موسوعة البرهان، الجزء الأول (3): مقدمة في العلم والقرآن

10 دقائق للقراءة

الحمد لله الذي علم الإنسان أجود العلم وأجمله..وأرقى الأدب وأكمله..وأرق الكلام وأفضله.. وأعذب البيان وأجزله…
والصلاة والسلام على نبي الهدى، ونور المدى، المبعوث بالحق والخير واليقين، وعلى صحبه المجتبين وآله الطاهرين ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
العلم نور الله، والله نور السماوات والأرض، والعلم ما بين السموات والأرض نظم وقوانين، وما فوقهما إحاطة ربانية وسر إلهي تفرد به يلتمس منه مخلوقوه قليلا قليلا…وهو سبحانه يعلّم من يشاء ويهدي بالعلم من يشاء ويفتن به من يشاء.
والعلم الذي مكن الله للإنسان نظم وفنون، لم تُجعل في الأصل إلا للرقي بهذا الإنسان ومنحه قدرة أكبر على فهم ذاته والتفاعل مع الحياة والكون وفعل الأفضل والأحسن، وكل ذلك لم يجعل إلا طريقا إلى الله ومنهاجا إلى الإيمان به وصراطا للاستقامة والتقوى، وهو تاج العلماء الحقيقيين، العلماء الربانيين، الذين شرفهم الله سبحانه بهذه الآية العظيمة: ” شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)”
والذين ذكر الله عز وجل سيماهم وسمتهم وخشيتهم له في آية عظيمة: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28)”
والقرآن كتاب الله، كتاب نزله على عبده ليكون هاديا للناس ورحمة للعالمين بشيرا ونذيرا: ” تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)”
كتاب عظيم، فيه من القصص أحسنه، ومن العلم أجلّه، وفي من كل مثل وموعظة، وفيه هدي وتشريع…فهو كتاب يهدي للتي هي أحسن وأقوم ويبشر بالخير والأجر الكبير المؤمنين بالله والعاملين الصالحات الفاعلين للخير:” إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)”
كتاب للعبر والمواعظ عبر أحسن القصص: ” نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ (3)”
كتاب للتأمل والتفكر، فيه تصريفات وضروب لكل مثل لعل الإنسان يتذكر ويعتبر: “وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)”
” وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27)”
فهو كتاب فيه منطق وحجج وأدلة وبراهين، ونظم وقوانين، يحتاج تفكرا وتدبرا، ولقد دعا الله لتدبر القرآن: ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)”
لكن السؤال هنا بين ضفتي العلم والقرآن: هل هذا التدبر عام أم خاص؟؟
أي هل كل قارئ للقرآن عليه أن يتدبره، وهب أنه فعل وكان ذا عقل راجح وفهم جيد وذوق حسن، ثم استلهم واستنبط وكتب، فماذا نقول له وماذا نقول عنه؟؟
طبيعي أن كل قارئ لديه لب وقلب وإيمان عليه أن يتدبر القرآن، إلا من ختم الله على قلبه:” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)”
ولكن ما يخص التأمل والاستنباط العلمي، فستكون الإجابة عند بعضهم اليوم هي الآتية: “إن كان من السلف الصالح فيؤخذ منه”. وإن كان من أهل هذا الزمان، فهل أجرم!!
إن الملاحظ لدى بعضهم أنهم يريدون الرجوع بالزمان قهرا أو توهما إلى الخلف، في المظهر، وفي الأسلوب، وفي المنطق العام، رافضين هذا الزمن وأهله، مكفرين أكثر الناس، وناظرين بازدراء للأجيال الجديدة، لا يعجبهم بحث باحث، ولا تدبر متدبر، بل الأمر إتباع أعمى وتقليد مريض، مازجين الغث بالسمين، والصالح بالطالح، والعلماء الربانيين بأدعياء العلم، حاصرين كل شيء في فهمهم وفهم من يأخذون العلم منهم اجترارا بالوراثة، مجمدين العقول وحاجرين الفكر، فكأن قائلهم: “لا يحق لأحد بعد السلف أن يتأمل في كتاب الله أو يفسره أو يربطه بأي علم لم يربطه السابقون به!”
من أراد أن ينكر ما لسلف الأمة الصالح من فضل وخير فهو دعي كذاب، وشقي مرتاب، ومنبت تقطعت دونه الأسباب.
