المقامة الضارية 1

3 دقائق للقراءة

سيداتي سادتي..
اسمحوا لي أن أقدم لكم ذات نفسي..
ذات يوم من أيام الشتاء..
يومها كنا خمسة..
الجمعة والسبت والأحد…
ما عدا الاثنين..
ثم جاء العيد..
فقفزت الناقة فوق ظهر العمود..
ولبست خالتي حليها…
وقصت علي قصة جميلة..
وجميلة هذه كان لها ثلاثة أولاد…
مات مئة منهم في الحرب..
والريح عادت مع استقامة الشاة فوق المذبحة…
وأنا”فهيم الضاري”…لي عقل ويدان ولسان..
عيني اليمنى لها لون اليسرى..
ولعينيّ لون الريح عند اكتمال السحابة..
أستطيع الآن أن أبدأ
“يحكى أنه…
في بلاد (الشَّوْقَمَانْ)..
في وادي (أتانة)
وقد أتانا ذكره في كتب كثيرة..
مثل كتاب(توليف الديدان) لـ (أبي جيفة بن قبرمانْ)
وغيره…
كانت قصتنا..
وهي من واقع السِّمانْ…وأنا.. نحيــف جـــدا”…

(CB(الدرس الأول: درس في علم الطيران)CB)

وقعت هذه القصة من فوق جبل النهقة… قبل أن يرحل “البعبل” من “شنيارة”.. حيث بنى قلعته الشهيرة.. قلعة “نهقان”… التي لبست الزفاف بعد موت زوج عمتها بأربع رجال.
في “وادي أتانة”.. كانت تعيش جماعة من ذوات الأربع..
كانوا يأكلون وينعمون…
العقول بيضاء… الأحلام وردية… العيون صفراء… الليالي مشمسة… والعشب كثير…
ذات حينها.. أتى رجل غريب… قصير يميل إلى الطول…أبيض يستبد به السواد.. غزير الحدقة…نحيف الرئتين…يتوسد عصا غليظة..
“السلام عليكم معشر الجوارح..
كيفكم يا ملوك الفضاء الرحب والأفق المتسع..
يا نسور ويا بواشق …يا صقور ويا عقبان”…
يلتفت كبير الجماعة.. – وكان اسمه على ما يذكر زوج جدتي “ناهق الحرون” أو”شاهق الحنون” المهم …كان اسمه هو الإسم الذي تنادى به عادة. –
“ماذا تقصد أيها العصا ؟
ما معنى (نشور وشوابق) (صخور وقعيان) ؟”
“ألا تعرف نفسك أيها النسر العظيم
أنت طائر”
“أنا…(طارءْ)
لا يهم…
دعني آكل..”
ومضى يلوك العشب الطازج اللذيذ…
“ألا تعرفون الطيران؟
يا أيها الغافلون عن حقيقة أنفسكم..
انظروا إلى أجنحتكم العظيمة ـ ينظر كل حمار إلى حافره ـ
انظروا إلى مناقيركم القوية ـ ينفث كبير الأحمرة الهواء من منخريه فيتطاير العشب ـ
أنتم خلقتم لتحلقوا عاليا…عاليا..خلف السراب…
حسنا..
سوف أريكم..
تعالى أنت..
مد جناحيك هكذا…
ورفرف..”
تمد أتان حافريها…فتسقط على بطنها..
وكانت حينها حبلى من بغل يسكن في الوادي المجاور…

(CB(الدرس الثاني: درس في علم الحروف)CB)

يقول خادم الحريمْ، من يرجوا رحمة ربه الكريمْ، ابن يتولاّه الضاري فهيمْ:
“كنا جلوسا ذات أنياب فوق كراس من إبر، إذ هبت نعجة ذات أجراس..
فأفقنا من مقامنا هذا.. وتذكرت حينها أن عليّ أن أكمل أن أكمل قصتي..
قلنا أن صاحبنا ..”صاحب العصا” – وكان اسمه “نبراس الأظلم”- أتى إلى واد كانت تسكنه جماعة من ذوات الضفدع…الإصبع…الأربع…أحد هؤلاء الثلاثة..
كان قد قضى زمانا في بلاد “القهرستان”، ثم طاف “أرض بغاليِّان”و”جزر القذرمان” وتعلم “حكمة الأقدمين” و”حمكة المحدثين”…
فتنفستِ الصعداء ووثبت.. حينها قرر أن يعلمهم “علم الحروف العظيم”..
عساهم يطيرون..
ـ إسمعوا…
الحروف أنواع..
فمنها الحلقي… كـ”حرف الخيانة”…
ومنها ما يخرج من الشفتين كـ “حمامة”و”سوف”..
ومنها حروف صدرية كـ”تذكرك لأول قصة حب”…
ولعل أجمل حرف هو “أول الحرف”، وقد سماه بعض النباتيين “حرف الحاء العظيم”.. وفيه أسرار صحيحة مجربة, خاصة إذا طبخت بالسمندل وبُخّر عليها بذكر أو ما شابه.
وحرف الحاء جد الحروف.تزوج حرف “الهرة”، فأنجبا كل الحروف التي أكلها البحر,وأخرى لبثت في البر زمانا حتى اهترأت..
من منكم يأتيني بكلمات تبدؤ بحرف الحاء..
يرفع أحد النجباء حافره: “حمار كبير….حمار صغير….حمار يأكل….حمار يجري….حمار يركل ….حمار يسير”…
حسنا…اكتبوا عندكم:”الحب… الحزن….الحياة… الحرب….الحرية… الحد….الحدود الحبل….الحياد… الحكمة….الحركة …الحرباء….الحسام …الحسرة….الحمام… الحيرة….الحرام… الحِمى….الحمّى… الحلال…. الحسن… الحاجة….الحفل…. الحدأة….الحَميّة الحِميَة….الحفر… الحاضر….الحساب…. الحشر”….
من حفظها جميعا نبت له ريش في لسانه.
ومن شرب ماءها قبل قيامه لبس الريح في جميع المدن,خاصة ما يزرع في الشتاء…
لا تنسوا..حرف الحاء سيد الحروف..وتبدأ الجوقة:”حاء..حوء..حاء..حاء…حاء..حاء”

منشورات ذات صلة

لأمر يستحق -قصة قصيرة جدا-
كنت طفلا في كوخ الطين، حافي القدمين رث الثوب، وكان في قلبي يقين بغد مختلفة، وذات مختلفة عن ذاتي التي أراها. وقفت أمام المرآة...
2 دقائق للقراءة
انتهى الوقت
ذات مساء هادئ مسكون بالهواجس والرغبات، جلس ثري بملابسه الثمينة وساعته الغالية على طاولة مما يكون قصور الأثرياء، وقد بسط أمامه الدنيا التي أوتاها:...
3 دقائق للقراءة
كأس ماء
  لم يعلم ما الذي أوصله إليها. كانت ممتدة على مرمى البصر، بكثبانها الهائلة، ورمالها التي تذروها الرياح. كان الصمت مهيمنا رهيبا كمجلس حاكم...
2 دقائق للقراءة
لستُ وهما
لأيام طويلة لم يكتب إليها شيئا. كان يشعر بفراغ كبير في قلبه، بخواء رهيب في عقله، وبصراخ يمتد على مساحات روحه الممتدة في عوالم...
2 دقائق للقراءة
من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة