4 دقائق للقراءة
أنواع السحر كما وردت القرآن الكريم
السحر الأصفر
فتنة من فتن الدنيا الكبرى، ومحنة لمن ابتلي به، سواء بلغ ما أراد من دفائن التراب، أو أضاع ماله وجهده وحاله خلف السراب.
فالسحر الأصفر سحر خاص باستخراج الكنوز، بالاستعانة بالجن، والمردة الكبار والأبالسة.
بعض أنواعه يجتمع مع السحر الأسود، وآخر يلتقي بالسحر الأحمر.
وهو على خمس وأربعين نوع، وفي أبواب كثيرة، معظمها في كتاب ابن الحاج الكبير، وهو على غاية الندرة كأصل أو نسخ.
ومما يوجد فيه سحر الجلب، وهو أعلاها، حيث تكتب طلاسم وتلقى في موضع الكنز فتجلبه الجن إلى الساحر عيانا.
ومنه ما يفجر الأرض ويستخرج ما فيه بقوة الجن.
ومنه سحر الرصد والاحاطة، عبر رصد الكنز وإحاطته بأسماء ملوك جن، كشمهروش، ثم استخراجه.
وكذلك سحر التحويل والمبادلة، عبر مبادلة الزئبق الأحمر بالذهب مع بعض طوائف الجن، إثر الاشتغال عليه زمنا لتحرير طاقته الروحية التي يستفيد منها أنواع من الجن، ولا يكون لهم ذلك إلا عبر ساحر متمكن، وقد اِلتقيت في رحلاتي عبر العالم بمن دفع مبالغ خيالية ثمن هذا الزئبق.
ومن أنواعه كذلك سحر القهر والتسلط، عبر تسليط أنواع من الجن على أنواع أقل منها قوة، لقهرها وافتكاك الكنوز التي تحت حمايتها.
وأكثر طوائف الجن التي تعمل في هذا هم الجن اليهودي، كما أن أكثر البشر الذين أتقنوا هذا النوع من السحر هم اليهود، وعلى رأسهم من ذكره الله في كتابه العزيز وذكر كيف أوتي كنوزا لا تحصى، فاغتر بذلك، وغر به أهل المطامع الدنيوية، وتحدى نبي الله موسى، وتفاخر بماله، مدعيا أن ذلك خير من النبوة والوحي، فخسف الله به وبداره، ومضى كأنه لم يكن، وهي من القصص العظيمة في كتاب الله، ومن العبر التي لابد ان يعتبر بها من سكنت أرواحهم حمى الكنوز التي لا تكتفي ولا تشبع.
وفي هذه الآيات عبرة، وأية عبرة: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) ﴾[1].
وقول قارون كما ورد في كتاب الله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ إشارة إلى السحر الأصفر، فقد بلغ فيه قارون مبلغا كبيرا، حتى صار يجلب الكنوز، وقد تعلمه من السامري، وهذه قصة أخرى لها موضعها في غير هذا الكتاب.
وما تجدر الإشارة إليه في هذا الباب، أن هنالك من وقعوا في وهم استخراج الكنوز، وهنالك من ضيعوا أموالا طائلة خلف ذلك.
كما يوجد مشعوذون ودجاجلة مخادعون، يخدعون ضحاياهم بادعاء استخراج كنوز لهم، بل وهنالك من يستعمل السحر التخييلي، فيرى الضحية الكنز بعينيه، ويمسك الذهب بيديه، ثم يقول له الساحر آتني مقدار كذا من المال والكنز كله لك، فينخدع الآخر فيعطيه، وفي الصباح لا يجد إلا الحجارة، وقد التقيت في إحدى الدول العربية بمن تعرض لهذا وخسر مالا كثيرا.
كما أن هؤلاء المشعوذين يعتمدون على طمع بعض الناس وعدم قناعتهم بما أعطاهم الله، أو على يأسهم وبؤسهم، ولذلك يقع في حبائلهم أغنياء طمعوا، وفقراء ما قنعوا.
وهذا السحر فاسد مفسد، والكنوز التي يتم استخراج بعضها بقرابين من دم، لا تستحق قطرة من ذلك الدم، ولا لحظة من ذلك العمر، لأنها زينة الفناء، ومتاع الزوال.
ومن سر الله سبحانه وعظيم حكمته، أنه لم يجعل سبيلا للشر إلا جعل للخير عليه سبيلا أعظم.
وفيما يخص السحر الأصفر، فهنالك علم روحي عظيم، وفن نوراني كبير، يمنحه الله لمن أراد، فيستخرج الكنوز به دون سحر، ولا جن، بل رحمة من لدنه، ودليلنا على هذا في خبر موسى والخضر واليتيمين.
فانظر قوله سبحانه على لسان عبده الخضر مفسرا لكليمه موسى بعض ما لم يستطع عليه صبرا: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾[2].
ولا يخطر ببال عاقل أنهما سيستخرجان كنزهما بالسحر، بل سيفعلان بعلم روحي وبالاستعانة بالرواحين العظيمة.
وهو علم وهب لا علم كسب.
وهذا باب لا نريد الخوض فيه أكثر.
[1] القصص
[2] الكهف: 82