6 دقائق للقراءة
بعد سنوات من الانتظار، وبعد أن ذكرته في دورة السر الحرام التي قدمناها في شكل دروس، ها أنا أنشر بينكم من كتابي، حتى يدرك بعض الحمقى الفرق بين دراسة السحر والتعمق فيه لمحاربته، وبين أن تكون ساحرا، ولا ينبغي لمؤمن موحد، سيما من ذرية رسول الله، ان يكون من السحرة الملاعين.
خطابي اوجهه للعقلاء كما فعلت دائما، أما أمواج الحقد المتلاطمة بما تحمله من السفهاء والشاتمين بغير حق والمكذبين دون بينة فلا نعبأ بها ولو بلغت عنان السماء.
الفصل الأول
أنواع السحر كما وردت القرآن الكريم
القرآن الكريم كتاب الله نزله على خير رسله بأفضل ملائكته، فكان المُنزِّل الله، وكان المُنزل جبريل، وكان المَنزلُ صدر رسول الله، وتلك منزلة ما فوقها في الخلق منزلة.
وكل ما ورد في كتاب الله حق، يؤمن به من آمن، ويصد عنه من جحد.
وقد ورد ذكر السحر في القرآن مرات كثيرة، تتجاوز الأربعين في جذر سحر أو الكلام عن السحرة، كما ورد ذكر الساحر ثلاثة عشر مرة، سواء في تبيان حال الساحر، أو في كلام المشركين والمكذبين وادعائهم الباطل على رسول الله وبعض النبيين من قبله بأنهم سحرة.
وعندما نتدبر كتاب الله، سنجد أن السحر يرد بمعان مختلفة، ومراتب متعددة، وأحوال متباينة.
فمنه ما هو ادعاء باطل على النبيين وعلى حضرة المصطفى، كقولهم: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 52-53]. وقال سبحانه في خبر المشركين وإنكارهم رسالة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: 4]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: 43].
ومنه ما هو تكذيب بآيات الله ومعجزاته، كمعجزة انشقاق القمر، قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: 1-3].
ومنه تكذيب فرعون لنبي الله موسى وادعاؤه أنه ساحر، قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: 109-110]، وقال سبحانه: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: 34-35].
أو أنه وهارون جاءا ليخرجا أهل مصر من أرضهم بسحرهما، قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ﴾ [طه: 63]، وقال فرعون لموسى عليه السلام: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ [طه: 57].
ومنه اعتراض الله سبحانه وإفحامه للمشركين والكفار في قوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: 15]. وقال سبحانه في مواجهة من وصفوا آيات الله بالسحر: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ قَالَ مُوسَىٰ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس: 76-77].
ومنه ما هو توصيف للسحر على وجه الحقيقة، وهم ما سنغوص في معانيه لنتبين أنواع السحر وفق التوصيفات القرآنية، للشياطين التي تتلوا وهو السحر الأسود، وهاروت وماروت والسحر الأحمر، وسحر التخييل أو السحر الأخضر كما في خبر نبي الله موسى، وسحر الكنوز أو السحر الأصفر كما في خبر قارون، وسحر الماء أو السحر الأزرق كما في خبر جالوت، وسحر العقد والنفث وهو السحر الرمادي.
وهذا التفسير في بعض وجوهه خاص بي، لا ألزم به غيري، ولا أقتفي فيه أثر من سبقني ممن كتب في هذا الباب، فلعلها إشراقة ونفحة، ومن رام النقاش بعلم فله ذلك.
يبقى أن نشير إلى أن تقسيمات السحر قامت عادة على التقسيم اللوني، أسود، احمر، أصفر. ومن ذلك:
*السحر الأسود (Black Magic) أشهر الأنواع، ويقصد به السحر المؤذي القائم على الاستعانة بالشياطين أو الأرواح الشريرة لإيقاع الضرر، كالمرض، والتفريق، والقتل، وإفساد العلاقات.