التصوف جمر

3 دقائق للقراءة

أول التصوف جمر

التصوف إذا أردت اختزاله فأقول هو أمر وخمر وجمر وتمر، ولكن في تشكيل هذا الأمر لا بدّ أن نبين التراتبية : أول التصوف جمر، فخمر، فتمر، فأمر.
أوله جمر، جمر المكابدة مع النفس، تطهير النفس وتزكيتها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا﴾ ليس أمراً هيّناً.
● أنت لا تواجه عدواً خارجياً يضربك قد يصيبك وقد لا يصيبك، قد تتحصن وقد تفرّ وقد تبتعد وقد تحتمي، أنت تواجه عدواً يسكنك، عدواً يملكك كما تملكه، وهو فيك ويسمع ما يدور بينك وبينك ويسمع عقلك ويسمع قلبك.
● عدو مدجّج بالأسلحة مليء بالخبائث ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ فيه جميع أنواع الفجور، عدو يؤزّه شيطان، عدو يريد أن يفعل الشر ويعشق الفساد، عدو وسواس مُوسوَس.
● عدو يستغل شخصيتك إذا وجد فيها ضعفاً، يستغل طاقاتك، يستغل عقلك إذا وجد فيه جهلاً، يستغل قلبك إذا وجد فيه حقداً وحسداً، يستغل ذهنك إذا وجد فيه وهماً، ويعشق الأوهام ويكره الأفهام.
● عدو يصعب عليك قتله لأنّ الذي خلقه جعله في بوتقة تحميه، قد تحرقه بالأذكار فيقوم بعد ذلك عقب ذلك النهار ويرجع إليك كأن لم ير آية.
● عدو مهما رأى من كرامات الله لا يطمئن إليها، عدو مهما أنعم الله عليك لن يحمد الله فيك.
هذا العدو الأمارة بالسوء لا تتوقف حتى يرسل الله إليك ملكاً يضربها ضربة واحدة ويستلّها مرة واحدة ويقضي عليها دفعة واحدة، فإذا أنت قد تغيّر حالك وقد اتسع لبّك وأشرق حبك ورضي ربك، وهذا ليس بالهيّن ولا اليسير. نعم أسيادنا الأنبياء كانوا بأنفس سليمة كريمة، أنفس عظيمة، أنفس منفوحة، أنفس كاملة، وكذا الأقطاب وكذا الأئمة الكبار، ثم الأقطاب من بعدهم والأنبياء من قبل ذلك، كانوا بأنفس كاملة.

أما نحن المساكين الدراويش المريدون الخائفون المذنبون الخطّاءون النسّاءون نحن هذا حالنا، حالنا ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ . التقوى كالماء الذي تحت الأرض يحتاج إلى حفر، يحتاج إلى حالة حفر ﴿قدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ ، يحتاج إلى من يحفر عميقاً في تربة الذات ليُخرج تلك الأنوار بكسر الملذّات وبتقويم تلك الذات، يُخرج ماءً صالحاً وتصبح أرض ذاته خضراء مونعة، هذا يحتاج إلى مشقة.
أما دسّاها أما الشر ماثل بين يديك، أنت مجرد تنويه ستجده حاضراً، تجد كل جيوشه معك، تجد الخبث تجد الفساد تجد الشهوات تجد كل الموبقات كل المساوئ كل الدناءات، والشياطين تُسرع إليك. أما إذا أردت أن تحفر تُلقى عليك العوائق ويُلقى في سبيلك كل عائق، وحتى إذا ناديت العوالم الروحانية والنورانية تتلكأ عليك، لأنها تريدك أن تجرّب أن تبقى لحظة في بئر يوسف، أن تبقى لحظة في سجن يوسف، أن تُبتلى بلاء أيوب، أن تُلقى في بطن الحوت قليلاً، أن تُلقى في التابوت يحملك اليم إلى الساحل، أن تذوق من حالات سيدنا موسى، أن تذوق من حالات النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثقيلًا﴾. الحق يمحّصك، المطرقة عدوّة للحديد، الحديد الذي هو تحت المطرقة يراها عدوّة له، أما السيف فيعرف أنها صديقته لأنها صنعته. فأنت عندما تكون في حالة تقويم سترى تلك الآلام وتلك الصدمات وتلك الأحزان ترى أنها نوع من العداوة، كأنّ القدر يعاديك ويجافيك، وكأن العوالم الروحانية والعلوية متخلّية عنك. ولكن إذا وَصلت وإذا فصلت وإذا اتصلت وإذا وُصِلت، وإذا عليك تجلى، وإذا علمت أنه ما تخلى، وإذا دخلت في مقامات التحلّي والتجلّي والتملّي، حينها ستعرف أن أمرك إنما كان إلى خير وإنما تلك البلاءات كان لا بدّ منها.

