حضارة إرم ذات العماد، ولعنة الازدهار

17 دقائق للقراءة

للحضارات مواقيت ازدهار، ومواعيد انهيار، وحتمية اندثار، ضمن سنة إلهية عظيمة لا تبديل لها.
والشواهد في التاريخ كثيرة، فحضارة المايا وحضارة الأنكا والأزدك وحضارة مينوس وحضارة أطلنتس وكذلك الحضارات البابلية وكل ما كان في بلاد ما بين النهرين (أكاد، آشور، بابل..)، وبلاد النيل (الحضارة الفرعونية)، والحضارات العظيمة والقديمة في بلاد الصين والهند، وكذلك حضارة روما والاغريق وقرطاجنة، كلها آلت إلى زوال بعد أن بلغت قمة ازدهارها وقوتها وهيمنتها على العالم.
وتجد لابن خلدون مؤسس علم الاجتماع كلام عن أن كل أمة تحمل بذور هلاكها، وأنها إذا بلغت نقطة ما من الازدهار بدأت في الانهيار.
“لعنة الازدهار” شبيهة بقصص لعنة كنز توت عنخ آمون (حكم مصر من 1334 إلى 1325 ق.م) ، أو ما سمي بلعنة الفراعنة ضمن حكايات عن السحر الأسود ونمط من العقاب الغريب الذي أصاب من اقتحموا قبور الفراعنة وخاصة قبر توت، وهي قصص شاعت منذ القرن التاسع عشر ولعل لها ذكرا قبل ذلك لما جربه لصوص المقابر من لعنات وآفات وموت مفاجئ، ولكن أشهر تلك القصص كانت مع اكتشاف مقبرة توت آمون في وادي الملوك سنة 1922 الذي تم على يد عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر بعد خمسة عشر سنة من البحث والتنقيب.
المستفاد من خبر لعنة الفراعنة (سواء كانت حقيقية أو مجرد أساطير) هو أن للازدهار كنوزا مخبوءة، يسعى الكثير من الناس لبلوغها، فيكون الترف، ويكون الرخاء، ولكن سرعان ما تسري اللعنة التي ذكرها الله سبحانه في كتابه، حيث يستثمر المجرمون في ذلك الازدهار ويزدادون إجراما، ويفسق المترفون ويغرقون في الفساد ولا يسمعون لناصح، بل يعميهم الله حتى لا يرون ولا يهتدون وإن كان بينهم أنبياء من الله يدعونهم، فقوة الحيلولة وقوة الختم تمنعهم، ويجمع بين المترفين والمجرمين المكر كما بين الله في كتابه، ويجمعهم مجمع واحد فالاجرام غايته الترف والترف مع الفسق يتحول إلى إجرام وكل ذلك يكون معه مكر كبير وإفساد كثير، وعلى ذلك لازمة ربانية وسنة ثابته هي العقاب وزوال تلك الحضارة تماما بأنماط عقابية شتى كما كان في اخبار الأمم السابقة.
تأمل هاتين الآياتين لتفهم أكثر:”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) (الأنعام).
ثم انظر قوله: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) (الإسراء).
والقرية في القرآن الكريم قد تعني المدينة أو الحضارة والأمة: “وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا (59) (الكهف).
ولكن ذلك مصحوب بمنذرين من عند الله ينصحون ويبينون لهم مواضع الخلل ومواطن الزلل ومكامن العلل، ويصبرون عليهم ناصحين ليلا ونهارا، مستخدمين النقد المستنير، والحجة البالغة، والبيان الجلي، مع الدعوة لترك الظلم، وإحقاق العدل، واجتناب الفواحش، مستهلين ذلك بالدعوة إلى عبادة الله الواحد القهار، وكسر الأصنام ومخالفة الآباء فيما كانوا عليه من الشرك والأوهام.
