الطرق الصوفية في تونس و دورها المحتمل في التصدي للفكر التكفيري و الارهاب – ج 1

11 دقائق للقراءة

أعدت هذه الدراسة لجريدة العرب الدولية.

مدخل: يقول عبد الواحد بن عاشر في متنه الشهير: “في عقد الأشعري وفقه مالك، وفي طريقة الجنيد السالك”.
ولعلّه أشهر بيت في المتن كلّه، ردّده أهل المغرب العربي خاصة لأنه يعبّر عنهم.
عقد الأشعري هو عقيدة غالبية أهل الإسلام، مع الماتريدية التي لا تختلف عن الأشعرية إلا في مسائل عدّها العلماء إثنا عشرة مسألة، لكن الاختلاف ليس في الجوهر من تنزيه الله عن صفات الحوادث وعن الأين والكيف والجسمية. أما فقه مالك فهو الذي أتى مع علي بن زياد الطرابلسي تلميذ الإمام مالك، ومع الإمام أسد بن فرات صاحب السراجين، لأنه درس على مالك ثم على أبي حنيفة وكان أهل إفريقية يقولون له إذا أشكلت مسألة: أوقد السراج الثاني، أي أفت بالمذهب الحنفي. وقد أسس مدرسة الأسدية التي بقي أثرها في الاستئناس بمذهب السادة الأحناف ووجودهم كمدرسة فقهية ثانية في إفريقية. وعلى يد الإمام سحنون جامع المدونة أخذا عن عبد الرحمن العتقي المصري تلميذ الإمام مالك، وكان سحنون تتلمذ على يد أسد ابن الفرات أيضا. ثم على أيدي سادة أوائل من أمثال أبي العرب التميمي والبهلول بن راشد وابن التين وغيرهم كثير.
وأما طريقة الجنيد ويُعنى بها الجنيد البغدادي، فهو منهج السلوك والتزكية الذي انتشر في القرن الثاني حتى اندمج منذ القرن الرابع مع مدرسة القيروان ومدرسة الزيتونة وعبر من خلالهما إلى أصقاع المغرب العربي والأندلس، فكان أكثر علماء الزيتونة أهل فقه وفتوى، وأهل تصوف وسلوك. وقد اعتنى هؤلاء بالتصوف عناية كبيرة حتى ظهر له أقطاب وأشياخ كبار كان لهم عميق الأثر في نشر الإسلام وحماية المجتمع ونصح الحاكم ومحاربة الغزاة. ومن المرابطين في قصر الطوب – في مدينة سوسة قبالة البحر قرب زاوية سيدي عبد الحميد- زمن الدولة الأغلبية وعلى رأسهم محمد بن سحنون، إلى أبي سعيد الباجي ومحرز بن خلف وأحمد بن عروس وأبي علي النفطي وصولا لإبراهيم الرياحي والشيخ سالم بوحاجب والرعيل الذي تتلمذ على أيديهم ثم الشيخ محمد المدني أحد أهم مجددي التصوف في القرن الماضي مما سيرد تفصيله، كان التصوف في بلاد إفريقية فاعلا في المجتمع ومنارة للإصلاح والذكر، ولم يكن فقط زاوية للتعبّد ومقاما للتبرّك، بل كان مدرسة للعلم وقلعة للجهاد والذود عن حرمات المسلمين وحماية الأرض والعرض. لقد عمل التصوف ضمن مجالين أساسيين: مجال تأسيس وتربية. ومجال صد ومقاومة.
لقد كانت الزوايا منارات علم، ولكن خرج منها أيضا مقاتلون أشاوس ذادوا عن اوطانهم ضد الغادي، منهم الشيخ سليمان الفيتوري (جد الشيخ عبد السلام الأسمر) الذي جاهد الصليبين حتى استشهد، والشيخ بوعمامة أكثر من جاهد المستعمر الفرنسي وكان من شيخ الطريقة الشيخية، أو الشيخ المجاهد عمر المختار الذي كان سنوسي الطريقة أخذا عن شيخه أحمد الشريف، وهو معلوم لا يحتاج تعريفا، وقد شهدت أرض ليبيا والجبل الأخضر خاصة جهاده العظيم ضد الطليان الفاشيين. وكذلك الشيخ بن عيسى (الزاوية الرحمانية بمدينة الكاف التونسية) الذي شجّع على مقاومة الفرنسيين.