ومن أراد أيضا أن يلغي كل الأجيال ويبقي جيلا أو جيلين فقط، أو يحجر العلم في زمن دون سواه، ويجعل القرآن وعلومه حكرا على فئة من أهل الإيمان والفهم دون أخرى، فهو إما جاهل أحمق أو دجال فاسد أو عدو للأمة ودينها ولرقيها وتطورها وحياتها التاريخية الممتدة في الماضي والحاضر والمستقبل، فهو ببساطة يريد قتل الأمة وتجميد دينها في مظهر متوهَّم وشكل متجمِّد وقالب جامد، فيكون التركيز على الخلقة لا على الخلق، وخاصة في دعواهم عن إتباع النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ويكون التركيز على الأحكام لا على الإحكام..وهو مبحث أرجع اليه لاحقا، ويكون التركيز على الموت لا على الحياة، فتمتلئ الخطب كلاما عن عذاب القبر وعن ملاحم في الغيب أكثرها تهويم من إسرائيليات بائسة لا علاقة لها بالقرآن والسنة وكأنّ همَّ المؤمن أن يعيش الخوف من عقارب في القبر كالجمال لا أن يعي أن عقارب الزمن تحصي حياته وأن عليه أن يكون قمة في الذوق والجمال وفي القيم والخصال وفي القول والفعال وأن يحاول أن يكون الأفضل في كل مجال، وأن رسالته تعمير الأرض والرقي بالإنسان وفهم الكون بالعلم والإيمان لأن ذلك يحقق تعبده الحقيقي لله الذي من أجله خلقه، فذلك شأن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم السلام وأتباعهم وتلاميذهم وأصحابه وآله وصالحي أتباعهم رضي الله عنهم.
كل من حصر علوم القرآن في فترة وقلة ولم يقبل سوى ذلك عدو للقرآن وروح القرآن، لأن القران العظيم مصلح لكل زمان ومكان، ولا أحب كلمة “صالح لكل زمان ومكان” وكأنه مرتهن بمدة صلاحية وخاضع لفاعلية الزمان والمكان وهو تنزّل من فوق كل ذلك، ولكنه فاعل في الزمان والمكان، كل زمان وكل مكان، وعلى كل أهل زمان ومكان تدبره والتفكر فيه وبه، آخذين بما سبق متأملين وفق ما مكنهم الله منه في ذلك الكتاب، فعلوم القرآن لا حد لها ولا حصر، بين النبي عليه الصلاة والسلام منها وفسر وشرح، وكتم الكثير مما علمه ربه وهو أمر معلوم بالوعي بمكانته عند الله وبكونه نبيه، وخص بعض أصحابه دون بعض بأسرار وعلوم، ثم بين أصحابه وآل بيته وأتباعهم ضمن سلالة طويلة من العلماء من تلك العلوم الكثير والكثير، ولكن أحدا من أهل العلم الرباني الحقيقيين لم يقل أنه أحاط بكل العلم أو حجره فيه أو في زمنه، لم يفعل ذلك النبي نفسه فكيف يفعله سواه، وهو الداعي بدعوة ربه إلى التأمل في كتاب الله والاغتنام منه فسماه مأدبة الله.
ولكي أوضح رؤيتي في هذا الشأن فإني سأبين مفهومين أساسيين في نظري في علوم القرآن، يضافان إلى علوم كثيرة أخرى فيها الغيبي وفيها المشاهد وفيها القديم والسرمدي والأبدي والمستقبلي وفيها عن البعث والجنة والنار وعن الجن والملائكة وغير ذلك:

  • 1*علوم المعنى: أعني بعلوم المعنى ما كان مرتبطا بالمعاني والقيم، وبالعلاقة بين العبد وربه ومعانيها، وبالعبادات وما تعنيه، وبقصص لها معان ومدلولات، وهذه العلوم كان للسلف سبق فيها وقطعوا شوطا كبيرا مستندين إلى النص القرآني من جهة والبيان المحمدي من جهة ثانية وقد نهل الفقهاء وعلماء العقيدة والتشريع من ذلك كما نهل المهتمون بالصقل والتهذيب والقيم القرآنية…وهي علوم بمكن فهمها بالنظر والاستنباط لارتباطها بعوالم معنوية تحتاج فهما ونظرا وتعمقا ووعيا، مع التوقف ضمن ما يخص علوم المعنى الخاصة بالله سبحانه على الصفات وفهمها دون النظر في الذات بل أخذ الآيات بتأويل لمعناها ينأى عن الحدود المادية للفهم وعن التصور الظني له، فعلوم المعنى في القرآن كثيرة جدا، ولا حصر لها، وكل ما بينه السلف منها يمكن البناء عليه بعد دراسته وفهمه لمزيد الإثراء بما يتماشى مع تطورات الإنسان وأسئلته وقضاياه دون القطع مع السابق ودون قطع اللاحق ومنعه من مجرد النظر، إذا هذا الجانب يمكن إثراؤه عبر التأمل في علوم كثيرة وهو ما حاولت القيام بجانب منه.
    *2* علوم التكوين:أعني بعلوم التكوين ما تعلق بالتكوينات للكون عامة والإنسان خاصة والعوالم من حوله، وبأسرار كثيرة جدا لم يكن للسلف علم بأكثرها، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراه الله سبحانه ما لا يمكن لعقل تصوره من أسرار العوالم، ولكن الذين تدبروا القرآن بمقدورات عقولهم ومقدّرات عصورهم لم يفهموا الكثير من المسائل لأن الإنسان في تلك الفترات كان لا يعلم حقيقة المجرات مثلا والكثير من أسرار الآفاق والأنفس، وعليه فعلوم التكوين تنقسم أساسا إلى علوم الآفاق وعلوم النفس أو الذات البشرية، ومن علوم الآفاق علم الكون، ومنه علوم الأبعاد والعوالم، ومنه علوم الأرض، ومنه علم الذرة، ومنه علم ما هو أدنى وما هو أكبر، فيكون مجال للفيزياء بأبعادها، بـ”الماكرو” و”الميكرو”. أما علوم الأنفس فليس فقط علم النفس بل ما في الذات البشرية كلها فمن ذلك علوم الذات الإنسانية ونظمها وأسرار الجسد والعقل والنفس والخلايا ومجالات للطب والفيزيونوميا وصولا لأسرار الحمض النووي وعلم الجينات الوراثية وغير ذلك كثير…
    صحيح أن القرآن ليس كتاب قواعد فيما ذكرت من علوم، ولكن الآيات التي تتحدث عن التكوين كثيرة جدا، وفيها علم حقيقي يزكي ما اكتشف الإنسان، وليس الأمر متعلقا في نظري بإثبات أن القرآن من الله عبر تتبع آيات الإعجاز العلمي، لأن القرآن غني عن داعم خارجي فحجته فيه، ولكنه متعلق بقارئ القرآن كي يطمئن قلبه أكثر وكي يفعّل عقله ويعمل نظره ويجد نفسه وزمنه ويرى جانبا من عظمة كتاب الله في علوم التكوين وهو يطور فهمه لقوله تعالى مثلا: “وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5)” ، عبر النظر فيما صور الكون العجيبة التي التقطها مرصد “هابل” مثلا…
    ولأن البشر زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانوا لا يعلمون من هذا إلا القليل المختلط بالأسطوري، فقد جاء التحدي الإلهي واضحا جليا ضمن ما بينت من تقسيمات فقال سبحانه وتعالى: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)”
    فالتحدي في مجالين هما الآفاق والأنفس، ولعمري إن أهم اكتشافات الإنسان منذ بداية ثورته العلمية وخاصة في هذا العصر فهي في الآفاق وفي الأنفس، فما أكثر ما اكتشفه الإنسان في الكون والأرض، وما أكثر ما اكتشفه في ذاته، والأمر مؤداه الرباني واضح جلي: ” حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ” وبضمانة ربانية لذلك قال سبحانه “أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” فهو محيط بكل شيء رقيب لتحقق غاية الرؤية وهي تبين الحق، وحين تربط هذه الآية بآية أخرى تحمل ضمانة الله الشهيد وهي قوله سبحانه: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)”
    تيسر لك فهم مؤدى تبين الحق وتسنى لك استشراف المستقبل البشري في علاقته بالدين الإسلامي.
    فعل الرؤية مرتبط بالله سبحانه، ضمن الآفاق والأنفس، وهما الركيزتان الأساسيتان لعلوم التكوين، وحين ننظر في التاريخ العلمي وبداية تحقق تلك الآيات نتوقف عند “كوبرنيكوس” الذي حطّم جملة من القوالب الجامدة والعقائد الدوغمائية في فهم الكون من قبل الكنيسة، فالكنيسة اعتبرت مثلا أن مجرة درب التبانة مجرد خط من الضوء، وأن الأرض ثابتة منبسطة وهي مركز الكون والعوالم ، الأمر الذي فنده “كوبرنيكوس” بين القرنين الخامس والسادس عشر بنظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرم يدور حولها وبحقيقة مجرة ترب التبانة وغير ذلك مشجعا علماء الفلك على تحطيم ما تبقى من قوالب والبحث العميق الشجاع في علم الفلك وحقائقه.