معلنين أنهم يريدون الإصلاح ما استطاعوا، وأن الله بعثهم من لدنه، مذكرين لهم بما حصل للأقوام السابقة التي كذبت رسل الله وكيف أصابهم العذاب، فيرد عليهم أقوامهم بالسخرية والاستهزاء والتكذيب والعناد والجحود والاستهانة بعذاب الله وكلماته والتكذيب بوحدانيته والإصرار على ما هم فيه من مفاسد ومغانم، بل يبلغ بهم الأمر حد قتل المؤمنين بشتى أنواع التنكيل وأقساها (كأصحاب الأخدود) بل وقتل الأنبياء أنفسهم، ولهذا أخبار كثيرة في كتاب الله لعل أجلاها في معنى ما ذركنا تفصيلا خبر نبي الله شعيب مع أهل مدين، فتأمل وتدبر: “وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) (هود).
ولن تجد في التاريخ أمة أو حضارة سواء امتدت على قرية مثل التي جاءها المرسلون: “وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) (يس).
أو على قريتين كسدوم وعمورية (قوم لوط)، أو على ما هو أوسع وأكثر قوة كثمود وعاد والمؤتفكات وقوم تبّع ، او على الكوكب كله كحضارة زمن نوح وما قبله التي أبيدت تماما إلا من نجا مع نوح، ولعلنا في فترة نوح الثانية السابقة للقيامة مباشرة، ولعله طوفان أقوى وأكثر رهبة واختلافا لأن شر هؤلاء فاق شر قوم نوح والذين من بعده بل بلغ تحديهم لذات الله وفسادهم في الأرض ما لم تبلغه أمة من قبل.
لن تجد في كل ذلك إلا سنة إلهية واحدة ثابتة، على اختلافات في بعض التفاصيل، فكل تلك الأمم والشعوب والمدن والقرى بعث الله إليها منذرين ومصحلين ضمن قانون عام يكون اكتماله مع الحبيب المصطفى الذي هو للناس كافة، وعلى ذلك برهان قوله سبحانه: ” وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) (فاطر).
فحيثما ستجد حضارة بشرية وعمرانا بشريا ومدينة من التاريخ فكن على يقين أن الله بعث فيها أنبياء أو رسل أو صالحين وحكماء ربانيين فأنذروهم وحذروهم وبينوا لهم، قبل زوال حضارتهم بتدخل رباني مباشر وبعمل ميداني يقوم به الجيش الإلهي سواء عبر قوة فردية كقوة الصيحة المدمرة والتي تعتبر الأقوى والأعنف لأقوى جنود الله وأعتقد ان ما أصاب بومبي كان من قوة الصيحة التي لها تأثيرات على الأرض كلها وقوة ذبذبة رهيبة أدت لانفجار أدمغة قوم بومبي وانفجار البركان وتحجرهم في أمكنتهم وهم ينظرون إلى السماء ويصرخون وقد أعثر الله عليهم ليكونوا آية وإنذارا بعذاب مماثل أو أشد، فابحث وانظر ترى عجبا رهيبا يمر الناس عليه وهم يلعبون.
أو عبر تشكيلات ملائكية وإسقاط جوي (حجارة من السماء أو صواريخ وسفن فضائية نرجع لذكرها)، ورفع للقرية كلها من الأرض عاليا وقلبها وهي قوى رهيبة وحقيقية ومحيطة بالعالم اليوم وغدا وبالأمس بلا تبديل ولا تعديل، ولو توهم الناس اليوم زوالها (كأنها خافت من الأساطيل والسلاح النووي وأنهاها عصر العولمة) وإن صورتها أفلام كثيرة دون إدراك أن تلك الأفلام تنطوي على رسائل مكنت الحضارة العليا حضارة الأرض الدنيا منها لحكمة ربانية، كما كان من شأن قوم لوط، أو عبر أسلحة ربانية نوعية تستخدم قوة العناصر بتفعيل رباني خاص واستثنائي (الماء في طوفان نوح أو هلاك فرعون، أو الهواء والريح العاتية في خبر عاد). أو عملية جزئية محدودة قوية سريعة كما فعل الله بأصحاب الفيل من خلال فيلق الأبابيل (طير أو ما هو أعظم وتشترك مع عملية قوم لوط في استخدام أسلحة السجيل)، وفي ذلك سر عظيم إذ هو التدخل الأخير للجيش الرباني بشكل مادي مباشر (التدخلات في بعض الغزوات كانت محدودة جدا ولم تكن مباشرة بل مددا من خلف حجاب)، ولن يكون التدخل الموالي إلا بعد شروط بلغناها اليوم بالكامل تقريبا ولي عودة لهذا مفصلا.
