8 دقائق للقراءة
مقدمة كتابنا: “السر الحرام” الذي بدأنا تأليفه سنة 2009، وأتمنناه سنة 2016. وسنقوم بنشره بعد مراجعة أخيرة.
ونرجو ممن يتهمنا بالسحر أن يقرأ ويحكم، إن كان له قلب.
______________________________________
يُعتبر السحر أحد أكثر المواضيع جدلًا في الحضارة البشرية، بين من يعتقد فيه، ومن ينكر وجوده، ومن يمارسه، أو يلجأ إلى من يمارسه.
كما أن المواقف من السحرة كانت متباينة؛ بين من يعتبرهم أصحاب قوى متصلة بعالم الغيب، كالشامان في بعض الثقافات، ومن يعدّهم زنادقة يستحقون الحرق أحياء، كما فعلت الكنيسة في أوروبا خلال القرون الوسطى، حين أحرقت من اتُّهموا بممارسة السحر، بل ولم يقتصر الأمر على السحرة المزعومين، وإنما طال كذلك علماء ومفكرين اتُّهموا زورًا بالسحر أو بممارسة قوى شيطانية بسبب أفكارهم أو اكتشافاتهم.
وما من حضارة بشرية عبر التاريخ إلا وقد ذكرت السحر، سواء باعتباره معرفة مقدسة، أو قوة خفية، أو جريمة دينية،
أو وسيلة للتأثير في الإنسان والطبيعة.
وقد اختلفت تسمياته وطرائق ممارسته ومكانته الاجتماعية باختلاف البيئات والثقافات، لكنه ظل حاضرًا في الذاكرة الإنسانية منذ أقدم العصور.
ففي حضارات بلاد الرافدين، ولا سيما بابل وآشور، ظهر السحر ضمن منظومة دينية معقدة، حيث ارتبط بالكهنة والمتخصصين في الرقى والتعاويذ وطرد الأرواح الشريرة، وامتلأت الألواح المسمارية بنصوص تتحدث عن اللعنات، والتمائم، والرقى الوقائية، وطقوس فك السحر، حتى أصبحت بلاد الرافدين من أغزر الحضارات القديمة في النصوص المتعلقة بهذا المجال.
وفي مصر الفرعونية عُرف السحر باسم «حِكا» (Heka)، ولم يكن يُنظر إليه ابتداءً بوصفه قوة شيطانية، بل باعتباره قوة كونية منحها الإله للخليقة، يستطيع الكهنة استخدامها في الحماية والعلاج والطقوس الجنائزية. ولهذا امتلأت البرديات المصرية، مثل بردية هاريس وبردية لندن السحرية وغيرها، بالنصوص السحرية والتمائم والأدعية التي كانت تُستعمل للحماية أو للاستشفاء أو لمواجهة الأرواح الشريرة.
أما في الهند القديمة فقد تداخل السحر مع الطقوس الدينية والفلسفات الروحية، وظهرت الإشارات إليه في بعض نصوص الأثارفا فيدا (Atharva Veda) التي تضمنت تعاويذ للحماية والشفاء، وأخرى لدفع الأذى أو جلب المنافع، ثم تطورت هذه الممارسات في بعض المدارس التانترية التي مزجت بين التأمل والرموز والطقوس الباطنية، مع وجود تمييز واضح لدى كثير من الفلاسفة الهنود بين الرياضات الروحية المشروعة وبين الممارسات التي تُعد انحرافًا عن طريق التحرر الروحي.
وفي الصين القديمة ارتبطت بعض الممارسات السحرية بالكهنة والعرافين، كما امتزجت بالفكر الطاوي وبعض المعتقدات الشعبية، بينما عرفت حضارات أمريكا الوسطى، كحضارة المايا والأزتيك، طقوسًا دينية معقدة مزجت بين التنجيم، واستحضار الأرواح، والتقويمات الفلكية، والقرابين، حتى أصبح الكاهن في كثير من الأحيان يجمع بين الوظيفة الدينية والفلكية وما يُعد من أعمال السحر في المفهوم الحديث.
وفي الديانة اليهودية يُعد السحر من المحرمات الصريحة، وقد وردت نصوص عديدة في أسفار العهد القديم تنهى عن العرافة، واستحضار الأرواح، والتنجيم، والسحر، وتعتبرها من الأعمال المرفوضة دينيًا. ومع ذلك، فقد ارتبط اليهود في المخيال الأوروبي، عبر قرون طويلة، باتهامات متكررة بممارسة السحر والشعوذة، شأنهم في ذلك شأن كثير من الأقليات الدينية التي كانت تُحمَّل مسؤولية الأزمات والكوارث.
وخلال العصور الوسطى، ولا سيما في فترات الأوبئة والمجاعات والاضطرابات الاقتصادية، انتشرت شائعات تتهم اليهود بتسميم الآبار، أو استخدام السحر لإهلاك الناس،
أو إقامة طقوس شيطانية.
وقد تعرضت الجاليات اليهودية في مدن أوروبية عديدة للطرد أو المصادرة أو القتل، كما حدث عقب انتشار الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، حين اتُّهم اليهود بإحداث الوباء عبر تسميم مصادر المياه، فشهدت مدن مثل ستراسبورغ وبازل وماينتس وكولونيا وغيرها مذابح وعمليات حرق جماعية وطرد للسكان اليهود، ثم تكررت قرارات الطرد في إنجلترا سنة 1290، وفي فرنسا في أكثر من مرحلة، وفي إسبانيا سنة 1492، حيث اختلطت الدوافع الدينية بالسياسية والاقتصادية، وكانت تهمة السحر أو التحالف مع قوى الشر واحدة من وسائل التحريض المستخدمة في بعض تلك المراحل.
ولعل من أهم ما يمكن ذكره عن السحر في علاقته باليهودية ما ورد في قصة نبي الله موسى عليه السلام، حين ألقى عصاه فإذا هي تتحول إلى حيّة عظيمة بأمر الله، وهي المعجزة التي واجه بها سحرة فرعون. وقد نظر فرعون وملؤه إلى هذه المعجزة على أنها لون من السحر، كما نقل القرآن الكريم قولهم: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، لأنهم لم يستطيعوا التمييز بين المعجزة الإلهية والسحر الذي ألفوه. بل إن كثيرًا من بني إسرائيل أنفسهم ظلوا ينظرون إلى المعجزات بمنظار مادي، ولم يدركوا الفارق الجوهري بين القدرة الربانية الخارقة وبين الممارسات السحرية البشرية، وهو خلطٌ تكرر في تاريخ الأمم كلما عجز الناس عن تفسير ما يشاهدونه.
ومن الشخصيات المحورية كذلك نبي الله سليمان عليه السلام، الذي خصّه الله بملك لم يؤته أحدًا من العالمين، فسخّر له الريح، وأخضع له الجن، وجعل منهم من يعمل في البناء والغوص والصناعات المختلفة بأمره. وقد حاولت بعض الروايات القديمة، ولا سيما ما نُسب إلى بعض الإسرائيليات، أن تربط ملك سليمان بالسحر، فجاء القرآن الكريم حاسمًا في نفي ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. فالقرآن يقرر بوضوح أن سليمان لم يكن ساحرًا، وأن ما امتلكه كان تسخيرًا إلهيًا ومعجزة ربانية، بينما كان تعليم السحر من فعل الشياطين الذين أغووا بعض البشر، فتعلموا منهم ما يفسد ولا يصلح، وما يفرق ولا يجمع.
وهذه الآية تؤسس لقاعدة منهجية بالغة الأهمية، وهي ضرورة التمييز بين المعجزة التي مصدرها الله، والكرامة التي يكرم الله بها بعض أوليائه، والسحر الذي يقوم على الاستعانة بالشياطين أو على وسائل محرمة، والخداع الذي يعتمد على الوهم والحيل البصرية. فالخلط بين هذه المفاهيم كان ولا يزال سببًا في كثير من الانحرافات الفكرية والعقدية.