إذن أول التصوف جمر، جمر صعب متأجّج مُحرق يُحرق نفسك. الذكر يحرق النفس، الصلوات ثقيلة على النفس، أحياناً عندما تروم أن تذكر سوف تصاب بالنوم، بالثقل، بالتثاؤب، بالكسل. إذا رمت أن تمضي إلى تسلية أخرى ستجد نفسك صاحب همة، إذا وقفت تصلي لتقوم الليل ستجد كل الوساوس تأتي إليك كل المشاكل، تجد الأغاني التي سمعتها والتي لم تسمعها تأتي إلى رأسك تشوّشك لا يعني أن الأغاني سلبية لكن لكل مقام مقال، تأتي إليك في غير مقامها، وتجد أنّ كل ما فيك يفرّ منك، جمر صعب.
لذلك أهل الله ماذا فعلوا ؟ أهل الله عندما أرادوا أن يصلوا إلى معبودهم ومحبوبهم وأرادوا تحقيق مرغوبهم ومطلوبهم ماذا فعلوا ؟ شمروا على ساعد الجِدّ. بدأوا ب “لا إله إلا الله” مرّروها على ألسنتهم آلاف المرات، حتى سرت أنوارها إلى صدورهم وحتى سعت إلى قلوبهم وحتى اتّسعت إلى نفوسهم وحتى سرت في عقولهم وحتى مضت في خلاياهم وحتى أحاطت بهم وحتى اخترقتهم وحتى نوّرتهم وحتى طوّرتهم وحتى غيّرتهم وحتى صيّرتهم وحتى اجتذبتهم فما خيّرتهم وحتى طيّرتهم وحتى حيّرتهم فتحيّروا وما تطيّروا ومضوا وما غيّروا وتغيّروا وتطوّروا فما تطيّروا، إنما تفاءلوا بالله فوجدوا الله، فرّوا إلى الله فوصلوا إلى الله، وكانت حياتهم الله، ذكرهم الله ، سكونهم الله، حركاتهم الله مكثوا في ذلك الذكر وأقاموه سنين وأشهراً.

موسوعة الدروس البرهانية المجلد الثاني: علم التصوف – ختام الرحلة – ص510
https://manara-org.com/archives/1641

مقالات ذات صلة

يوم عرفة لمن عرفه
الحجّ عرفة أيها الأحباب هذه ليلة من ليالي الله، ليلة تتغنى فيها ملائكة الله سبحانه كغناء صاحب الأيْكِ على الأَيْكْ، ونَائِحة البانِ على البَانْ،...
2 دقائق للقراءة
حتم القدرة
هدية لعشاق العلم من المعين الخضري، والنفح القرآني، والمدد المحمدي، بسر وراثة النسب له ولآله.أنشرها لأول مرة من موسوعة البرهان، باب علم القانون.ونحن تعمدنا...
10 دقائق للقراءة
حكمة من إشراقات
هنا موعد جديد مع الذكاء الاصطناعي وأنا أعد الجزء الثالث من كتاب إشراقات، وأعدت شرح هذه الحكمة: الإشراقة الحادية والسبعونالرؤية غير النظر.فالعين تنظر، والقلب...
3 دقائق للقراءة
دلالة الاسراء والمعراج
دلالة الإسراء والمعراج إنّ الإسراء والمعراج دليل اشتياق السماء لرسول الله ﷺ قبل موته، وما موته إلا تركه لجسده الشريف وانتقاله إلى حياة عظيمة...
2 دقائق للقراءة
بين النبي والولي
بين النبي والولي أرجع إلى نقطة أنّ كل نبي يُبعث لحضارة وهي في قمة قوتها إلا ما بعد موسى، كان هنالك قتل الفرعون إبادة...
2 دقائق للقراءة
صراع الباطن والباطل
ليت بعض الشيوخ يقرؤون هذا قبل أن يلوثوا قلوب أتباعهم بالحقد والكراهيةإنهم نفوسهم لم تواجه الشر الذي فيها، وبواطن لم تتطهر من الباطل وأهله،...
3 دقائق للقراءة
لنحتفل بالمولد
هَا قَدْ أَشْرَقَ مَوْلِدُ سَيِّدِ الأَنَامِ، وَمِصْبَاحِ الظَّلَامِ، نَبِيِّنَا وَشَفِيعِنَا وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.إِنَّهُ حَدَثٌ مُفْرَدٌ لِمَقَامٍ مُفْرَدٍ، لَيْسَ فِي أَيَّامِ الْخَلْقِ نَظِيرٌ...
2 دقائق للقراءة
في النظر والمنظور
في كل مسألة نظر، وفي كل نظر منظور، وقد يختلف باختلاف الناظر، فمن نظر بالحكمة وجد أثرها، ومن نظر محبا أو منبهرا، كارها أو...
4 دقائق للقراءة
أحوال القلوب
في سيرورة الأيام حكم قديمة تتجدد، وآيات لله تنجلي وفق سنة وناموس إلهي لا تبديل له.تحت بند قوله سبحانه:﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِی ٱلَّذِینَ خَلَوۡا۟ مِن...
4 دقائق للقراءة
كلمة حق حسينية
سواء كنت سنيا أو شيعيا، فقضية الإمام الحسين تعنيك، لأنها من جواهر القضايا التي يقاس بها الإيمان ويمتحن بها تحقق معنى الإسلام.لا إيمان دون...
< 1 دقيقة للقراءة