وكل ما سبق كان ويكون لعدل الله وحكمته وسنته العظيمة التي لا تبديل لها ولا تحويل، ولا مانع يمنعها ولو تأخرت ألف عام أو ألفي عام في نظر الناظر والمنتظر، والحقيقة أن ذلك ليس تأخيرا بل أجل من الله وحكمة ولك في قوم نوح عبرة وفي هؤلاء أيضا وما هم فيه اليوم، ولكن الوعد ثابت جلي لا مرية فيه، ولك في هذه الآيات برهان وللبرهان تفصيلات كثيرة ومعان عظيمة:
“سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) (الأحزاب).
“اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) (فاطر).
وإنك ترى بجلاء المعاني والاشارات الواضحة، صحيح أن قانون “سنة الله” قانون عام وله تطبيقات لا تحصى تشمل الكونيات والفيزياء والكيمياء وما اتصل بها، وتشمل الانسان في كل تفاصيل تكوينه وحياته، وتشمل ما هو فوق ذلك مما يعلم خاصة الله، ومما لا يحيط به إلا الله، ولكنه في الإشارات القرآنية متصل بشكل مباشر بسنة الله في الحضارات والأمم البشرية، وفيه تصريح وتوضيح أن الأمة التي بعث الله فيها محمدا الكريم نبيا، والأرض كلها التي أهلها جميعا مشمولون بتلك الدعوة، سوف يكون فيها ما كان من شان الأمم السابقة وأكثر: فسادا وطغيانا، وعقابا أيضا، ولكن في أجل متصل بحكمة لها علاقة أساسا ببني إسرائيل ووعد الآخرة الذي يكون بيانه في مقال قادم.
انظر مجددا إلى هذه الآية التي ختمنا بها مقال قوم لوط: ” وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58)”.(الإسراء)
إن الازدهار الذي تشهده الحضارات البشرية ازدهار ملعون مسموم، وكلما بلغت قمته أكثر اقتربت من نهايتها، وكان لابد لهذه الحضارة من أن تبلغ ما بلغت، ولو أصابها العذاب قبل هذا لما وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، ولذلك بلغ الكفر مبلغه، وصار الاستهزاء حتى بالله، إذ عمد الملاحدة إلى عروض سخرية من الخالق لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، بل مس اليأس قلوبا كثيرة وهي ترى صمت السماء على مآسي مثل كربلاء والحرة وفخ وما بعدها، والتي تم فيها التنكيل بمن هم خير من ناقة صالح بل أبناء من هو خير من صالح نفسه مثل الإمام الحسين وآل بيت النبي، وآل الإمام الحسن في فخ (محمد النفس الزكية وأشقاؤه)، أو عبد الله بن الحسن وأبناؤه وأشقاؤه قبل ذلك في سجن بني العباس، وصلب زيد بن علي زين العابدين عاريا شهرا، وتدمير الكعبة، وهتك الحرمات في المدينة وفي مسجد رسول الله في الحرة، وما فعل ابن عبد الوهاب بعد ذلك في المسجد وبالبقيع وكل الآثار النبوية وآثار الصحابة ومقاماتهم وآثار الصالحين، وما فعل الانجليز والاوربيون بالعالم (حروب صليبية، تجارة بأهل افريقيا كعبيد وابادة لهم، إبادة السكان الأصليين لما سمي بأمريكا، تدمير حضارة الصين واليابان والهند ونهب ثرواتها، الحرب العالمية الأولى وأهوالها، والحرب العالمية الثانية وفظائعها، ناكازاكي وهيروشيما والقنبلة الذرية، مجزرة الأرمن وإبادتهم على يد العثمانيين، مجارز فلسطين على أيدي الصهاينة منذ الثمانية وأربعين إلى اليوم، ما حدث في العراق والشام وما يحدث مما أسميته “الحكمة المرة للقضاء والقدر” أي أن لله حكمة من ذلك رغم أن الأمر مرير عسير، وله أجل في كتابه، وصبر حتى يكون ذلك وهو سبحانه الصبور….
