المولد النبوي الشريف: رحلة تاريخية

9 دقائق للقراءة

قال بعض بني وهبان أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أسوأ من شرب الخمر والزنا، وأن لحم الذبائح للمولد أشد حرمة من لحم الخنزير.

ذلك أن من لم يعرف ولم يغرف، لن يفهم المعاني، ولن يدرك سر السبع المثاني.

فالمولد النبوي الشريف ذكرى عظيمة، لولادة أعظم الخلق وأشرفهم، ولكونه فاتحة كتاب الدعوة المحمدية، ومستهل نور الوحي، وبداية ختم النبوة.

وقد نسب هؤلاء الاحتفال بالمولد للفاطميين حصرا، وبنوا على ذلك حكما بأنه بدعة وضلال، لأنهم يرون الفاطميين وعموم الشيعة في ضلال وشرك، شأنهم في ذلك، حسب زعمهم، شأن الصوفية.

ولكن الثابت تاريخيًا أن الاحتفالات الرسمية داخل الدائرة السنية، ولئن تأخرت بنحو قرنين عن الاحتفال الفاطمي، كانت احتفالات عظيمة، وقف لها ودعمها وأقر بها أكابر علماء السنة في تلك الفترات، وأنها لم تكن تقليدًا للفاطميين أبدًا.

 وأشهر تلك الاحتفالات السنية ما كان زمن السلطان مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن زين الدين علي بن بكتكين التركماني، حاكم إربل، المولود في 27  محرم سنة 549هـ، الموافق مايو/أيار 1154م تقريبًا، والمتوفى في 14  رمضان سنة 630هـ، الموافق يونيو/حزيران 1233م.

 وكان من كبار أمراء عصر صلاح الدين الأيوبي، واتصل بخدمته وشارك في حروبه ضد الصليبيين، وتزوج ربيعة خاتون بنت أيوب، أخت صلاح الدين.

 وقد أفرد له شمس الدين الذهبي، المتوفى سنة 748هـ/1348م، ترجمة مهمة في سير أعلام النبلاء، ووصفه بما يدل على مكانته وصلاح سيرته؛ فذكر أنه كان محبًا للصدقة، يفرق الخبز كل يوم، ويكسو المحتاجين، وأنشأ دورًا للنساء والأيتام، ورتب المراضع للأطفال، وكان بنفسه يدور على مرضى البيمارستان ويتفقدهم، كما بنى مدرسة للشافعية والحنفية ورباطين للصوفية، وكان «متواضعًا، خيرًا، سنيًا، يحب الفقهاء والمحدثين».

وهذه شهادة ذات دلالة خاصة لأنها صادرة عن الذهبي، أحد كبار أئمة الحديث والنقد والتراجم عند أهل السنة.

ولم يكن احتفال المظفر بالمولد اجتماعًا صغيرًا أو مجلسًا خاصًا داخل قصره، بل تحول في إربل إلى موسم ديني واجتماعي ضخم تقصده الوفود من العراق والجزيرة وغيرها.

والذهبي نفسه يقول عند وصف احتفاله:  “وأما احتفاله بالمولد فيقصر التعبير عنه”، ثم يذكر أن الخلق كانوا يقصدونه من العراق والجزيرة، وأن قبابًا خشبية كانت تنصب له ولأمرائه وتزين، وأن المظفر كان ينزل إليها في أيام الاحتفال، وأن الأنعام من الإبل والبقر والغنم كانت تخرج بأعداد كبيرة ثم تنحر وتطبخ، وأن الخلع كانت تعد للصوفية، ويقوم الوعاظ بالكلام في الميدان، وينفق السلطان على ذلك أموالًا جزيلة.

وأقدم وأدق الأوصاف التفصيلية لهذا الموسم نجد جانبًا مهمًا منها عند المؤرخ ابن خَلِّكان، المتوفى سنة 681هـ/1282م، وهو قريب زمنيًا من المظفر، وقد عاش في إربل واطلع على أخبارها.

