2 دقائق للقراءة
أخيرا تحقق حلمي، وأصبحت شيخا!!
إن اللحية التي على وجهي الآن، أهم من علمي وفهمي وفصاحتي التي ثبتت قبل أن تكون عندي لحية أصلا.
بل إن النسب والحسب الثابتان تحقيقا وتوثيقا، لا يثبتان، بزعم بعضهم، لمن لا لحية له.
فاللحية، عندهم، جوهر السنة، وبرهان العرفان، ودليل الإيمان، وحجة الرسوخ في العلم، مع مصاديق الرجولة والفحولة والهيبة والمهابة!
ولكني أسأل: كم لحية كانت على وجه شقي، كما كانت على وجه ولي.
وكم لحية كانت سبيل خداع، كما هي لدى الصادقين مظهر ورع.
وكم لحية على وجه جاهل، يفضحه بيانه، ويكشفه لسانه؟
كما كانت على وجوه علماء راسخين، وصلحاء عارفين.
إن اللحية، كما بيَّن القاضي عياض، جِبِلِّية، من الجِبلَّة، أي أمر اعتادت عليه العرب لدلالة السيادة، ولا علاقة لها بإيمان مؤمن أو كفر كافر، فكما كان من أهل الإيمان أصحاب لحى، كان أبو جهل صاحب أطول لحية في أرض العرب، لأنه كان يحب الوجاهة والتباهي.
ولذلك يا عزيزي، إن كنت بلحية أو دونها، فليس هذا هو الأمر الأهم، بل جوهرك هو ما يهم.
فالجاهل لا تجعله اللحية عالما، والجبان لا تجعله شجاعا، وفاقد الرجولة لا يصبح رجلا ببعض الشعر على ذقنه.
فقط المدارس القشرية، التي تركز على القشور، تجعل قضية اللحية هي ميزان العلم والجهل، والرجولة والديوثة، وخاصة حشوية السلفية، وهؤلاء يصدق فيهم قول الشاعر:
خليليّ كم ثوب وكم من عمامة
على جسد لا علم فيه ولا عقلُ
وكم لحيةٍ طالت على ذقنِ جاهلٍ
وما تحتها إلا الغباوةُ والجهلُ
وكم راكب بغلا له عقل بغله
تأمل ترى بغلا يركبه البغل
ولمن أراد أن يرى مصداقا من مصاديق هذه الأبيات يمكنه النظر لوجه ولحية الشيخ كركورة المعظم، ثم يسمع بيانه وهو يترنم بـ: افتح يا سمسم، وغير ذلك من الدرر.
ملاحظة أولى: هذا المقال صفعة ساخرة لعم فلان الذي يعرف نفسه، وله لحية طويلة طول حسده وحقده، لأنه ينشر دائما صوري ويشتمني ويشكك في علمي ونسبي إلى رسول الله لمجرد أني بلا لحية، وهو لا يعلم أن لحيته تلك لا تغني له أمام الله شيئا، ولا تزيده في ميزان الرجال ذرة.
كما نسي قول رسول الله: إن الله لا ينظر إلى وجوهكم بل إلى قلوبكم.
ونسي قول الله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبࣲ سَلِیمࣲ﴾ [الشعراء ٨٩]
﴿إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ﴾ [الصافات ٨٤]
ولم يقل: بلحية سليمة.
ويشهد الله أن قلب عم فلان قلب فاسد حاسد حقود.
ملاحظة ثانية: عمنا الذكاء الاصطناعي صنع لي لحية جميلة، تشبه بعض علماء الشام ممن عرفناهم وكانوا أهل صلاح وتقوى. ويبدو أني سأعمل على تنفيذ ذلك.
ملاحظة ثالثة: هذا المقال لا يستنقص من أحد من أهل الصلاح والعلم والصدق، ممن كانوا من أصحاب اللحى، ولنا فيهم أحباب كثر نجلهم ونحبهم في الله، ويجلوننا ويحبوننا، بل فقط يصفع الحشوية والدجاجلة أيا كانوا، لأنهم جعلوا القشرة أهم من الجوهر، واستعملوا ذلك لاستمالة الناس وخداهم، وقلوبهم فاسدة، وعقولهم جاهلة، بل هم أعداء لرسول الله وآل بيته، ولمجمع الصالحين.
وجمعة مباركة.