فيقول قائلهم: لم يعد هنالك من إله ولا عنده قوة علينا.
ويقول قائلنا: أين الله، وأين وعد الله، ولا نراه إلا بعيدا.
ولكن وعد الله حق وأمر الله قريب. وإن تأملك لهذه الآيات وفق ما بينا لك يكشف أنها لا تعني فقط القيامة بل أمرا لله قبلها ويوم دينونة وحساب في الدنيا قبل يوم الدينونة والحساب بالقيامة والبعث الذي يشير إليه ظاهر الآية، ويسند ذلك آيات العذاب وآيات الوعد والأمر ولنا إلى ذلك عودة: ” سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) (المعارج).
ويتصل الوعد الذي ربطه الله ببني إسرائيل بأشراط الساعة الكبرى، ويتحقق فيه من أمر الله ما يتحقق، ثم يكون بعد ذلك آيات تتالى سريعا نحو الساعة.
وما أعظم الإشارة الزمنية التي جعلها الله في الآيات حول حركة ملائكية واحدة في يوم واحد يحمل نظريات كبرى في علم الزمن والنسبية الزمنية أو ما سميته في بحثي عن علم الزمن بقانون “الشساعة والتوازي الزمني” (يوم بخمسين ألف سنة) لعلمه بأن الأمر سيطول على المُنتظرين وتكون فيه الويلات والفتن، وسيكون له أثر الغرور الكامل على الذين هم مرصودون بذلك العذاب في ذرية محددة ووقت محدد.
إنما كل ما تراه خط من الحكمة التي جعل الله لها موعدا وجعل عليها رجالا قائمين بها، فعصا موسى سابقة له وانتظرته حتى يحملها لتكون سلاحا رهيبا مهيبا يشق البحر ويفجر الصخر ويظهر الآيات العجيبة بقوة أودعها الله في العصا ولكنها متصلة بتلك العصا تحديدا وهي كانت في يد آدم قادما بها من الجنة ولعله استخدمها وانتقلت من يد نبي إلى يد نبي حتى كانت عند شعيب في مدين ثم كانت بيد موسى ولعل لها موعدا أخيرا لأنها بعد في الأرض.
وذات الأمر في الأسلحة السماوية، فهي كما هي من قبل آدم، متطورة برقي الحضارة العلوية والحضارات الملائكية، وقد رسمها وتكلم عنها الانسان من قبل ولئن غلبت عليه الاسطورة وغالبه الوهم ولكن الأصل النقي صحيح صريح (كخبر الأنيومانكي وحضارتهم لدى البابليين القدامي، وصور السفن الفضائية في مغارات ترجع إلى سبعة آلاف سنة (لوح جلجامش بالعراق والذي سرقه الأمريكان وعرضته قناة CNN في برنامج وفيه صور سفن وغواصات، أو الصور البدائية في كهوف كاتالان، وفي مغارات في ليبيا والجزائر عمرها أربعة آلاف سنة، أو الكرات المعدنية المصنوعة بدقة مذهلة من مادة غير أرضية ترجع لملايين السنين وغير هذا كثير جدا.
كل تلك الأسلحة سيكون لها أوان يوم يبلغ البشر مبلغا يكون لهم فيه ما يحاكي تلك الأسلحة، فنظام المحاكاة أيضا سنة ويقوم على قاعدة بسيطة في أصلها ومعقدة في تحققها: يجعل الله سلاحا ربانيا قديما ويخفيه في انتظار الإنسان الموعود والمنتظر لحمله وإظهار آيته بين الناس، ويمنح الله قبل ذلك شيئا يحاكي ما أخفاه، حتى يكون للناس سابقة علم، ثم يظهر آيته في الوقت المحدد.
ومثال ذلك عصا موسى وهي كما بينا قديمة وكانت تنتظر منتظرها وهو النبي موسى عليه السلام، ولكن الله منح سحرة فرعون نظام محاكاة يُبدي عبر التخييل أن العصي والحبال تتحول إلى أفاع تسعى، لأن الناس لو لم يروا ذلك لما كان لآية العصا من معنى، ولما كان هنالك من تحد وإظهار آية، وحين ألقوا ما ألقوا ونادوا بعزة فرعون، أظهر الله آيته الحقيقية فعرفها أكثر الناس علما بسر نظام المحاكاة، فآمنوا وسلّموا.
نفس المشهد يتكرر: الأسلحة الربانية قديمة وعليها أدلة لا تحصى في التاريخ البشري واليوم أكثر ويخفون ذلك ويسربون عبر بعض الأفلام فقط. وللذكر لا للحصر بلغ عدد الشاهدين بالتوثيق فيديو وصور على السفن الفضائية في تقرير الأمم المتحدة لسنة 2005 أكثر من مائة مليون شاهد، ولكن قوة الصهاينة والبنتاغون تروج أنها أساطير، هذا مع ما حدث في مكسيكو وصورته وزارة الدفاع وما صورته وزارة الدفاع الايطالية في التسعينات والروسية أيضا وكذلك ظاهرة الفينيكس الشهيرة في الولايات المتحدة. وكذلك تشكيل السفن الذي عبر روسيا والولايات المتحدة أثناء أزمة الصواريخ الكوبية في فترة حكم كينيدي، وظواهر الرموز في مزارع المكسيك.
وكل ذلك يتم العمل على تكذيبه، والاشارة بشكل خبيث الى اتصال الولايات المتحدة بتلك الحضارات (التي لا تؤمن بالله وجاءت الارض صدفة تكتشف) وعن وجود القطاع 51 وفيه ما فيه من تكنولوجيا فضائية تستخدمها الولايات المتحدة، وقد خدعوا الناس بتلفيقات مثل حادثة روزفيل والفضائي القبيح الشكل والميت في سفينة سقطت (نوع من يوم الزينة وسحر أعين الناس فعل فرعون)، وصوروا شكله وروجوا له في الفيلم الشهير ET، فجعلوا منه كائنا قبيحا ضعيفا غبيا عاجزا، ثم تطور نظام الصورة حتى وصل إلى TRANFORMERS ولكنهم على قوتهم الهائلة قسمان: قسم خاضع للولايات المتحدة عميل لها، وقسم يريد تدمير الكوكب. مع إضافة أفلام عن الأبطال الخارقين وتطور تقنيات التصوير والتصميم الثلاثي إلى درجات مذهلة واشتراك تلك الأفلام خاصة ما تقدمه مؤسسة DC ومؤسسة Marvel في السنوات الأخيرة.
وليست هذه مجرد أفلام ولا ميزانياتها الخرافية من باب العبث. إنهم يعلمون تدقيقا وتحقيقا سواء في التوراة بنسختها الآرامية الأصلية خاصة تلك التي سرقوها سنة 2003 من مدينة نمرود أو تلك التي احتفظ بها بعض حاخامات بني إسرائيل وفيها: يمكث بنو إسرائيل في فلسطين ستا وسبعين عاما ثم يصيبهم الهلاك”. ويعلمون من خلال ما في بعض نسخ الانجيل وبعض النبوءات كنوسترا آدموس وبعض أهل الكشف من المسيحيين الصادقين كالأب شربل. وكذلك من خلال ما وثقوه وما عاينوه من مسائل الظواهر التي تسمى خارقة كمثلث برمودا وأسراره والقطب الجنوبي وما يحويه، والكثير من الأمور الأخرى المتعلقة بحضارات راقية وقوية وغير معروفة تكلمت عنها البشرية في تاريخها وتم تصوير نماذج من سفنها وقدراتها وهنالك تسجيلات فيديو لطيارين كثر في الحرب العالمية الثانية وفي الحرب الباردة وتسجيلات لوزارات دفاع ولمواطنين عاديين، بل استقال بعض مهندسي ورواد وكالة الفضاء الأمريكية اعتراضا على تكتم الوكالة على ما عاينوه بأنفسهم، وتم بث ذلك في برامج تلفزية عديدة….