 ويصف في “وفيات الأعيان” الاستعداد للمولد وصف شاهدٍ ومعاين فيقول: كانت تنصب قبب عظيمة من الخشب في الميدان، وتتعدد طبقاتها، وتزين، وتقام فيها مجالس الإنشاد، وكان الملك يخرج بعد العصر فيمر على القباب واحدة بعد أخرى. وكان الاحتفال يستمر أيامًا، ويقصده الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء من البلاد، حتى إنهم كانوا يصلون إربل قبل المولد بمدة انتظارًا للموسم. وهذه التفاصيل نفسها هي التي نقلها الذهبي بعد ذلك عند ترجمته للمظفر.

وكانت من أبرز مظاهر الاحتفال إطعام الطعام على نطاق بالغ الضخامة. فقد نقل سبط ابن الجوزي، المتوفى سنة 654هـ/1256م، في “مرآة الزمان” عمن حضر أحد أسمطة المظفر أنه أحصى فيه نحو خمسة آلاف رأس من الغنم المشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية من الطعام، وثلاثين ألف صحن من الحلوى.  وكل هذا لم يكن لزخرف الدنيا بل كان للاحتفال بمولده عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

كما ذكر أن أعيان العلماء والصوفية كانوا يحضرون المولد، وأن الملك يخلع عليهم ويكرمهم، وتقام مجالس السماع للصوفية.

وقد حفظ السيوطي هذه الرواية بنصها تقريبًا في “حسن المقصد في عمل المولد”، كما نقلها غيره من المؤرخين.

ويذكر سبط ابن الجوزي أيضًا أن نفقات المولد بلغت ثلاثمائة ألف دينار في السنة، وأن للمظفر دار ضيافة ينزل فيها القادمون من مختلف الجهات، وكان ينفق عليها مائة ألف دينار سنويًا. وهذه النفقات لم تكن منفصلة عن مشروع خيري أوسع؛ إذ تنقل المصادر أنه كان ينفق على افتكاك الأسرى من الفرنج، وعلى الحرمين الشريفين ومياه طريق الحجاز، فضلًا عن صدقات السر. ولهذا فإن المولد عنده كان جزءًا من منظومة أوسع من الإطعام والصدقة والضيافة ورعاية العلماء والفقراء والصوفية.

وقد لخّص الحافظ ابن كثير الدمشقي، المتوفى سنة 774هـ/1373م، الصورة في “البداية والنهاية” بعبارة واضحة، فقال عن المظفر إنه “كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالًا هائلًا”، ثم وصفه بأنه كان شهمًا شجاعًا بطلًا عاقلًا عالمًا عادلًا، وختم ترجمته بأنه مات سنة 630هـ “محمود السيرة والسريرة”.

فابن كثير لم يورد إقامة المولد بوصفها طعنًا في دين الرجل أو سببًا لإسقاط عدالته، بل أوردها في سياق ترجمته والثناء عليه.

ومن أهم الأدلة على حضور العلماء في احتفالات المظهر  بالمولد أن الحافظ الرحالة أبا الخطاب عمر بن الحسن ابن دِحية الكلبي، المتوفى سنة 633هـ/1235م، مر بإربل سنة 604هـ/1207–1208م، فوجد الملك المظفر شديد العناية بالمولد النبوي، فألف له كتابًا في المولد سماه “التنوير في مولد البشير النذير “.

ويقول ابن خلكان إن ابن دحية قرأ الكتاب على المظفر بنفسه، فأجازه الملك بألف دينار.

ولم يكن الملك المظفَّر  أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف داخل المذهب السني، بل هنالك من سبقه، إذ نجد قبله شخصية سنية صوفية مهمة هي الشيخ عمر بن محمد المَلَّا الموصلي، أحد صلحاء الموصل في القرن السادس الهجري، والمتوفى سنة 570هـ/1174–1175م.

 وقد كانت له مكانة كبيرة في زمانه، واتصل بالسلطان نور الدين محمود زنكي المتوفى سنة 569هـ/1174م، وكان نور الدين يعرف له قدره وصلاحه، وكان يقيم اجتماعًا في شهر مولد رسول الله ﷺ، يحضره العلماء والأمراء وغيرهم، وهو ما يجعل الاحتفال السني بالمولد سابقًا على الصورة الكبرى التي اشتهرت بعد ذلك في إربل.

وقد حفظ لنا أبو شامة المقدسي الشافعي، المتوفى سنة 665هـ/1267م، نصًا بالغ الأهمية في كتابه “الباعث على إنكار البدع والحوادث”، فقال في معرض حديثه عن المولد: “وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد المَلَّا، أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره”.