    وأزمة الكنيسة تلك هي أزمة الذين ظنوا أنهم بفهم لعلوم المعنى في النصوص المقدسة قد فهموا علوم التكوين، مع ما أضافوه لعلوم التكوين تلك من تفسيرات عقيمة وتصورات سقيمة ضمن الوضع والدس، وهنا تسرب الوهم المدنس في النص السماوي المقدس، ليعتبر الوهم بعد ذلك مقدسا، وهنا ننظر في تفسيرات كثيرة للسلف تجد فيها أن الأرض على قرن ثور مثلا، وكذلك حول كون النجوم معلقة بالسلاسل، وصولا لأساطير أخرى وتفسيرات كثيرة، مثل هاروت وماروت وكونهما ملكان نزلا الأرض وعشقا امرأة اسمها زهرة ثم عوقبا بالسجن في آبار بابل وتعليم السحر وتحولت تلك المرأة إلى كوكب الزهرة وبقيت معلقة، وغير ذلك مما سأرجع إليه في سياقه، وامتلأت الكتب بالخرافات، والفهوم الخاطئة للكون والمكونات. رغم أن من تجني التاريخ العلمي محاولة إغفال أن علماء مسلمين سبقوا كوبرنيكوس وجهابذة العلم الغربي في حقائق عن الكون والإنسان.
    الكنيسة رفضت كل فهم يحطم فهمها المزيف لعلوم التكوين، أو يبين التزييف والوضع والدس في الكتب المقدسة، وحين صدح غاليلي قائلا أن الأرض تدور، بعد اختراعه للمرقب الفلكي(التلسكوب) عام 1609 ميلادية ، وقع قتله ثم اعتذرت الكنيسة إليه بعد قرون، حين تبين بما لا يقبل الشك والدحض..أن الأرض فعلا تدور..
    تطور علم الفلك، وما أسهم فيه العلماء المسلمون، ثم ما كان لاختراع المرقب والمرصد والمجهر من أثر في فهم الكون والجزئيات، غير الكثير من الفهم العلمي لدى الإنسان، وأثبت ويثبت كل يوم حقيقة صدق التحدي الإلهي في آية الآفاق والأنفس ووضوح الرؤية، والغاية الحق، بتقدير إلهي مسبق، مكن لإنسان اليوم ما لم يتسن لإنسان قبله بتمكين من الله لكل البشر فمن فعل به خيرا كان له ومن فعل به شرا كان عليه، فالإبداع ليس بدعة والاختراع ليس فتنة والتطور ليس نقمة والزمن يسير للأمام ولا يرجع للخلف أبدا، الحكمة في التأقلم والتفاعل والفعل في الحاضر والمستقبل لا في الهروب لزمن ماض، مع كل التبجيل والتقدير لصالحي أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولكل الصالحين منذ آدم عليه السلام.
    كتابي “البرهان…تأملات في العلم والقرآن” قراءة في علوم المعنى وعلوم التكوين ضمن ارتباطها بالقرآن الكريم، ضمن قسمين علميين:
  • قسم من علوم موجودة قمت بدراستها وفهمها قدر ما مكن لي الله ثم استلهمت من القرآن في ربط يبحث عن وجودها فيه وفي تطوير مفهومي لتلك العلوم بشكل مختزل.
    *وقسم مبتكر كليا، لعلوم استلهمتها عبر النظر في كتاب الله وعبر تأمل مفاهيم مفردة مثل الحجة لأصوغ منها “علم الحجة”، وفيه قوانين مستلهمة مستجدة ونظر جديد أثبت به حقي كمسلم من هذا العصر في النظر والتأمل والاستنباط.
    والكتاب دعوة للتأمل والتدبر، رحلة في ما أسميته علوم المعنى لأصل بعد ذلك إلى علوم التكوين ومسائل أخرى، وأنا على يقين أن ضوء المشكاة التي أرى بها كل هذا المدى العلمي الشاسع ومداد الأقلام التي أكتب بها هذه البحوث وشراع السفينة التي أبحر بها في محيطات القرآن الشاسعة و بحار العلم الزاخرة، أن كل ذلك منحة من الله وفضل من لدنه وفتح قلبي وعقلي وروحي، لكن يظل ما أدونه عملا إنسانيا يروم للرقي ويقبل النقاش ويستوجب النظر والتفكر.
    إن الكلمة الطيبة شجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها: ” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)”
    وهل أطيب من القرآن كلمة، وهل أعظم منه شجرة، فليس غريبا إذا أن تؤتي أكلها كل حين، وأن يكتب متأمل وباحث هنا أو هناك كل حين علما جديدا مستلهما من القرآن، بل الغريب عكس ذلك، فإن كان الأمر مرتبط بكل حين، فكيف يعقل أن يحجر العقل ولا يقبل إلا ما أتى منذ مئات السنين!!؟
    فما ذلك إلا كالذي يريد زيتا استخرجوه من شجرة زيتون منذ ألف عام، ولكنه يرفض أي زيت استخرج بعد ذلك، ناسيا أن شجرة الزيتون تعيش كثيرا وتمنح الزيت كل عام، مدعيا أن الأيدي التي عصرت الزيتون من قبل واستخرجت الزيت أيد مقدسة، أما الأيدي التي بعدها، فمدنسة بالبدع تستحق القطع!!!
    إنه لعمري تحويل للصنم من هيكل حجري يحشر في المعابد إلى هيكل فكري تحشى به العقول والقلوب.
    وإن بين الإيمان الذي يقوي الإنسان ويصله بربه ويوصله بتاريخه وحاضره ومستقبله، والتحجر الذي يفصله عن كل شيء ويحبسه في أوهام مجسدة، هو ما بين البصر والعمى، والظلمات والنور، فأنّى يستويان..” قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ (16)”

*تم تأليف الموسوعة سنة 2006 واستمرت الإضافة والتعديلات إلى اليوم، وتم نشر الجزء الأول فقط.
*تخريج الآيات حسب الترتيب: آل عمران، فاطر، الفرقان، الإسراء، يوسف، الكهف، الزمر النساء، محمد، الشمس، فصلت، الفتح، إبراهيم، الرعد

مقالات ذات صلة

القرآن الكريم معجزة الله الخالدة
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب، وسبّب الأسباب، وهدى إلى سبيل الهدى والصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد...
3 دقائق للقراءة
حال ومقال
ربّ ظانٍّ أنّي خير منه، وهو خير مني. يرى انعكاس حسناته علي، فيظنني محسنا. وربّ ظانّ أني شرّ الخلق، وهو مني أشر.يراني بعين السوء...
2 دقائق للقراءة
سُنّة الله وفقْهُ ما تراه
لله جل في علاه سنن، قوانين وضعها ومقادير سطّرها ونظم نظّمها ونظّم بها وأخضع لها ملكوته كله، والبشر ضمن ذلك. وفي القرآن تبيان وقصص...
5 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن الوحدة والإنسانية)
كلمة وصلتني من النجف الأشرف من آية الله العلامة السيد فاضل الجابري الموسوي:  “احسنت أيها السيد الشريف والعالم الحصيف والباحث المنصف صاحب القلم البديع...
3 دقائق للقراءة
قضية للنقاش
السلام عليكم. اسئلة اود طرحها، ومن حقي كمسلم وكمكلّف عاقل مأمور من خالقي بالتدبّر والتفكّر أن أطرح أي سؤال أشاء، وأن يتم مناقشتي والإجابة...
4 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن التصوف)
هنالك امور دخيلة على التصوف انا ضدها تماماوقد أساءت للتصوف الحق: مثل الخزعبلات، والشطح الناتج عن اللبس، والدجل والشعوذة، وادعاء الولاية والكرامة، والجهل بالقران...
< 1 دقيقة للقراءة
هل الحسين أمة قد خلت
كلما ذكرنا الإمام الحسين وكربلاء وما كان فيها من محنة وملحمة وقتل يشيب لهوله الولدان، وذبح لابن بنت نبي الإسلام، يخرج عليك بعضهم ممن...
2 دقائق للقراءة
هل نامت كي نوقظها
كل مرة، وكلما ذكرنا كربلاء، او تكلمنا عن الإمام الحسين، وعن قتلته وإجرامهم، وعن ووجوب أن يتخذ المسلم موقفا من ذلك لأن النبي أمره...
4 دقائق للقراءة
مفاهيم يجب أن تصحح
*ان تكون سنيّا، لا يعني أن تكون ناصبيّا. النواصب شراذم قتلت من السنة أكثر من غيرهم. *أن تكون صوفيا فهو يعني أنك تحت لواء...
< 1 دقيقة للقراءة
وصية الهجرة
هاجر من ذنوبك، إلى كنف محبوبك. وفر إليه به، تجده عنده. وادعه إليك، تجده عندك. فإن الهجرة من دنس الذنوب، إلى كنف المحبوب، يحقق...
< 1 دقيقة للقراءة