3 دقائق للقراءة
بعد شكر رئيس الجمهورية على تفعيل حرب حقيقية ضد المخدرات، وبعد التحية لقوات الامن التونسي على العمليات الناجحة والتي تم فيها تفكيك عدد من شبكات التجارة بتلك الافة المدمرة والعثور على ملايين الحبوب التي تسبب الهلوسة والاجرام مع كميات مخدرات مختلفة.
فإني أنوه إلى أني اعتقد وفق معطيات قمت بتجميعها منذ فترة أن الأمر يتجاوز التجارة والتهريب إلى نوع من الارهاب التكتيكي الذي بهدف إلى تدمير بنيوي للمجتمع التونسي وإصابة قوة الشباب بالشلل ونشر الفساد والجريمة ونخر المجتمع من الداخل.
فالعثور على دفعات مهربة تصل إلى 12 مليون حبة مخدرة ومهلوسة مع اطنان من القنب الهندي وأنواع من المخدرات الخطيرة والملوثة، كل ذلك يتجاوز عمل المافيا والكارتلات الى عمل اجهزة مخابرات لغايات تدميرية.
مع العلم ان مخدرات مثل الكبتاغون وهي حبوب هلوسة لديها تحفيز رهيب للقدرات القتالية والاجرامية كانت أساس تنظيم داعش والإرهاب الذي عانى منه قسم كبير من العالم العربي.
وكي أقدم صورة أوضح عن الاستخدام التكتيكي للمخدرات ثم استراتيجيات تدمير الدول والشعوب، فلا يمكن أن أجد افضل من أمر ذكرته مرات كثيرة في محاضراتي: حرب الأفيون التي سنتها بريطانيا لفرضه على الصين.
هذه ورقة علمية مختصرة، والفيديو كذلك مهم للتوضيح.
وأرجو فهم الإشارة، مع الاختلافات الهيكلية والبنيوية والاستراتيجية بين ذلك وما يدبر لتونس، ولكن الجوهر واحد.
حرب الأفيون هي سلسلة صراعات وقعت في القرن التاسع عشر بين و بسبب تجارة الأفيون التي كانت بريطانيا تفرضها على الصين رغم رفضها. اندلعت الحرب الأولى (1839–1842) بعد أن حاولت الصين إيقاف تهريب الأفيون، فانتهت بهزيمتها وتوقيع معاهدة نانكين التي منحت بريطانيا امتيازات واسعة، منها فتح الموانئ والتنازل عن هونغ كونغ. ثم جاءت الحرب الثانية (1856–1860) لتزيد من نفوذ القوى الغربية داخل الصين، مما أدى إلى إضعاف سيادتها وفتح أسواقها بالقوة، وتُعد هذه الحروب مثالًا بارزًا على الاستعمار الاقتصادي والعسكري في التاريخ الحديث.
الأسباب: ترجع أسباب حرب الأفيون أساسًا إلى رغبة المملكة المتحدة في موازنة عجزها التجاري مع الصين، حيث كانت تستورد الشاي والحرير مقابل الفضة. لجأت بريطانيا إلى تهريب الأفيون من الهند إلى الصين، مما أدى إلى انتشار الإدمان وانهيار اجتماعي واقتصادي. عندما قررت الصين، بقيادة المفوض لين تسه شيو، حظر الأفيون ومصادرته، اعتبرت بريطانيا ذلك تهديدًا لمصالحها التجارية، فاندلعت الحرب.
عدد الضحايا: لا توجد أرقام دقيقة، لكن يُقدَّر أن عشرات الآلاف من الجنود الصينيين قُتلوا في الحربين، مقابل خسائر أقل بكثير للبريطانيين بسبب تفوقهم العسكري والتكنولوجي. كما أن الملايين من الصينيين تضرروا بشكل غير مباشر بسبب انتشار الإدمان، الذي يُعد أحد أخطر نتائج هذه الحروب.
تدمير القصر الصيني:
في عام 1860، خلال الحرب الثانية، قامت القوات البريطانية والفرنسية بتدمير وإحراق قصر يوانمينغيوان (القصر الصيفي القديم في بكين)، وهو أحد أعظم المعالم الإمبراطورية الصينية، وكان يضم كنوزًا فنية وثقافية هائلة. جاء ذلك كعمل انتقامي بعد اعتقال وتعذيب مبعوثين أوروبيين، لكن التدمير اعتُبر جريمة ثقافية كبرى، ولا يزال رمزًا للإذلال التاريخي الذي تعرضت له الصين في تلك الفترة.
لا يوجد رقم دقيق موثّق لعدد ضحايا الأفيون في الصين خلال القرن التاسع عشر، لكن التقديرات التاريخية تعطي صورة صادمة:
يُقدَّر عدد المدمنين في ذروة الأزمة (منتصف القرن 19) بين 10 إلى 12 مليون شخص، وبعض التقديرات ترفع الرقم إلى 20 مليونًا.
نسبة الوفيات المباشرة بسبب الإدمان غير محسومة، لكن يُرجَّح أن ملايين الصينيين ماتوا بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة الأفيون (أمراض، فقر، انهيار صحي).
إضافة إلى ذلك، تضرر عشرات الملايين اجتماعيًا واقتصاديًا (تفكك أسر، إفلاس، انخفاض الإنتاج).
بمعنى أدق: الأفيون لم يكن مجرد سبب وفيات، بل كارثة حضارية شاملة أضعفت المجتمع الصيني، واستُخدم كأداة لإخضاعه اقتصاديًا وسياسيًا.