 والشيخ الصالح عمر الملا كان معاصرًا للشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي عاش تقريبًا بين 470/471هـ و561هـ، الموافق نحو 1077/1078–1166م.

وحين نعلم أن الشيخ عبد القادر كان شيخ مشايخ ذلك الوقت، وأنه جمع أولياء الله في زمانه وكبار مشايخ الطرق تحت لوائه، كحياة بن قيس الحراني، وبقا بن بطو، ورسلان الدمشقي، وأبا مدين الغوث، وعلي بن الهيتي، وأبا النجيب السهروردي، وأبي سعيد القيلوي، وقضيب البان الموصلي، وغيرهم، ولا يمكن تصور قيام الشيخ الملا بحفل المولد دون علم أو إذن الشيخ عبد القادر وهو شيخ الشيوخ، أو دون إقرار وموافقة من الإمام الرفاعي المعاصر لهم كذلك.

فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف أصيل داخل المدرسة السنية، وأقره وأقامه أكابر المشايخ والعلماء في فترات مختلفة، ولم يبق محصورًا في المشرق، بل بلغ إفريقية والمغرب الإسلامي منه نصيب وافر، حتى صار المولد في تونس والقيروان مناسبة دينية واجتماعية كبرى، تقام فيها مجالس السيرة والمدائح والصلاة على النبي ﷺ، وتحضرها الدولة والعلماء والعامة.

وقد عرفت تونس مظاهر الاحتفال بالمولد قبل العهد الحسيني بقرون، ثم تعاظمت هذه المظاهر في العهدين المرادي والحسيني حتى دخل المولد ضمن المواسم الرسمية للدولة.

وتذكر المصادر التونسية أن الاحتفال في العهد المرادي كان يقام في دار نقيب الأشراف وتحضره وجوه الناس وأعيانهم لسماع المدائح وقصة المولد، وأن الاحتفالات بلغت شأنًا ظاهرًا في عهد حمودة باشا المرادي (حكم 1040–1076هـ تقريبًا/1631–1666م، ثم جاء العهد الحسيني، فازدادت عناية الدولة بالمولد، وبرز في هذا السياق واحد من أعظم علماء تونس في القرن الثالث عشر الهجري، وهو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد القادر الرياحي، المولود بتستور سنة 1180هـ/1766م، والمتوفى بتونس في 27 رمضان 1266هـ/7 أغسطس 1850م. وكان من كبار علماء جامع الزيتونة، وانتهت إليه رئاسة الفتوى المالكية، وتولى إمامة الجامع الأعظم وخطابته، حتى تصفه كتب التراجم بـ«شيخ الجماعة» و«رئيس المفتين» و«إمام الجامع الأعظم»، وأخذ العلم عن أعلام الزيتونة، منهم إسماعيل التميمي وعمر المحجوب وأحمد بوخريص وغيرهم.

كما أخذ طريق التصوف أولًا عن الشيخ البشير الونيسي، ثم أخذ الطريقة التجانية سنة 1216هـ/1801–1802م، والتقى الشيخ أحمد التجاني في المغرب، وصار من أبرز ناشري طريقته في تونس.

وكانت مكانة الشيخ الرياحي لدى الدولة عظيمة؛ ففي سنة 1218هـ/1803–1804م أرسله حمودة باشا الحسيني، الذي حكم تونس بين 1196 و1229هـ/1782 و1814م، سفيرًا إلى السلطان المغربي مولاي سليمان لطلب الميرة والحبوب بعدما أصاب تونس قحط شديد، فنجحت سفارته وأكرمه سلطان المغرب، واجتمع خلال رحلته بكبار علماء فاس وشيوخها.

وقد وضع الشيخ إبراهيم الرياحي مختصرًا في المولد النبوي، اختصره من مولد الشيخ مصطفى البكري الصديقي، وجعله نصًا يُقرأ في الاحتفال الرسمي بالمولد النبوي في جامع الزيتونة المعمور؛ يذكر فيه نسب رسول الله ﷺ، وفضائل مولده، وما تذكره كتب السيرة من الإرهاصات المصاحبة لولادته ورضاعه وأخبار نشأته.

وكان الاحتفال في جامع الزيتونة المعمور احتفال دولة بكل معنى الكلمة. وقد ذكره المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف (1217–1291هـ/1802–1874م) في كتابه إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، في الجزء الرابع، ص 53–54 بحسب الطبعة التي حققتها لجنة من كتابة الدولة للشؤون الثقافية. وكان ذلك زمن المشير أحمد باشا باي الحسيني (حكم 1253–1271هـ/1837–1855م)، وقد نظمه الشيخ إبراهيم الرياحي والذي جمع منذ سنة 1255هـ/1839م بين الإمامة الكبرى ورئاسة الفتوى ولم يجتمع ذلك لأحد قبله ولا بعده حتى سماه الشيخ الخضر حسين، الذي أصبح شيخا للأزهر، بسلطان العلماء الثاني، بعد سلطان العلماء الأول الشيخ العز بن عبد السلام، تعبيرا عن المكانة التي بلغها الشيخ إبراهيم الرياحي.

ووضعت لهذا المولد ترتيبات رسمية دقيقة جعلت منه واحدًا من أعظم المواسم الدينية للدولة الحسينية؛ حيث يخرج الباي في موكبه الرسمي قاصدًا جامع الزيتونة، ويستقبله الأئمة وأعضاء المجلس الشرعي بمذهبيه المالكي والحنفي، وتصطف العساكر في نظامها وهيئتها الرسمية من باب دار الباي إلى باب الجامع، حتى يمر الموكب بينها في مشهد يجمع هيبة الدولة بحرمة المناسبة. ويصف ابن أبي الضياف المشهد بأن الباي يشق سماطين من العسكر الواقفين «على أبهة نظامية»، ثم يدخل من باب العطارين، ويتقدم داخل الجامع حتى يبلغ المحراب، فيجلس بمحاذاة إمام الجامع، وكان الإمام يومئذ الشيخ إبراهيم الرياحي.

وهنا يبدأ الجانب العلمي والروحي من الاحتفال؛ إذ يشرع الشيخ الرياحي في قراءة تأليف له في المولد النبوي اختصره من تأليف الشيخ مصطفى البكري.

وكان المشهد داخل جامع الزيتونة يزداد جلالًا بما أعد له من مظاهر التكريم؛ فـمجامر الطيب تفوح في الجامع، وأنوار الشموع تملأ أرجاءه، ويستمع الباي ووزراؤه ورجال الدولة وأعضاء المجلس الشرعي والعلماء والأئمة وسائر الحاضرين إلى قصة مولد سيدنا رسول الله ﷺ. وعبارة ابن أبي الضياف نفسها شديدة الدلالة، إذ يصف ذلك بقوله إن «مجامر الطيب فائحة، وأنوار الشموع والشجرة المباركة لائحة»، فيجتمع بذلك مجلس العلم وقراءة السيرة مع البخور والإنارة والموكب السلطاني والحضور الرسمي للدولة.

وكانت للمجلس لحظة احتفالية بالغة الدلالة؛ فعندما يبلغ الشيخ الرياحي في قراءة المولد البيت الذي أوله:  “فقم أيها الراجي، ينهض الباي قائمًا ويقوم معه من في جامع الزيتونة توقيرًا لذكر المصطفى ﷺ، وتعطى في الوقت نفسه إشارة من مئذنة الجامع إلى القصبة، فتطلق المدافع من الأبراج، ويبقى الإمام والناس قيامًا إلى أن تتم الأبيات، ثم يجلس الشيخ للدعاء ويختم بالفاتحة. وبعد ذلك يطاف على الحاضرين بماء السكر والأشربة المعطرة ومياه الطيب. ويقول المصدر إن هذه العادة استمرت بعد وفاة أحمد باشا باي، وحرص من جاء بعده من البايات على المحافظة عليها. وهذا استمر في تونس إلى اليوم في مجالس المولد حيث يقم الجميع عند قراءة هذه الأبيات:

فَقُمْ أَيُّهَا الرَّاجِي لِنَيْلِ شَفَاعَةٍ
قِيَامَ مُحِبٍّ صَادِقِ القَوْلِ وَالأَدَبْ

قَلِيلٌ لِمَدْحِ المُصْطَفَى الخَطُّ بِالذَّهَبْ
عَلَى فِضَّةٍ مِنْ خَطِّ أَحْسَنِ مَنْ كَتَبْ

وكل هذا يذكره ابن أبي الضياف الذي كان معاصرًا للأحداث نفسها؛ وتلميذا للشيخ إبراهيم الرياحي بل كان أفضل وأقرب تلاميذه واختير لخلافته إلا أنه اعتذر عن ذلك.

فقد ولد ابن أبي الضياف سنة 1802م وتوفي سنة 1874م، وعمل في جهاز الدولة الحسينية وعاصر عهد أحمد باي.

والذي فعل هذا الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إمام جامع الزيتونة وشيخ الجماعة ورئيس المفتين المالكية الشيخ إبراهيم الرياحي، والحاضر إليه رأس الدولة وأعضاء المجلس الشرعي من المذهبين المالكي والحنفي والأئمة ومشائخ الزيتونة والعلماء والأعيان ورجال الحكم.

والأمر أقدم من الشيخ الرياحي نفسه كما ذكرنا؛ فقد عرفت إفريقية المولد في العهود السابقة، ثم استمر التقليد وتطور. وفي العهد الحسيني المتأخر وسَّع محمد الصادق باي (حكم 1276–1299هـ/1859–1882م) الاحتفال ليشمل مختلف أنحاء الإيالة، وخصصت له الدولة نفقات، بينما حافظت القيروان على مكانتها الخاصة في الاحتفال بالمولد. وبذلك لم يكن مجلس الزيتونة الذي تصدره الشيخ الرياحي بداية المولد في تونس، وإنما كان واحدة من أرفع صوره الرسمية والعلمية.

ومن هنا تمتد أمامنا سلسلة تاريخية طويلة: من احتفالات المولد في المشرق السني في الموصل وإربل خلال القرنين السادس والسابع الهجريين، إلى تقاليد المغرب وإفريقية، ثم إلى المولد الرسمي في الدولة التونسية، حتى نصل إلى مجلس الشيخ إبراهيم الرياحي في جامع الزيتونة في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري. وفي كل ذلك نجد علماء وفقهاء وشيوخًا وأمراء وسلاطين يتعاملون مع المولد باعتباره موسمًا لتعظيم رسول الله ﷺ، وقراءة سيرته، والصلاة عليه، وإطعام الطعام وإظهار الفرح به.

فهل اجتمع كل هؤلاء على الشرك والضلال وكانوا جميعا على غير الهدى وجاهلين بشرع الله، وهل أقر أهل العلم الشرعي وأكابر المشايخ بأحقية المولد وكتبوا عنه وصنفوا فيه وهم من هم منزلة وعلما وتقوى، وفعلوه ودعوا إليه، جهلا منهم بالدين، في حين تفطن للأمر وبطلانه وضلاله سفهاء الوهابية الذين لا علم لهم.

والعاقل من حكم على بينة، وفهم بالحجة، ومال للدليل.

والثابت لدينا أن المعترضين على المولد قوم نواصب لا يحبون النبي ولا آل بيته، قوم منافقون لا خلاق لهم ولا نصيب في الإيمان، قوم يقولون السفه ويؤذون رسول الله في والديه، إذ ينسبون إليهما الشرك، ويقولون أنهما في النار، لاحاديث من الاسرائيليات وضعها أعداء رسول الله من المشركين ومن والاهم من الموافقين وروجوا لها.

وكل هذا أذية لرسول الله شديدة، فما أشد أذى على المرء من أذية والديه، ومن آذى رسول الله فقد آذى الله، وحكمهم في هذه الآية الكريمة:

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57)الأحزاب.

فهم قوم ملاعين بلا ريب. واللعنة تنجلي عليهم أكثر وتتمظهر في وجوههم وملامحهم وأقوالهم وأفعالهم كلما جاء المولد النبوي الشريف، فتخرج ضغائن قلوبهم، وتتمظهر كلما ذكرنا والديه بما هما اهل له من الخير، وذكرنا آل بيته، فتراهم يقولون البهتان العظيم الذي أوردناه في مستهل المقال، وكلاما من السفه والحقد والانحطاط والنصب…

ورغم نعيقهم وزعيقهم، فنحن سنحتفل بالمولد النبوي الشريف أسوة بسلفنا الصالح، وبأسيادنا الأكابر من أهل السنة، ومن أهل التصوف السُّني السَّني، والفقه والعلم الشرعي.