ضمن هذا الإطار يرد السؤال: أي دور للتصوف والصوفية اليوم، والأمة كلها تواجه خطر الإرهاب وما يحمل من عقائد فاسدة ونهج تكفيري متعصب ونمط دموي مدمّر؟
وحين نخصص القول لتونس: فأي دور يرتجي من الطرق الصوفية في التصدي للفكر التفكيري والإرهاب؟
وأي أثر للتصوف في تونس اليوم؟
وماذا على أهل التصوف بتونس – وكذا في المغرب العربي والعالم الاسلامي ككل – أن يفعلوا حتى يكونوا درعا لأوطانهم ويسهموا في إنقاذ شعوبهم والانسانية من حمم بركان الحقد والكراهية والتطرف والارهاب؟
1/ تعريف التصوف وقيمته: يقسّم أهل العرفان الدين إلى ثلاث أسس: أولها العقيدة، وهي ما على المؤمن أن يعتقد من وجود ربّه ووحدانيته وخلقه للخلق بلا معين وحُكمه للملكوت بلا شريك وكونه بلا نظير ولا شبيه ولا والد ولا ولد، مع ما يلزم ذلك من إقرار الصفات ونفي شبهة التجسيم عن خالق الكائنات، وكذا نفي الحد والأين والكيف وكل ما يكون من شأن المحدثات. ثم الاعتقاد في الرسل والكتب والملائكة والجنة والنار والقيامة والغيب. واليقين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلّم وأنه خاتم النبيين وسيد المرسلين. فهذا بإجمال مختزل العقيدة.
وأما الأساس الثاني فهو الشريعة، وما شرع الله في الشرائع من أوامر ونواهي. ما فرض وما أوجب وما حلل وما أباح وما حرّم. نظام كلي شمولي مفصّل. ومنه يعتمد بين القرآن وما كان في السنّة من أحكام وإحكام. ثم يكون القياس والاجتهاد. ومن هنا كان الفقه بأصوله وفروعه، وكانت ضمنه العبادات والمعاملات تبيانا وتفصيلا، وكان فيه جوهر مقصد الشارع فيما شرع خيرا للإنسانية ونفعا للإنسان وتقنينا وتنظيما.
في حين اعتبروا الذوق أساسا ثالثا، ومنهم من سمّاه علم التزكية أو السلوك، وآخرون قالوا الإحسان، ذلك الجوهر العظيم والمقام الكريم الذي سأل عنه جبريل عليه السلام سيّدنا محمدا صلى الله عليه وسلّم في خبر دخوله عليه في تمثّل الأعرابي ليس عليه وعثاء السفر وما كان من أسئلة ضمنها قوله للنبي “ما الإحسان” فأجابه: أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.
ولكلّ أساس براهين في القرآن والسنّة يضيق المجال ببسطها، ولكن المختزل أن الدين حين يكون عقيدة دون شريعة لا يصلح به شأن الناس، وحين يكون شريعة دون عقيدة لا يسمو بالناس، وحين يكون عقيدة وشريعة فقط دون ذوق وتزكية سرعان من يعتري العقيدة فساد فهم وسوء نظر وبلاء تجسيم وفتنة تشبيه وآفات وصفه سبحانه بما لا يليق بمقام ربوبيّته وشأن ألوهيّته وحقيقة وحدانيته. وسرعان ما يعتري الشريعة قسوة وجلافة فيتحوّل حكم الردع إلى حكم قمع، ويكون السعي خلف الحدود والأحكام لا ضمن القيود والإحكام. فلكل حكم حكمة ولكل حدّ قيد، وما كانت الشرائع إلا رحمة، ولكن فساد الذوق يجعلها نقمة تبيح المدنس بحجج المقدّس، وكلا الأمرين اعتريا الأمة منذ فتنة الخوارج والمجسمة إلى اليوم، فكان فساد العقيدة والتجسيم، وكان القتل والتنكيل بحجة تحكيم الشرع وتحقيق الشريعة وصون العقيدة، ولناظر أن ينظر في أمر الحروريين في القرن الأول للهجرة والأزارقة (أتباع نافع بن الأزرق الخارجي) وما فعلوا، أو ما فعل عبد الوهاب النجدي وأتباعه من قتل وتنكيل وتدمير للآثار النبوية في القرن الثاني عشر للهجرة، وما يجري اليوم من جرائم تنظيم الدولة الإرهابي يندرج تحت نفس الأطر عقيدة ومنهجا.

