كتبت معظم قصائد هذا الديوان سنة 2006
إِهْدَاءْ
إِلَىٰ مَنْ عَبَرَ بِدَرْبِ العِشْقِ..
مَاشِيًا عَلَىٰ شَوْكِهِ، ذَائِبًا مِنْ شَوْقِهِ.
وَإِلَىٰ مَجَانِينِ لَيْلَى جَمِيعًا…
الَّذِينَ وَجَدُوا الحِكْمَةَ الخَالِدَةَ
فِي مُطْلَقِ الجُنُونِ.
| وَمِثْلَكَ وَدَّعْتُ يَا قَيْسُ لَيْلَى |
| كَمَا الدَّمْعُ إِذْ وَدَّعَتْهُ الجُفُونُ |
| وَحُزْنُ المُحِبِّينَ حُزْنٌ عَظِيمٌ |
| يَكُونُ بِهِ العِشْقُ أَوْ لَا يَكُونُ |
كَلِمَةٌ أُولَى
لَيْسَتْ لَيْلَىٰ فِي تَارِيخِ الشِّعْرِ وَالعِشْقِ العَرَبِيِّ مُجَرَّدَ أُنْثَىٰ تَعْبُرُ قَلْبَ مُغْرَمٍ أَوْ تَمْكُثُ فِيهِ، تَصُدُّهُ
أَوْ تَصِلُهُ، تَلْتَقِيهِ أَوْ تُفَارِقُهُ..
بَلْ هِيَ أَبْعَدُ مِنْ ذٰلِكَ وَأَجْمَلُ..
إِنَّهَا رَمْزُ المَرْأَةِ فِي قَصَائِدِ العُشَّاقِ..
تِلْكَ الرَّاغِبَةُ المُتَمَنِّعَةُ، وَالرَّائِعَةُ المُلوِّعَةُ، وَالجَمِيلَةُ الَّتِي يَتْبَعُ العَاشِقُ طَيْفَهَا فِي كُلِّ جَمِيلٍ يَرَاهُ.
هِيَ القَمَرُ وَالظَّبْيُ وَالوَرْدَةُ، وَهِيَ الَّتِي فِي الخِيَامِ وَفِي طَلَلِ الخِيَامِ، فِي الصَّحْرَاءِ وَفِي وَاحَاتِهَا وَهَجِيرِهَا وَكَائِنَاتِهَا وَأَزْمِنَتِهَا، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا، نُجُومُهَا وَشَمْسُهَا وَضَوْؤُهَا وَحُلْكَتُهَا…
حَتَّىٰ يَقُولُ قَائِلُهُمْ:[1]
| أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُنِي وَلَيْلَىٰ |
| وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي |
| تَرَىٰ وَضَحَ النَّهَارِ كَمَا أَرَاهُ |
| كَفَاكَ بِذٰاكَ فِيهِ لَنَا تَدَانِ |
وَهِيَ الجُنُونُ كُلُّهُ، وَالعِشْقُ كُلُّهُ، وَاللَّذَّةُ فِي اكْتِمَالِهَا، وَالوَجَعُ فِي قَسْوَتِهِ الَّتِي تُفَتِّتُ صَلْدَ الحَجَرِ.
حَتَّىٰ يَصْرُخَ عَاشِقٌ مِنْهُمْ مُنَادِيًا سِرَّهَا وَرَمْزَهَا[2]:
| سَلَبَتْ لَيْلَىٰ مِنِّيَ العَقْلَ |
وَجُنُونُ قَيْسٍ بِالعَامِرِيَّةِ قِمَّةٌ مِنْ قِمَمِ ذٰلِكَ العِشْقِ لِلَيْلَىٰ الَّتِي لَا تَتُوبُ عَنْ قَتْلِ عُشَّاقِهَا، وَلَا يَتُوبُ عُشَّاقُهَا عَنْ عِشْقِهَا، حَتَّىٰ يَكُونَ حَالُهُمْ كَحَالِهِ، وَمَقَالُهُمْ كَمَقَالِهِ:
| يُسَمُّونَنِي المَجْنُونَ حِينَ يَرَوْنَنِي |
| نَعَمْ بِيَ مِنْ لَيْلَىٰ الغَدَاةَ جُنُونُ |
وَهِيَ الحَضْرَةُ فِي شِعْرِ المُتَصَوِّفَةِ، وَبَوَارِقُ الإِشْرَاقِ، وَلَوَاعِجُ التَّجَلِّي، وَأَحْوَالُ التَّرَقِّي وَالتَّلَقِّي، رَمْزُ الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّةِ حِينًا، وَرَمْزُ الحَضْرَةِ العُلْوِيَّةِ حِينًا.