إن الجامع بين كل ذلك هو أن نظام المحاكاة كان في هذه الحضارة أعظم من نموذج سحرة فرعون، ولك أن تتخيل إن كانت كل هذه العلوم والتي اكتشفت في معظمها “صدفة”، ولا وجود في حكمة الله لصدفة، إن كان كل ما تراه من أساطيل وتكنولوجيا ومنظومات انترنت وأسلحة نووية وسواها مجرد نظام محاكاة، فكيف سيكون الأصلي.
وما خيال السينما مهما بلغ إلا محاكاة أيضا، فما عند الله أعظم، ونحن لا نربط الأمر حصرا بما يسمى بالسفن الفضائية، ولا بالسينما، ولكني أرى أن تلك الأفلام نوع متطور لرؤيا الملك في قصة نبي الله يوسف، فهي رؤيا تقوم على الرؤية، وسأفصلها في مقالي عن ما سميته “نظرية اكتمال الصورة”، كما لا أشك أن كل ذلك رسائل علوية سيكون تحققها أعظم وأقوى وأشد هيبة مما تصوره السينما ويبلغه خيال البشر، ومن كل ما تم توثيقه من السفن الفضائية والظواهر الخارقة التي ليست سوى تعبيرات عن حضارات السماء العلوية التي تخضع لسلطان الله طاعة ومعرفة وهي من طبع ملائكي وعلوي، ومن المحال أن تكون حضارات تتصرف من تلقاء نفسها وتكتشف الأرض كما يدعون.
والله سبحانه وتعالى ألمح إلى أنه سيجعل آية سماوية تخضع لها رقاب البشر جميعا: “إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) (الشعراء).
مع وجود إشارات أخرى كثيرة لها تأولياتها ومعانيها وأسرارها كالدخان ويأجوج ومأجوج ودابة الأرض مما سنحاول سبر أغوراه في مقالات لاحقة وإن كنت أوجزت عن ذلك مع بعض التفصيل في موسوعتي “البرهان”.
ويمكن تصوير وتصميم آلاف الأفلام بناء على هذه الآية وسر تلك “الآية” التي أشار إليها الله سبحانه، وفي الختام ستكون آية الله أعظم وأكثر روعة وإبهارا وقوة، فهل تظن الله اليوم غفل عن ذلك؟
” وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) (إبراهيم)
وكما بينت فإن اليوم الذي تشخص فيه الأبصار تعبير عن يومين: يوم دينونة، ويوم قيامة وبعث وحساب، ويوم الدينونة ارتبط برجوع السيد المسيح وله ذكر لدى المسيحيين واليهود ونصوصا كثيرة في الإنجيل والتوراة)، ولكنه له ذكر أيضا في القرآن (إشارة ضمن الوعد والأمر كما سيأتي البيان في مقالات قادمة)، وكذلك في السنة النبوية. وإن تأخر ذلك اليوم في نظر من ينتظره جيلا بعد جيل ويعاني المأساة تلو المأساة، أو في نظر من يستمر في الطغيان والفساد جيلا بعد جيل ويزداد كل مرة استهزاء وعنادا وطغيانا، لا يعني أبدا انتفاء ذلك اليوم، بل هو اليوم أقرب ما يكون، جعله الله في جيل محدد ووقت محدد في ارتباط بشروط دقيقة.
“وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8) (هود)
وإن كل المؤشرات تفيد بأن حدوث ذلك قريب لبلوغ البشر اليوم نقطة القمة في لعنة الازدهار. وما تسارع الاكتشافات في قرنين فقط بشكل غير مسبوق إلا دليل على اقتراب الموعد. وأن تراهم اليوم لا يتحدون جبريل أو ميكال، بل الله في ذاته. والرد لن يكون إلا ربانيا، ولكن بيد مخلص ادخره الله لهذه المهمة الختامية، والذي ذكرته كل أمم الأرض السابقة (تجد له ذكرا لدى الهندوس والبوذيين وحضارة المايا التي اهتمت بأشراط الساعة ولدى الفراعنة والأمم الأخرى وفي الكتب السماوية أيضا مع إشارات قرآنية اتصلت ببني إسرائيل ووعد الآخرة، وحدد النبي الخاتم كنيته بالمهدي وقال أنه من ولده.
إن لعنة الازدهار حقيقة، ولن يكون مصيرها سوى عقاب رباني ماحق، ولكن يجعل الله دون ذلك حججا وبراهين ومشاهد وشواهد، حتى يكون الدليل قاطعا، وحتى يتم إثبات الجريمة قبل تنفيذ الحكم (من ذلك نحر ناقة صالح أو حضور قادة الملائكة بذواتهم في منزل لوط)، كي لا تكون شبهة ولا يجدون محيصا أثناء العذاب أو يوم الحساب، قضاء من الله لأمر قد سطّره من قبل ولحكمة هو أعلم بها: “وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) (الأنفال).

حين يحكم المترفون ويكونون أكابر بلد ما وحضارة ما، وهو الساري طبعا، وحين يستحوذ المجرمون على مقاليد الحكم والاقتصاد وحتى الديانة بابتكار دين وابتداع آلهة أو بإفساد حقيقة الدين السماوي وتشويهه وتزييفه، ولا يكون لتلك الشرذمة من المترفين والمجرمين من هم سوى مزيد الترف، ومزيد اللذة، ومزيد الفساد، مع الظلم والطغيان واستصعاف الفقراء، وتنتشر الأوبئة الأخلاقية الفتاكة التي تستجلب عقاب الله، في بابين كبيرين:
*طغيان في البلاد.
*وإكثار من الفساد.
وهو نسق متكرر ويتكرر، مما يعني ان اللازمة المتصلة به وهي عقاب الله كما تكررت سوف تتكرر.
إن درس حضارة إرم ذات العماد والحضارات التي كانت قبلها وبعدها درس عميق عظيم نحن معنيون به بشكل مباشر، ولم يكن القصص القرآني لمجرد السرد والحكاية، بل هو إخبار عن أمر قادم في تفصيل أمر مضى وتم، فأعد قراءة خبر قوم هود، وكيف جادلهم نبي الله فكذبوه حتى ضربهم الله بريح صرصر لا تبقي ولا تذر.
وتأمل كيف بلغت حضارة إرم ما لم تبلغه حضارة قبلها أو ربما المعنى حضارة في عصرها، ولعل لها صلة بأطلنتس أو لعل أطلنتس كانت بعدها وبلغت ما بلغت أيضا من ازدهار وقوة ثم أرسل الله إليها نبيا أو أنبياء ثم أهلكهم بقوة من أحد جنوده القاهرين.
وهم في عنادهم وغرورهم بحضارتهم “الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ” شأن هذه الحضارة أيضا، قالوا قول أهل زمانك ” من أشد منا قوة”:
” فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ” (فصلت). فذلك وهم يورثه الازدهار حين يعمي البصائر والأبصار ويرى فرعون الأنهار تجري من تحته أو يرى قوم عاد جنودهم وقواهم أو يرى حاكم العالم اليوم أساطيله وقنابله التي يمكن أن تدمر الكوكب كله فيقول من أشد مني قوة، ليكون الرد الرباني قاصما ناسفا مدمرا لتلك الأوهام محطم لذلك الغرور.
“أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (16) (فصلت)
إن آيات أخبار الأمم السابقة في القرآن الكريم تتكلم عن نموذج يسري بسنة الله ويستمر، فلماذا تظن أن ذلك انقطع اليوم؟
هل تظن الخالق قد أعجزه بعض ما خلق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وإن دليل استمرار النموذج يرتبط بقسمين: قسم في الحضارة ووباء ازدهارها والآفات التي فيها، وقسم في الرد الإلهي الذي يختفي حتى اكتمال الأشراط: ألست ترى قوم لوط اليوم أطغى من قوم لوط الأوائل وشذوذهم وانحرافهم أحقر وأكثر جرأة وناديهم في كل مكان من العالم وعلنا على مرأى ومسمع ويدخل كل بيت ليفسده وكل عقل ليلوثه وكل نفس ليسممها.
الست ترى فرعون ينادي أنه رب الناس الأعلى، ويسوم المستضعفين سوء العذاب يذبح الأولاد ويستحيي النساء.
ألست ترى نحر الناقة كل يوم وكل لحظة في الشام واليمن وأرض الله ظلما وعدوانا.
ألست ترى عبث قوم شعيب وغطرستهم ورباهم وفساد اقتصادهم.
الا ترى ثمود وعاد وكل أهل الفساد اجتمعوا في عصر واحد.
إذا أيقن أن القسم الثاني سيكون يجمع عذابات من سبق وزيادة أكثر إذهالا وظهورا لكل أهل الكوكب.
إنك حين تنظر لمجرمي إرم ومترفيها في الأرض اليوم تراهم ا كما كان الإرميون السابقون وأهل الأمم الفاسقون: في غطرسة المستكبر الذي لا يراعي لله هيبة أو وقارا كقول نبي الله نوح لقومه: ” مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)” (نوح).
وتلك أيضا ذات عماد أخرى صبر الله عليها طويلا ودعاهم نبيهم ألف عام تقريبا: ” وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) (العنكبوت).
وكان ذلك في اعتقادي على طول أعمار عندهم فلو تعاقبت الاجيال واستثني نوح لكان ذلك له معجزة فآمن به اللاحقون ولو كفر السابقون، ومن كانت تلك أعمارهم فكيف يكون معمارهم وما تبلغ حضارتهم ومعارفهم وهم الأقرب إلى علم شيث وآدم وهو علم متصل بحضارة السماء العظيمة.
ولو نظرنا إلى عمر نوح لرأينا عمر الحضارة ما بعد البعثة المحمدية، ولو نظرنا إلى زمن صناعة السفينة لرأينا زمن الثورة العلمية المتسارعة قبل الطوفان بميقات قصير.
فتأمل ودقق وأعد القراءة وارجع إلى كتاب الله مرارا، ثم افهم بالربط الدقيق والنظر العميق، وليكن لك تدبر وفق ما بينت لك سابقا في هذه الآيات، عبر إخراجها من سياق أنها مجرد أخبار من الماضي وليس لها وقع ولا أثر ولا دلالة في المستقبل، فذلك فهم سقيم ونظر عقيم.
واعلم أن الله هو الله، الجبار القوي، وأنه بالمرصاد، وسنته ثابتة، وحجته غالبة، وقدره سيتم، وكتابه سيبلغ أجله، ولو أعدت قراءة القرآن كله وفق هذا لمس قلبك الرعب من الرسائل المبطنة فيه والتي حال بينك وبينها ما حال وذلك خبر مرير طويل.
تأمل يرحمك الله واسأل الله أن يجعلك من الناجين يوم يهلك الظالمين. ثم انظر سر قسم الله ولماذا أقسم، هل فقط لتبيان ما قد تم وحصل، أم قسما لما سيتم ويحصل ولو بعد حين هو قصير مهما بدا لنا طويلا مديدا.
بسم الله الرحمن الرحيم
“وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) (الفجر).

سوسة
20/08/2018 10:58