ليس هذا الدين الذي اختاره الله للناس إلا دين رحمة وبركة وتهذيب أنفس وزكاة قلب وروح، ولا النبي الذي بعثه رحمة للعالمين في الأمة التي ابتعثها أمة وسطا وخير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتسعى في الخير إلا نبي هدى ونور بالرفق والخلق العظيم والموعظة الحسنة. ولأجل ذلك فإن المرحلة المكية كلها كانت تزكية وسلوكا وصقلا وتهذيبا وتلقينا للحق بروح الحق، صبرا على البلاء وإقبالا على الدعاء وامتثالا لأمر ربّ السماء. فأوّل السير تزكية النفس ومن شوائبها وتطير القلب من أدرانه حتى يكون الاعتقاد دون دخَن الوهم ولُبس الفساد، وحتى يكون فهم الشريعة دون لوثة القساوة وانعدام الضمير وغياب الإنسانية، وحتى يكون كل ذلك في كنف الرحمة التي هي مقصد المقاصد، وفي ظلّ الرفق الذي هو عُمدة الأمر برمّته، وكما قال النبي الحبيب: إنما أنا رحمة مهداة. وقوله: من يُحرم الرفق يحرم الخير كله.
فإن كانت العقيدة تُدرك بالقلب، والشريعة تُفهم بالعقل، فإن الذوق يُبلغ بالروح ترقيّا لمراتب الإحسان وصقلا لجوهر الإنسان وتزكية للنفس من أمر السوء ووسواس الشيطان.
حين كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه كان يحثّهم على الترقي الذوقي عبر تزكيتهم وترقيتهم في مراتب الحب والرحمة والخير والإحسان، من ذلك ما رواه البخاري من خبر الفاروق عمر: حدثنا يحيى بن سليمان قال حدثني ابن وهب قال أخبرني حيوة قال حدثني أبو عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك). فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( الآن يا عمر ). والمعنى أن إيمانه لن يكتمل ولم يكتمل حتى أحب النبي أكثر من نفسه ومن كل شيء، وفي هذا تزكية عظيمة وتربية قويمة وترقّ في مقامات الحب لأن جوهر الإسلام حب، فمن دعا إليه بالكراهية والقتل وتكفير الناس فقد خالف الله ورسوله وافترى عليهما وخالف نهج الصحابة وتابعيه والصالحين ومن كان في نهجهم النوراني الرباني المحمدي. والآيات كثيرة في باب الحب والتزكية كقوله سبحانه وتعالى:”وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ” البقرة (165).
وحين يصلح باطن الإنسان يكون ربّانيا خالصا ويكون رفقا خالصا ورحمة خالصة فتلك سِمةُ المخلِصين وذلك سَمْتُ المخلَصين الذين ينسبهم الله إلى مقام رحمته ويصفهم في كتابه الكريم: “وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا” الفرقان (63).
ولما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى برهن نخبة أصحابه على تلك الروح الذوقية العالية والأخلاق الربانية المحمدية الرفيعة التي أهلته لقول ربّه له:”وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” القلم(4)
فرأى العالم آيات التواضع ومجالي الرحمة ونقاء السريرة وجمال الروح.
<sup>[2]</sup> في كل هذه المرحلة لم يكن الكلام إلا عن الإحسان وعن القيم والشيم والأخلاق. لكن مع الحسن البصري تلميذ الإمام علي، تبلورت مدرسة أخلاقية تنبع من معين القرآن والسنة ومن مدرسة النبي وصحابته، وكانت تطورات الحياة وما كان من الفتنة وآثارها ثم انتشار الترف وانفتاح كنوز الأرض أمام الفاتحين وتمازج الأمم وتوافد الثقافات الجديدة بغثّها وسمينها دافعا لمزيد تبلور تلك المدرسة للنصح وإصلاح أحوال الناس وطباعهم ومعاملاتهم ومعالجة أدواء أنفسهم وأهواء قلوبهم، وللاعتكاف وعبادة الله والتقرب إليه أيضا. فكان ذلك ظهورا لمصطلح التصوف أخذا من الصفاء كما قال البعض، ومن الصوف وما يرمز إليه لباسه من تقشّف كما قال البعض الآخر، ومن أهل الصفّة الذي كانوا من فقراء المسلمين ولهم مكان مخصوص في المسجد النبوي.