وَفِي كُلِّ المَقَامَاتِ لِلَيْلَىٰ مَقَامٌ، تَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهَا طَوْرًا، وَتُغَطِّيهِ بِلِثَامِهَا أَطْوَارًا، فَيَهْتِفُ الفَانِي فِي العِشْقِ الرَّحْمَانِي:
| دَعْ جَمَالَ الوَجْهِ يَظْهَرْ |
| لَا تُغَطِّ يَا حَبِيبِي |
| طُولَ لَيْلِي فِيكَ أَسْهَرْ |
| زَادَ شَوْقِي وَلَهِيبِي |
| هٰكَذَا المَحْبُوبُ يَقْهَرْ |
| بِالجَفَا قَلْبُ الكَئِيبِ |
| كُلَّ شَيْءٍ عِقْدُ جَوْهَرْ |
| حِلْيَةُ الحُسْنِ المَهِيبِ |
وَتَنْهَمِرُ الدُّمُوعُ مِنْ صَهْدِ الشَّوْقِ إِلَىٰ لَيْلَىٰ، وَتُونِعُ الأَحْلَامُ مِنْ نَدَىٰ رِقَّتِهَا، وَيَكُونُ الجُنُونُ بِهَا فِي أَعْيُنِ الأَغْيَارِ، قِمَّةَ العِرْفَانِ فِي أَعْيُنِ أَصْحَابِ الأَسْرَارِ، فَيَلِذُّ المَوْتُ وَيَهْتِفُ هَاتِفُهُمْ:[3]
| اُقْتُلُونِي يَا ثِقَاتِي |
| إِنَّ فِي قَتْلِي حَيَاتِي |
وَيَحِنُّ القَلْبُ وَتَصْبُو الرُّوحُ حَتَّىٰ يَعْزِفَ العَازِفُ عَلَىٰ نَايِ الاِشْتِيَاقِ وَيَتَغَنَّى[4]:
| وَاللَّهِ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ |
| إِلَّا وَحُبُّكِ مَقْرُونٌ بِأَنْفَاسِي |
| وَلَا خَلَوْتُ إِلَىٰ قَوْمٍ أُحَدِّثُهُمْ |
| إِلَّا وَأَنْتِ حَدِيثِي بَيْنَ جُلَّاسِي |
| وَلَا هَمَمْتُ بِشُرْبِ المَاءِ مِنْ عَطَشٍ |
| إِلَّا رَأَيْتُ خَيَالًا مِنْكِ فِي الكَاسِ |
وَلَيْلَىٰ عَزِيزَةٌ غَالِيَةٌ، وَرَفِيعَةٌ عَالِيَةٌ، وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَىٰ، وَلٰكِنْ قَلِيلٌ مَنْ عَرَفَهَا حَقِيقَةً أَوْ رَآهَا، كقول الشاعر:
فَحَالُهُ حَالُ الشَّادِي:[5]
| أَوَمِيضُ بَرْقٍ بِالأُبَيْرِقِ لَاحَا |
| أَمْ فِي رُبَىٰ نَجْدٍ أَرَىٰ مِصْبَاحَا |
| أَمْ تِلْكَ لَيْلَىٰ العَامِرِيَّةُ أَسْفَرَتْ |
| لَيْلًا فَصَيَّرَتِ المَسَاءَ صَبَاحَا |
فَمَجَانِينُ لَيْلَىٰ فِي كِتَابِ العِشْقِ وَتَارِيخِ العُشَّاقِ كَثِيرٌ، وَعُشَّاقُهَا كُثُرٌ.
وَلَهَا أَنْ تَتَسَمَّىٰ بِمَا أَرَادَتْ
أَوْ شَاءَ مَنْ سَمَّاهَا أَوْ كَنَّىٰ عَنْهَا.
وَلَهَا أَنْ تَكُونَ فِي قِصَصٍ كَثِيرَةٍ كَأَنَّهَا رُوحٌ تَتَقَمَّصُ المَعْشُوقَاتِ.
هِيَ عَبْلَةُ وَسُعَادُ وَبُثَيْنَةُ وَعَفْرَاءُ حِزَامٍ، وَهِيَ سَعْدَىٰ وَسَلْمَىٰ، وَلُبْنَىٰ بِنْتُ الحُبَابِ…
وَهِيَ أَحْوَالُ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَمَا أَرَادُوا مِنْ مَعْنَى، وَمَا طَرِبَتْ لَهُ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ مَغْنَى.
وَهِيَ كُلُّ حَرْفٍ جَمِيلٍ، وَكُلُّ لَحْنٍ شَجِيٍّ، وَكُلُّ عَبَقٍ وَشَذًى وَأَرِيجٍ، لَيْلَىٰ كَوْنٌ مِنَ المُوسِيقَىٰ، وَغَابَةٌ مِنَ القَصَائِدِ، وَبَحْرٌ مِنَ المَعَانِي، وَكَوْكَبٌ مِنْ كَوَاكِبِ العِشْقِ.
هٰذَا الدِّيوَانُ هَدِيَّةٌ لِمَجَانِينِ لَيْلَىٰ جَمِيعًا، عُشَّاقِ حَوَّاءَ فِي تَجَدُّدِهَا، الأَوْفِيَاءِ الأَصْفِيَاءِ لِذٰلِكَ الحُبِّ الإِلٰهِيِّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَمَجَالِيهِ:
فِي تَجَلِّيَاتِ الوَجْدِ، وَتَجَلِّيَاتِ العِشْقِ، وَتَجَلِّيَاتِ الوَصْلِ، وَتَجَلِّيَاتِ الحِرْمَانِ.
وَفِي مَقَامَاتِ الحُزْنِ، وَمَقَامَاتِ البَهْجَةِ، وَمَقَامَاتِ القُرْبِ، وَمَقَامَاتِ البُعْدِ وَالرَّحِيلِ.
فَحَيَّ هَلَّا إِلَىٰ سَفَرِ المُشْتَاقِ، وَسِفْرِ العُشَّاقِ، وَكَوْنِ المَجَانِينِ: مَجَانِينُ لَيْلَىٰ، المُفْرَدُ المُتَعَدِّدُ، وَالأُنْثَى الرَّمْزُ…
لَيْلَىٰ وَحْدَهَا.. أَوَّلًا وَآخِرًا…
سوسة 03-05-2017 20:26
[1] قيس بن الملوح، مجنون ليلى
[2] مُحْيِي الدِّينِ بْنُ عَرَبِي
[3] الشهيد الحلاج
[4] الشهيد الحلاج
[5] ابن الفارض