ولا عزاء للمرجفين.

سوسة 26/08/2026

مقالات ذات صلة

الرد على عم خميس
عم خميّس المهف، كعادته لا يضيّع الفرص، ويرقص كالغراب في القفص.ولكنه كالعادة كذاب أشر، وحاقد حاسد، يقطر غلا، وينطق هُجرا، ويقول فُحشا، ويفتري كذبا.*أولا:...
3 دقائق للقراءة
كيف تحارَب الأفكار
من الآليات التي قد تُستخدم لمواجهة فكرة، أو التأثير في صورة شخص داخل المجال العام، أسلوب السخرية والاستهزاء والتتفيه(Ridicule, Mockery and Trivialization).وتُدرس هذه الآليات...
2 دقائق للقراءة
في فقه اللحية
أخيرا تحقق حلمي، وأصبحت شيخا!!إن اللحية التي على وجهي الآن، أهم من علمي وفهمي وفصاحتي التي ثبتت قبل أن تكون عندي لحية أصلا.بل إن...
2 دقائق للقراءة
عن نظام الطيبات
نِظَامُ الطَّيِّبَاتِ الَّذِي أَسَّسَهُ الدُّكْتُورُ ضِيَاءُ العَوْضِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالَّذِي اشْتَهَرَ أَكْثَرَ بَعْدَ شُبْهَةِ قَتْلِهِ، نِظَامٌ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ المُفِيدَةِ، وَلَكِنَّهُ يَحْمِلُ مَخَاطِرَ كَثِيرَةً...
2 دقائق للقراءة
ترامب المخلص
لِمَنْ لَا يُصَدِّقُ بَعْدُ أَنَّ الحَرْبَ دِينِيَّةٌ وَعَقَائِدِيَّةٌ بِالأَسَاسِ، رَغْمَ كُلِّ الأَدِلَّةِ، وَرَغْمَ كَشْفِ جَمِيعِ الأَوْرَاقِ تَقْرِيبًا فِي الحَرْبِ الأَخِيرَةِ إيران، وَرَغْمَ التَّصْرِيحَاتِ الجَلِيَّةِ...
3 دقائق للقراءة
عِلمُ الحديث – نحوَ قراءةٍ جديدةٍ
يُعَدُّ علمُ الحديث من العلومِ الجليلةِ في التراث الإسلامي، إذ هو العلمُ الذي يدرُسُ حديثَ المصطفى ﷺ وسُنَّتَهُ المطهَّرة، بما في ذلك من تشريعٍ...
4 دقائق للقراءة
كلمة وبلاغ
عندما أبيّن حقائق التاريخ، بعد بحث مضن وتحقيق طويل، فإنني: ألتزم بأمانة النقل والطرح، فلا أورد مغالطات أو مبالغة لأي سبب كان، ولا أقع...
2 دقائق للقراءة
كلمة لوجه الحق
بِرَغْمِ كُلِّ حَقُودٍ حَسُودٍ، جَحُودٍ كَنُودٍ.وَرَغْمَ أَنْفِ مُنْكِرٍ لَا يَعْتَرِفُ، وَكَارِهٍ مُنْجَرِفٍ، مِمَّنْ تَوَارَثُوا حِقْدَ مَنْ كَانُوا قَبْلَهُمْ، كَمَا وَرِثْنَا سِرَّ مَنْ نَحْنُ عَلَى...
2 دقائق للقراءة
بين نقاء الفطرة وعقم الفكرة
عندما تتواجه الفطرة السليمة، مع الفكرة العقيمة. الصديق حسن بن عثمان تحركه المحبة لرسول الله بفطرة سليمة تميز الشعب التونسي المحب لنبي الرحمة، ويرفض...
4 دقائق للقراءة
ثقافة الكراهية
البعضُ يَكرَهُكَ، وهو لا يَعرِفُكَ، ويَشتِمُكَ، وهو لا يُدرِكُ لماذا يَفعَلُ ذلك، مهما بَرَّرَ لِنَفسِهِ، أو بَرَّرَت نَفسُهُ له. والحقيقةُ أنه مَرَضٌ يَسري في...
2 دقائق للقراءة