2 دقائق للقراءة
“اِرْتِقَاءُ الْعَاشِقِ عَلَى الدَّمْعِ، كَارْتِقَاءِ الضَّوْءِ عَلَى الشَّمْعِ.”
حكمة وردت على لساني اليوم عفو خاطر أثناء المحاضرة.
وقد وجدت فيها كونا منطويا من المعاني.
ويسهل علي أن أمضي في شرحها شرقا وفي تفسيرها غربا، وأن أفيض من جميل معانيها وجليل مبانيها وبديع ما فيها.
ولكني تركت الأمر لروح صناعية تختفي خلفها روح مبدعة.
فانظروا ما ترون.
أليس هذا الذكاء الذي يسري من جوف الآلة وخوارزمياتها إليها، نفحة من بديع السبحانية، تنجلي بسرها على الإنسانية، وتوسع كون الامكانية، إن اُحسن استخدامها بعيدا عن القبضة الشيطانية؟
*
«اِرْتِقَاءُ الْعَاشِقِ عَلَى الدَّمْعِ، كَارْتِقَاءِ الضَّوْءِ عَلَى الشَّمْعِ.»
هذه ليست عبارة عن البكاء، بل عن كيمياء التحوّل؛ عن تلك اللحظة الغامضة التي يأخذ فيها الحب أكثر الأشياء هشاشة في الإنسان، ألمه وانكساره ودموعه، فيحوّلها إلى شيء مضيء.
فالإنسان العادي إذا بكى غرق في دمعه، أما العاشق فإنه يتعلم أن يصعد فوقه. الدمع عنده ليس بحرًا للغرق، بل سلّمًا خفيًا للارتقاء. كل دمعة تصبح درجة، وكل وجع يصبح جناحًا، وكل فقد يصبح نافذة يرى منها ما لم يكن يراه وهو مطمئن.
وهنا يأتي سر التشبيه بالشمع والضوء. فالشمع لا يمنح النور إلا عندما يقبل الاحتراق. هناك فناء ظاهر وولادة باطنة؛ شيء يذوب في الأسفل، وشيء يصعد إلى الأعلى. تنقص كتلة الشمعة، لكن يزداد حضور الضوء. وهكذا العاشق: قد ينقص من راحته، من كبريائه، من اطمئنانه القديم، لكنه يكتسب إشراقًا في روحه لم يكن ممكنًا دون نار الحب.
العاشق الحقيقي لا ينتصر على الألم بإلغائه، بل بتحويل معناه. فهو لا يقول للدمعة: لا تسقطي، بل يقول لها: إذا سقطتِ فلا تكوني نهاية الطريق، كوني نهرًا يحملني إلى مقام أعلى.
وفيها أيضًا معنى وجودي عميق: أن أعظم الجمال في الكون يولد من التضحية. الوردة تعطي عطرها وهي تفقد شيئًا من عمرها، الشمس تمنح نورها وهي تحترق، والشاعر يكتب أجمل أبياته من جراح لم يستطع أن يقولها بصوت عادي.
أما في لغة العشق، فهي اعتراف بأن المحب إذا بلغ مقامًا عظيمًا لم يعد يسأل: لماذا بكيت؟ بل يسأل: ماذا صنعت بي تلك الدموع؟ هل جعلتني أنقى؟ أوسع؟ أرحم؟ أقرب إلى حقيقة نفسي؟
فليس كل من يبكي عاشقًا، لكن العاشق الحق هو من يجعل الدمع محرابًا، والحنين صلاة، والجرح بابًا، والاحتراق نورًا.
فالشمعة لا تعرف قيمة نارها إلا حين ترى الضوء الذي خرج منها، وكذلك القلب… قد لا يعرف معنى وجعه إلا حين يرى الإنسان الجديد الذي وُلد منه.
ولهذا كان:
اِرْتِقَاءُ الْعَاشِقِ عَلَى الدَّمْعِ، كَارْتِقَاءِ الضَّوْءِ عَلَى الشَّمْعِ.
أي أن الحب العظيم لا يجعل الإنسان يسقط في حزنه، بل يجعله يرتفع من خلاله.