أما في المسيحية، فإن السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام جاء مؤيدًا بمعجزات عظيمة، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله. وهذه الأعمال الخارقة لم تكن سحرًا ولا شعوذة، وإنما كانت آيات ربانية تثبت صدق رسالته، وقد حرص القرآن الكريم على تكرار عبارة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ مع هذه المعجزات، تأكيدًا على أن مصدرها هو القدرة الإلهية وحدها، لا قوة ذاتية ولا ممارسة سحرية.
ومع ذلك، فقد اتهم بعض أحبار اليهود السيد المسيح بالسحر، أو بأنه يستمد قوته من قوى شيطانية، وهي تهمة ترددت كذلك في بعض نصوص العهد الجديد، حيث اتُّهم بأنه يُخرج الشياطين برئيس الشياطين. وكان هذا الاتهام محاولة لتفسير ما عجز خصومه عن إنكاره من معجزات، بعد أن لم يجدوا لها تفسيرًا آخر يوافق مواقفهم المسبقة.
وعلى الرغم من اختلاف المدارس اللاهوتية المسيحية في بعض التفاصيل، فإن الموقف العام للمسيحية ظل رافضًا للسحر بوصفه ممارسة محرمة ومنافية للإيمان بالله. فقد تضمنت أسفار العهدين القديم والجديد نصوصًا تحذر من العرافة، واستحضار الأرواح، والتنجيم، والسحر، واعتبرت اللجوء إليها انحرافًا عن التوحيد والثقة بالعناية الإلهية. ومن هذا المنطلق تبنت الكنيسة عبر تاريخها موقفًا صارمًا من السحر، وإن كان هذا الموقف قد اتخذ أحيانًا، ولا سيما في أوروبا الوسيطة، صورًا متشددة تجاوزت ملاحقة الممارسات السحرية إلى اضطهاد أعداد كبيرة من الأبرياء الذين اتُّهموا بالسحر دون بينة، وهو ما سيترك أثرًا عميقًا في التاريخ الأوروبي وفي صورة السحر داخل الثقافة الغربية.
أما في الإسلام، فقد كان الموقف من السحر أشد وضوحًا وأرسخ تأصيلًا من غيره، إذ لم يترك القرآن الكريم ولا السنة النبوية مجالًا للالتباس في بيان حقيقته، والتحذير من مخاطره، وبيان حكمه الشرعي. فقد تناول القرآن السحر في مواضع متعددة، مفرقًا بين المعجزة الإلهية والسحر، ومبينًا أن السحر حقيقة له أثر بإذن الله الكوني، لكنه ليس قوة مستقلة عن إرادة الله، كما أنه طريق محرم يقوم على الضلال والفساد والاستعانة بالشياطين.
ومن أبرز الآيات في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ” إلى أن يرد على ذكر هاروت وماروت فيقوله سبحانه ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]. ففي هذه الآية جمع القرآن بين نفي السحر عن نبي الله سليمان، وإثبات أن الشياطين هم الذين كانوا يعلمون الناس السحر، مع التأكيد على أن تأثيره لا يقع إلا في حدود ما يأذن الله به كونًا، فلا يخرج شيء في هذا الكون عن سلطان الله وقدرته.
وقال تعالى في وصف سحرة فرعون: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116]، مبينًا أن من السحر ما يقوم على التأثير في إدراك الناس وإيهامهم، وقال سبحانه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66]، في إشارة إلى جانب من جوانب الخداع والإيهام الذي قد يصاحب بعض أنواع السحر، قبل أن يبطل الله ذلك بمعجزة موسى عليه السلام.
أما السنة النبوية، فقد جاءت زاجرة عن السحر أشد الزجر، وعدته من أعظم الذنوب وأخطر الكبائر. فمن ذلك ما رواه الإمامان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ”… ثم ذكر بقية الكبائر. والحديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن قَبِيصَةَ بن مخارق رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ” إنَّ العِيَافَةَ، والطِّيَرَةَ، والطَّرْقَ، مِنَ الجِبْتِ”، أخرجه أبو داوود، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام عبد الرزاق صاحب المصنف.
والجبت فُسِّر بأنه السحر وما يتصل به من أعمال الباطل. كما ثبت عن جماعة من الصحابة والتابعين تشديدهم في أمر السحر، وتحذيرهم من ممارسته أو اللجوء إلى أهله.
ولهذا انعقد إجماع علماء الإسلام على تحريم السحر، وعدِّه من الكبائر العظام، بل ذهب كثير من أهل العلم إلى أن بعض صوره التي تقوم على الاستعانة بالشياطين أو تتضمن اعتقادًا يناقض التوحيد تبلغ بصاحبها حد الكفر، بينما تبقى صور أخرى محرمة لا تصل بصاحبها إلى ذلك بحسب حقيقتها وما تشتمل عليه من اعتقاد أو ممارسة. ومن هنا كان الفقهاء يفرقون بين أنواع السحر وآثاره، دون أن يختلفوا في أصل تحريمه وخطورته.
وهكذا فإن الإسلام لم يكتف بتحريم السحر، وإنما وضع له إطارًا عقديًا ومنهجيًا دقيقًا، فميز بين المعجزة والكرامة والسحر والخداع، ومنح الإنسان ميزانًا واضحًا يفرق به بين نور الوحي وظلمات الشعوذة.
ولكن ذلك لم يمنع وجود من اتهم الأولياء أصحاب الكرامات بأنهم سحرة، كما فعل أعداء السيد البدوي ويفعلون إلى اليوم، وهو ذات صنيع كفار قريش مع رسول الله حين اتهموه بأنه ساحر، وقالوا أن انشقاق القمر سحر مستمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾.
وفي اعتقادي، لم تشهد فترة من فترات التاريخ الإسلامي انتشارا واستشراء للسحر كهذه الفترة، لضعف العقيدة، وفساد الأخلاق، وانعدام المروءة، عن الكثيرين، فلجأوا على السحر، ومالوا إلى السحرة، وتركوا سبيل الله وحادوا عن نهجه.
وقد عاينت من هذا الكثيرة في عدد من الدول العربية أثناء إقامتي في بعضها أو تجوالي وسفري إلى بعضها الآخر.
وهو مما دفعني الى تعميق بحثي في هذا الموضوع، فقرأت ودرست وسافرت والتقيت، وعاينت ورأيت، بعين الطبيب الذي يريد تعميق فهمه للداء، ليسهل عليه وصف الدواء.
فكان هذا الكتاب ثمرة بحث استمر لسنوات طويلة، ومطالعات لكتب بعضها فيه سحر وبعضها الآخر وصف للسحر من زوايا مختلفة.
ومختصر نظري للسحر أنه سر حرام، فكلمة “سر” تحمل أمورا من الخفاء أو الإخفاء أو التخفّي، ولها معان كثيرة ومجالات عديدة. لكن حين ندمج كلمة “سر” مع كلمة “حرام” نفهم معنى من المنع والحظر، لكن إن مزجنا حرفي السر بأول حرف في كلمة الحرام تقديرا لبقيّة الكلمة فنجد كلمة جديدة ليست سوى: “سحر”. فالسحر في تقديري وحسب فهمي هو سرّ حرام، سرّ في الروحانية والاستحضار والتحكّم وبواطن في النفس والروح.
في هذا المصنف سنتعرف على أنواع السحر وفق تفسيرنا لآيات القرآن الكريم التي تحدثت عنه، مع توسيع الدوائر المعرفية، وتفسير الفرق بين السحر والشعوذة والدجل، وبيان الجوانب العلمية، وما يتصل بالسحر من معارف ومؤلفات ووجهات نظر، وشيء من أسرار عوالمه، وبعض معالمه…
ليكون القارئ على دراية أكبر بهذه الآفة، ويتمكن من تجبنها والتغلب عليها.
والله من وراء القصد.
سوسة بتاريخ 01/04/2026