وقد أسهمت تطوّرات المجتمع الإسلامي وما ظهر من تبدّل أخلاقي في تطوير المدرسة الصوفية ليظهر لها بداية من القرن الثاني أعلام مصلحون وزهّاد واعظون من أمثال سري السقطي والحارث المحاسبي وسهل بن عبد الله التستري ومعروف الكرخي وأبي يزيد البسطامي وأبي سعيد الخراز وذي النون المصري والفضيل بن عياض (عابد الحرمين) وإبراهيم بن الأدهم ومنصور البطائحي. وكان اتفاق الصوفية على أن الجنيد البغدادي هو شيخ طريقتهم وإمام منهجهم، ويجد الباحث تراجمهم وجملة من أخبارهم في كتب كثيرة منها كتاب ابن الملقّن “طبقات الأولياء”.
كما ظهر للتصوف رجال صالحون وأولياء عابدون بداية من القرن الثالث وكانوا أظهر منذ القرن الخامس على رأسهم الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ عدي بن مسافر، والشيخ عقيل المنبجي العمري، وسواهم كثير. وظهر في بلاد المغرب أعلام وأقطاب للتصوف على رأسهم الشيخ عبد السلام بن مشيش وتلميذه الشيخ أبو الحسن الشاذلي، والشيخ أبو العباس السبتي… وقد كان لهم عميق الأثر في مجتمعاتهم وفي الأمة ككل، مما هو مدوّن بالشواهد، وعلى حقيقة التصوف ورجاله شاهد.
وقد أصبح التصوف علما كاملا شاملا مختصا بمقام الإحسان وعلم الذوق والأخلاق، ومن أهم أعلامه إضافة لمن سبق ذكرهم نذكر أبا حامد الغزالي وكتابه الأشهر “إحياء علوم الدين”، والإمام أبو القاسم القشيري صاحب الرسالة القشيرية في علم التصوف.
إن الكلام عن قيمة التصوف وحقيقته كلام يطول، لكن يكفي أن أجمل ذلك في خمسة أمور:
*1* التصوف تزكية وإصلاح للنفس وتقويم لها وتهذيب وصقل. وهو سلوك لحسن الخلق وترقّ لمقام الإحسان.
*2* التصوف ينبع من الأساس الثالث للدين وهو الذوق، ولا صلاح لعقيدة أو شريعة ليس فيها ذوق.
*3* التصوف وقاية وحماية للمجتمع، لأنه يبث روح المحبة والألفة والرحمة والتعايش والتعاون.
*4* التصوف طوّر الذائقة الإبداعية، فنبغ أعلام في الشعر من أهل التصوف من أظهرهم وأشهرهم الغوث أبو مدين شعيب والشيخ الروّاس وأبي الهدى الصيادي وابن الفارض. وظهر نوابغ في الإبداع شعرا وقصصا على رأسهم فريد الدين العطار ومولانا جلال الدين الرومي. بل إن التصوف تفاعل مع الفن والموسيقى فظهرت مدرسة السماع خانة لمولانا جلال الدين، وظهر السماع العرفاني الذي اشتهر به أهل المغرب والأندلس ومن بين أعلامه الشيخ أبو الحسن الششتري الأندلسي (610 هـ – 668 هـ)صاحب رائعة “شويّخ من أرض مكناس…وسط الأسواق يغني….اش عليّ انا من الناس…واش على الناس منّي” التي مازالت تغنى إلى اليوم واشتهرت في الآفاق والأخبار وعبرت العصور والأمصار. وكذلك نجد لدى المولوية الرفاعية شأنا في الفن والرقص الجمالي يثبت ما للتصوف الإسلامي من قيمة جمالية وثقافية وحضارية وإبداعية.
*5* التصوف لم يكن فقط حركة أخلاقية إصلاحية، ومنهج للتزكية والترقّي، بل كان فاعلا اجتماعيا مؤثّرا، وكان له الأثر في جمع المسلمين وتوحيد كلمتهم وتقوية معنوياتهم ومنحهم روحانية أنقى نبع منها قادة كبار مثل الفاتح نور الدين زنكي الذي كان يحضر مواعظ الشيخ عبد القادر، وصلاح الدين الأيوبي وكان مع أبيه من مريدي الشيخ عدي بن مسافر شيخ أكراد هكّار، وكان الأيوبي أيضا من مريدي الشيخ الجيلاني. ولقد كان لمواعظ الباز عبد القادر الجيلاني أثر جلي مباشر في توحيد صفوف المسلمين خلف الفاتح نور الدين ثم صلاح الدين الأيوبي وكان من نتائجها تلك الروح القتالية والبصيرة النافذة والعزم الوقّاد التي أثمرت ملاحم حطّين وفتح بيت المقدس. وكان من أثر تلك الروحانية العالية خبر الفاتح نور الدين زنكي ورؤياه للنبي في المنام وما كان من كشف شابيّن أرادا سرقة الجسد الشريف. ويمكن تتبع الأثر التحفيزي للتصوف الدافع للذود عن الحرمات وعن الأوطان والصمود في وجه الغزاة في سيَر الكثير من أقطابه وأعلامه سواء بالوعظ والإرشاد أو بشكل نضالي مباشر كما هو الحال مع الشيخ أبي الحسن الشاذلي خاصة في صد هجوم لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية السابعة، فبعد سقوط دمياط كان الشيخ الشاذلي في معسكر القتال بالمنصورة رفقة نخبة من أهل العلم والتصوف، محفّزا للناس والجند مانحا العزائم قوة والإرادة صلابة وانتهى الأمر بالانتصار وأسر لويس التاسع، ويذكر أحد تلاميذه الشيخ ابن عطاء الله السكندري (صاحب كتاب “تاج العروس” الشهير أو ما يعرف بالحكم العطائية) فى لطائف المنن هذا الأمر، قال : أخبرنى الشيخ مكين الدين الأسمر قال : “حضرت فى المنصورة فى خيمة – فى معسكر القتال – فيها : سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، والشيخ مجد الدين على بن وهب، والشيخ محى الدين بن سراقة، والشيخ مجد الدين الأخميمى، والشيخ أبو الحسن الشاذلى، ورسالة القشيرى تقرأ عليهم”. وهو دليل على أن الصوفية كانوا فاعلين مؤثرين ولم يكونوا قوما هائمين غائبين عن واقع الناس كما صورهم بعض المستشرقين مركزين على أحوال وقصص مفردة مثل ما كان من أمر الحلاج وتهيامه أو ما تم فهمه من وحدة الوجود والحلول لدى كل من الحلاج ومحي الدين بن العربي ولعلّ فيه الكثير من الوضع والزيادات.
وهنالك نماذج قريبة تثبت ذلك على رأسها الأمير عبد القادر الجزائري (شيخ الطريقة القادرية بالجزائر في وقته خلافة لأبيه الشيخ محي الدين) و الشيخ عز الدين القسام (خليفة السادة التجانية فى فلسطين)، والشيخ بوعمامة شيخ الطريقة الشيخية بالجزائر، والشيخ عمر المختار شيخ الطريقة السنوسية أخذا عن شيخه المجاهد أحمد الشريف الذي تم نفيه إلى تركيا. وكذلك عبد الكريم الخطابي وعبد القادر الحسيني وسواهم كثير يثبت ما لأهل التصوف الحق من أثر فعلي في مجتمعاتهم ومن دور قيادي في التصدي للعدوان وحماية الأعراض والأوطان.
فهذه خلاصة جامعة عن حقيقة التصوف ومسار نشأته وسرّ منبعه وكونه آخذ من سند القرآن وسبب من الرحمن، متمسكا بسنة المصطفى ترقيّا لمقام الإحسان، تزكية وسلوكا وصفاء لسريرة الإنسان. وفيه صلاح للمعتقد ودرء لما فسد، ومعرفة بحكمة الأحكام وما جعل الشارع فيها من إحكام. وفيه خير للمجتمع ونفع للأمة وتحفيز للعزائم وجلاء للبصائر وتمكينا للضمائر. وفيه أدب وأخلاق وذوق رفيع وطرب بالحق وللحق. ولكّنه محكوم بضوابط العلم مقيّد بسلامة الفهم كي لا يكون تهويما وجدلا عقيما وانعزالا عن الناس واعتزالا للدنيا، رغم أن فيه للزهد مكان وللخلوة ركن وللانزواء زاوية، ولكن ذلك مرحليّ وقتي يرجع بعده الصوفي الحق وقد انجلت بصيرته وصلحت سريرته ليؤدي واجبه ويقوم برسالته نفعا للإنسانية ونصحا للأمة وخدمة للدين. ومن أجمل ما قيل في التصوف قول الصوفي العلامة أحمد زروق في “قواعد التصوف”: ” فلا تصوف إلا بفقه، إذ لا تُعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف، إذ لا عمل إلا بصدق وتوجه، ولا هما إلا بإيمان، إذ لا يصح واحد منهما بدونه، فلزم الجميع لتلازمهما في الحكم، كتلازم الأرواح للأجساد، إذ لا وجود لها إلاّ فيها، كما لا كمال له إلا بها، فافهم”.

