واستيقظت

3 دقائق للقراءة

ليس في عقلي فكرة واحدة، كل الأفكار تلاشت بعيدا، وتعطّلت الأخيلة، ولم أجد شيئا سوى النظر في القلب علّه استبقى سُلافة من حلم أو بقية من غرام، فلم أبرح حتى وجدت صبابة قديمة، ففتحت بابها وألفيت فيها وجها لم أذكره، وحال بيني وبينه تباعد العهد وتتابع الأيام، فسألته بلسان الحال فلم يجب، وتسربل بالأطياف المبهمة، فلم أفهم من حاله شيئا، ثم نفضت غبارا عن ذاكرتي فبان لي وجه يشبه وجهي صبيّا، فعدت إلى القلب أبحث عن الصبابة القديمة، فرأيتها حتى كدت ألمسها، فإذا هي تلك التي طالما كتبت عنها، فعجبت كيف نسيتها، وعجبت كيف أن وجهي في صباه لبث تحت غبار الذاكرة، فاستعدته ونظرت بعيني صباي إليها، وقلت لها: كيف مضى العمر ولم نلتق؟
قالت: لعلك نسيتني..
قلت: بل لعلّ القلب أنكر أحلام صباه…
قالت: وهل ينسى الشاعر قصيدته.
فتفطنت إلى حديقة خلف أوجاع القلب، فيها ما فيها من نضير شجر وشجيّ غرّيد، ينساب ماؤها ويبستم زهرها، وفوق غمامة تعبرها بحياء كانت كلماتي الأولى، بداية شاعر يبحث عن نفسه وعن قصة حب بحجم الموت والولادة.
ثم بان لي حول الحديقة ما بان من صحراء تترامى أطرافها قد تراكمت كثبانها وتراقصت رمال ها وسكنتها وحوش الأحلام المنكسرة وانسابت فيها أفاعي الظنون، ومن حولها بحار لا طاقة لإنسان بعبورها، لا تعبرها إلى المشاعر.
ولما رجعت إلى عقلي لأستحثه على وصف ما رأيت، وجدته ينظر إلى المرآة، فرأيت عليه تجاعيد الفكر فقلت: كيف يشيخ الفكر والفكر خالد، قال: إنما هو الزمن تضرب أمواجه على صخرة الفكر حتى تفتتها فتلتحم الفكرة الصلدة بماء يم الزمن وترقص مع أمواجه وترحل بعيدا، فلا يبقى على وجه الفكرة إلا أثر الزمن المنسل من كتاب المنطق، وعلى مرآته تبدو الأفكار المنطقية وقد سرت إليها تجاعيد الكِبر، أما الأفكار التي تصبو وتروم كسر المنطق النمطي فهي تلك الراقصة مع الماء في يم الصفاء الأول.
ولما رأيت ما رأيت وسمعت ما سمعت أخذتها من يدها ومشيت بوجهي صبيا إلى نخلة سمقت في صحراء القلب نهزّ جذعها حتى انفتح فيه باب دلفنا منه إلى نهر ينهمر في أطرافه شلال من جبل لا ترى العين آخره فوقه سحب ملوّنة واخرى لا لون لها تمطر نارا وبرَدا جلس فوقها ناي يعزف موسيقى من حوله آلاف الطير ترقص وترفرف في آفاق ممتدة لا انتهاء لها، وعبْر النهر زوارق فيها أصناف البشر وغوانٍ حسانٌ وعلى ضفتيه ما لذّ لعين وطاب لنفس من ثَمر يسري إلى أرض فيها قصر من أعظم من يرسم حرف في قصص البشر وكأن الجن بنته وسكنته زمانا ثم ارتحلت عنه فبقي السحر يحيط بأسواره…. فابتسمت وقالت وهي تُبادر نحو الباب وقد بدأ الشوك المتمترس من حول القصر يخفض رماحه ويتحول إلى زهر وردي وأحمر وأزرق وبياض تخرج منه فراشات لها ما للأفكار من اللون وما للمشاعر والأخيلة وما فوقها: الآن ستفهم…
فإذا بي أنظر إلى أفكار تتناثر من صخر المنطق وتذوب بيمّ المطلق.
وإذا بي أنظر إلى صحرائي الممتدة في قلبي قد رفعت كفّا نحو غمام ومدّت أخرى إلى البحر الممتد ففتح ذراعيه لأعبر حيث مشاعر قلبي الأولى وأحلام الطفل البدوي الأنقى والأسذج.
وإذا بالأخيلة كخيل ترمح نحو الأفق وتركض تتلاحم تتزاحم تجري تسري كالنور على وجه الماء الأول.
وإذ بالنهر وما فيه من زوارق يلقي إلي بكلمات الشعر التي لم أكتبها بعد….ويرمي في سلة قلبي ثمار الفن ويهديني حمام الموسيقى…
وإذا بها تطل من القصر على نخلة قلبي وتهز بجذع الفكرة كي تسّاقط عنها الأوهام وتصّاعد منها الأحلام.
وإذا هي خلف العقل وخلف القلب وخلف الممكن، تبتسم بوجه يشبه وجه النقطة فوق الحرف، وتقول: أتعرفني؟
فأطرق خجلا، تضحك: أتعرف قلبك وصحاريه، وتعلم عقلك وما يحويه، ولا تعرف روحك؟
واستيقظت…..
……
سوسة
‏21‏-04‏-2017‏ 17:49:35

منشورات ذات صلة

لأمر يستحق -قصة قصيرة جدا-
كنت طفلا في كوخ الطين، حافي القدمين رث الثوب، وكان في قلبي يقين بغد مختلفة، وذات مختلفة عن ذاتي التي أراها. وقفت أمام المرآة...
2 دقائق للقراءة
انتهى الوقت
ذات مساء هادئ مسكون بالهواجس والرغبات، جلس ثري بملابسه الثمينة وساعته الغالية على طاولة مما يكون قصور الأثرياء، وقد بسط أمامه الدنيا التي أوتاها:...
3 دقائق للقراءة
كأس ماء
  لم يعلم ما الذي أوصله إليها. كانت ممتدة على مرمى البصر، بكثبانها الهائلة، ورمالها التي تذروها الرياح. كان الصمت مهيمنا رهيبا كمجلس حاكم...
2 دقائق للقراءة
لستُ وهما
لأيام طويلة لم يكتب إليها شيئا. كان يشعر بفراغ كبير في قلبه، بخواء رهيب في عقله، وبصراخ يمتد على مساحات روحه الممتدة في عوالم...
2 دقائق للقراءة
من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة