3 دقائق للقراءة
في مثل هذا اليوم، الحادي عشر من محرم، لم يكن موسى قد نجا من فرعون، واحتفى بنو إسرائيل بعد أن شكوا بغرقه ثم أيقنوا.
ولم يك يونس قد نجا من بطن الحوت، ولا يوسف قد نجا من سجنه، ولا إبراهيم قد نجا من نار النمرود، ولا نوح قد أنجاه ربه من الطوفان والعذاب الشديد.
ولا كان في مثل هذا اليوم متاب آدم بعد أن تلقى من ربه الكلمات، ولا شيء مما يُردَّد دون روية.
في مثل هذا اليوم، الحادي عشر من محرم، سنة واحد وستين للهجرة، الموافق للثاني عشر من أكتوبر سنة 680 ميلادي، كان آخر ابن بنت نبي خلقه الله، مضرجا في دمائه، شلوا ممزقا، وجسدا مقطوع الرأس، جرت عليه الخيل بحوافرها، فحطمت أضلاعه، ومزقت لحمه.
وفي مثل هذا اليوم، كان رأس الإمام الحسين ومن قاتلوا معه من أهله وصحبه محمولا على الرماح إلى ابن لائكة الأكباد، وكانت زينب في السبي والرحلة المضنية، مع من معها من بنات الرسول، في مشهد لم تر السماء ولم تشهد الأرض له مثيلا.
في مثل هذا اليوم، كان صفوة من أبناء الإمام علي، وأبناء الإمام الحسن، وأبناء الإمام الحسين، ومن ثبت معهم من أهل رحمهم وأصحابهم، أجسادا فارقتها الأرواح، وطعنتها الخناجر والرماح، ومزقتها السيوف، وسعت عليها بعسفها الحتوف.
في مثل هذا اليوم، كان مقطوع الكفين قد أوفى بعهده مع أخيه وأخته، وسعى للماء لا يذوقه رغم الظمأ، وقاتل قتال أبيه لفلول الكافرين.
في مثل هذا اليوم، كانت زينب قد صرخت صرختها التي مزقت سجف الصمت، وهزت العرش، ورجت ملكوت الفرش.
في مثل هذا اليوم، كانت الطف قد ارتوت بدماء الأطهار، واحترقت بذنوب الفجار، يقتلون ولد خاتم النبيين، وابن أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وفلذة سيد نساء العالمين.
في مثل هذا اليوم، كان أوجاع أولئك الصفوة المجتبين، والثلة المنتجبين، قد انتهت أخيرا، بعد يوم من الصبر والجِلاد، والحرب والجهاد.
وبعد هذا اليوم أيام أخر، من رحلة الرؤوس على الأسنة، وسبي بنات نبي القرآن والسنة.
ومن مشهد ابن بغي قريش وزعيم كفارها وإمام مشركيها، وولد عدو الإمام علي وقاتله، ومن سمم الإمام الحسن وقتله، المجرم يزيد، الفاجر الرعديد، والفاسق العنيد، شقي غير سعيد، فاسد كاسد، وناقم حاسد، وحقود كنود، ومستكبر جحود، غلام تحت الغلمان، ومترنح سكران، وكافر بدين الرحمن، يؤتى إليه برأس إمام الهدى، وعطر المدى، وخير البرية، وحفيد النبي وولد التقي والتقية، فنكت بالقضيب ثناياه، مستبشرا ضاحكا، وشامتا هازئا، وهو ينشد من قول ابن الزبعري بعد أحد مع تغيير فيه:
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً
ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم
وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل
ومن ذلك اليوم إلى هذا اليوم، ما زال سم الشجرة الملعونة يسري في القلوب والعقول، ناشرا إفكه، مظهرا زيفه، مدعيا الحق وهو أبعد ما يكون عنه، ناسبا إلى رسول الله ما هو براء منه.
ولطالما رأتهم أعين الدنيا وسمعتهم أذن السماء، وهو يرطنون ويرجفون ويقولون: عاشوراء وما ادراك ما عاشوراء، يوم أنجى الله موسى من فرعون وشق له البحر، يوم نجا يونس من بطن الحوت ويوسف من سجنه وإبراهيم من نار النمرود، ونوح من الطوفان وآدم من ذنب النسيان، فاحتفوا يا أمة الإسلام بعاشوراء واحتفلوا، قد صامه رسول الله أول ما قدم المدينة، وقال نحن أولى بموسى من يهود، ولو عشت لقادم لصمت تاسوعاء، ولكنه لم يفعل كأنه عاش في المدينة عاما واحدا.
وكم رددوا دون فهم، أن من النبي قال:
“مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ
وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ”
“قال جابر الصحابي: جَرَّبْناه فوجدناه صحيحًا،
وقال ابن عيينة: جَرَّبْناه خمسين أو ستين سنة فما رأينا إلا خيراً”.
فأي عقل يقبل أن التوسعة على العيال في اليوم الذي ضُيّق فيه على عيال رسول الله فيه بركة وخير، وأي قلب يقبل أن نبي الرحمة قال ذلك، أو أن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله نطق ما نُسب إليه، في حين أن عاشوراء لم تعرف كيوم وحدث إلا بعد استشهاد الإمام الحسين ووقعة الطف.
ولا كان نوح وإبراهيم ويونس ويوسف وموسى وآدم من قبلهم، عليهم السلام، يعرفون شهر محرم ولا الأشهر العربية، ولكن أراجيف امية ونقمتها وأثر لعنتها وشجرتها مستمرة في الامة حتى يخرج القائم فيضرب على القلوب والأعناق، ويخرج ضغائن أهل النفاق.
فاحذر يا هذا أن يخدعوك بما أسمعوك، وأن يضروك ولن ينفعوك، فوالله لن تغني عن أمية، ولا ذيول امية، ولا من ردد بلا روية، ونطق دون بينة.
ومن لم يحزن على مصاب النبي وآله، ومقتل صفوة عياله، وخيرة رجاله، فليبك إذا على مآله، وليندب على ضيق حاله، وانقطاع وصاله.
حبيبي يا أبا عبد الله، قتل قوم بأيديهم وسيوفهم، واستمر آخرون في قتلك بألسنتهم وقلوبهم.
لكن لك في عصر رجال، وفي كل مرحلة قوم يفتدونك لو أدركوك، ويفدونك لو شهدوك.