 


[1] أنجزت هذه الدراسة لجريدة العرب الدولية.
[2] مثل خبر الصدّيق مع عجائز المدينة وقول الفتاة: حالب الشياه يا أمّاه. أو خبر الفاروق مع الأعرابي في أقاصي المدينة ليلة قرّ وصرّ وامرأته تضع مولودا وكيف كان من عجيب صنيعه. أو من حياء عثمان الذي تستحي منه الملائكة وكرمه من النبي وسخائه مثل شأنه في العسرة وقول النبي عنه: ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم. أو خبر قافلته عام الرمادة وكيف منحها لمن يجازيه بعشرة أمثالها أمام حيرة التجار الذي ساوموه فيها أضعافا حتى بلغوا خمسة أضعاف ثم قالوا في حيرة اليائس من يدفع عشرة أضعاف ونحن تجار المدينة قال الله ثم تصدّق بها. وكذلك في أخبار غير واحد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. ثم كان ترجمان ذلك كلّه الإمام علي كرّم الله وجهه الذي كان ربّانيا صرفا ومحمّدياّ خالصا. وقصصه كثيرة وأخباره عديدة. ويمكن الرجوع لوصاياه للحسن والحسين شعرا ونثرا ولحكمه ومواعظه وخطبه وأشعاره.

منشورات ذات صلة

التشويهات الكبرى للتصوف: نظرة سريعة وقول مختصر
مثّل التصوف طيلة تاريخه منارة للعلم والتزكية ونشر الدين الحق والاسلام السمح عبر العالم، حيث تمكن رجاله من إيصال كلمة التوحيد إلى دول بعيدة...
5 دقائق للقراءة
التصوف…ذلك النهر السرمدي (من دراسة بعنوان: التصوف الفلسفي لدى الإمام الغزالي من خلال كتاب مشكاة الأنوار)
يعتبر التصوف مصطلحا ناشئا في القرن الثاني، وانتشر أكثر في القرن الثالث، وترسخت طرقه الكبرى في القرن السادس للهجرة، ولكنه أصيل كمعنى في الإسلام...
7 دقائق للقراءة
كتاب رحلة في عقل إرهابي (7) : الفصل الثالث: التمشيات: التمشي الفكري
ضمن التمشي الفكري يعمد العقل المدبّر إلى تسميم فكر العقل المدمر، بتركيز صور أليمة تبيّن تعرض الفئة التي يدعي نصرها للظلم والألم والموت، أو...
< 1 دقيقة للقراءة
لمحة تاريخية عن التصوف بتونس
*نشرت في كتاب: “التصوف معراج الذوق وترياق التطرف”، وفي كتاب “التصوف في المغرب العربي وأفريقيا”. وكذلك في موقع ابن عربي للدراسات العرفانية والصوفية. *في...
6 دقائق للقراءة
في معنى التصوف وحقيقة الصوفي
*نشرت في كتاب التصوف في المغرب العربي وأفريقيا إن البحث في معنى التصوف وحقيقة الصوفي أمر مهم من حيث الصيغة المعرفية وكذلك من حيث...
6 دقائق للقراءة
كتاب التصوف في المغرب العربي وأفريقيا إطاره وغايته
الحمد لله الذي هدى وزكّى، والصلاة والسلام على إمام كل من تزكّى، قمر المدينة وشمس مكّة، والسر الموصول بين العرش والقبة الخضراء والبيت المعمور...
2 دقائق للقراءة
الطرق الصوفية في تونس و دورها المحتمل في التصدي للفكر التكفيري و الارهاب – ج 2
أعدت هذه الدراسة لجريدة العرب الدولية.   2/ لمحة تاريخية عن التصوف بتونس: لا ينفصل تاريخ التصوف بتونس عن الحركة الصوفية في المشرق وبواكير...
6 دقائق للقراءة