًا منها منحول ولم يثبت أنه ألّفها
[4] نيقولا فلاميل: ناسخ وموثق فرنسي، اشتهر في الروايات والأساطير الأوروبية بوصفه خيميائيًا اكتشف حجر الفلاسفة وإكسير الحياة، لكن المؤرخين لا يجدون دليلًا تاريخيًا يثبت هذه الادعاءات، ويرون أنها أساطير ظهرت بعد وفاته.
[5]باراسيلسوس: طبيب وكيميائي وفيلسوف سويسري، يُعد من رواد الطب الحديث والكيمياء الطبية، واهتم بالخيمياء والعلوم الباطنية في عصره، وكان يرى أن دراسة الطبيعة والأدوية ينبغي أن تقوم على التجربة أكثر من الاعتماد على الموروث القديم.
[6] البقرة: 249-251