حرر عقلك: التصوف بين الأصفياء والأدعياء

4 دقائق للقراءة

تابعت اليوم حلقة جديدة من برنامج “حرر عقلك” على قناة الميادين الذي يقدّمه المفكّر عبد العزيز بن بدر القطّان، وكان موضوع الحلقة “التصوف”.
إن تحليل الدكتور عبد العزيز للتصوف بين حقيقته ورجاله الربانيين، وما عراه من زيف المزيفين والمدعين له، وكذلك العرفان بين حقيقته الموصولة بآل البيت ومن حرّفوه عن معناه الأصلي.
والحقيقة أن ما ذكره يتفق تماما مع نظرتي الخاصة للتصوف، والتي بنيتها من أمرين:
*دراسة وتحقيق في المصادر والمراجع وسير أهل الله وأهل التصوف منذ الحسن البصري ثم الجنيد وسري والمحاسبي فالأقطاب كالجيلاني والشاذلي والرفاعي وصولا للمجاهد عمر المختار والشيخ بوعمامة.

  • ونظر في الواقع الصوفي ودراية دقيقة به، سواء في تونس والمغرب العربي وأفريقيا، أو في أوروبا وأصقاع أخرى كالهند وبنقلاديش.
    وقد بينت في كتابي “التصوف معراج الذوق وترياق التطرف” أن آفة التصوف في ثلاثة، وأستشهد بالنص كاملا:
    (درست التصوف بعد أن عشقته، وعشقته أكثر بعد أن درسته، ومسني من الحزن ما مسّني لجاحد لفضله مكفّر لأهله، فهو كعليل النفس لا يطيب له أريج ولا يروقه منظر بهيج. فأمره كقول المتنبي:
    ومن يكُ ذا فمٍ مُرّ مريضٍ يـجد مُــــرّا به الــــمـاء الزّلالَ
    ولجاهل به وهو فيه، كأعمى بصيرة وبصر ومختل عقل ونظر بلغ نبع ماء بعد وعثا سفر فالتقم الحجارة واستفّ التراب وترك الماء فلم يشرب منه ولغة عطش ولا غُلّة ظمآن. وهذا داء في الكثير من المتطفلين على التصوف والفقه والعلم الديني، فمَثَلهم كقول الآخر:
    خَلِيْلَيَّ كَمْ ثَـوْبٍ وَكَمْ مِنْ عَبَـــــــــــــاءَةٍ
    عَلَى جَسَدٍ مَــــــــــا فِيهِ عِلْمٌ وَلا عَقْلُ
    وَكَمْ لِحْيَةٍ طَالَتْ عَلَى خَدِّ جَـــــــاهِلٍ
    فَأَزَرَى بِهَا مِنْ بَعْدَمَا طَالَتَ الْجَهْلُ
    وَكَـــــــمْ رَاكِبِ بَغْلاً لَـــــهُ عَــــقْـــــلُ بَغْلَهِ
    تَــأَمَلْ تَــــــــــرَى بَغْلاً عَلَى ظَهْرِهِ بَغْلُ
    أو خامل ميّت القلب لا تهزّه فاجعة ولا يحرّكه أمر ولا تلمسه غيرة ولا يرى أبعد من أوهام نفسه ولا يخرج من دائرة طريقته وشيخه وزمرته ولا يهتم لحرق مقام أو خراب زاوية أو قتل شيخ أو اندلاع حرب أو بلاء أمة، فتحمله الأوهام إلى كلام الهرطقة وسبل الزندقة يتشدّق بما لا يفقه وينطق بما لا يفهم فيجعل الخالق يحلّ في المخلوق حلول متجسّد في جسد، ويدعي بوهم الحال أنه حوى الواحد الأحد، فصارا واحدا لا اثنين، وأنه رأى الله رؤيا العين، وغيره من كلام السفسطة والخبال وشطحات الوهم والخيال. وضرر هذا وأضرابه بالتصوف كبير وأثره على الأمة خطير. فهو كقولهم:
    كالــــــثـّور عقلا ومثلُ التّيـــــــــس معرفةً
    فلا يُــــفرّق بيـــــــــــن الــــــــــحـــقّ والـــــفَـــــنَدِ
    الجهلُ شخصٌ يُنـــــادي فوق هـامته
    لا تسأل الرّبعَ ما في الرّبع من أحدِ
    أو مندسّ فيه مزوّر له لغاية نفس أو ثراء جيب أو حقد دفين وخبث شيطان لعين، فأمره كقول ابن شهيد الأندلسي :
    ورُبّت كُـــــــتّـــــــاب إذا قيـــــــــل زوّروا
    بكت من تأنيّهم بطون الرسائلِ
    ونــــــــاقلِ فـــقــــه لم يـــــــــــــر الله قلـــبـه
    يظن بأن الدين حفظ المســـــائلِ
    على أن التصوف من هؤلاء بريء ومن أولئك براء. وأهل التصوف الحق كانوا دعاة للخير منابر للموعظة مضارب للذوق أسنة للحق في وجه الباطل جاهدوا بالكلمة الصادقة والموقف الشجاع وكانوا حماة للحمى ذابّين عن الثغور داعين لصلاح الأمور. مما يطول بذكره السياق وتحوي أخباره الكتب الكثيرة.) انتهى النص.
    وأنا أتفق تماما مع الدكتور القطان في ابتلاء التصوف بالكثير من الأدعياء الذي شوهوه وحققوا غاية المفترين وكانوا برهانا للمنكرين للتصوف على صدق دعواهم وهم كاذبون.
    التصوف المقاوم الذي كان من رجاله أقطاب عارفون بالله، فالشيخ الجيلاني كان شيخ نور الدين زنكي الأمير العادل، وكان له أثر مباشر في تحرير القدس من الصليبيين، والإمام الشاذلي كان في مقدمة الجند في معركة المنصورة رغم فقدانه للبصر، وكان يقول “لويس التاسع لي وأنا صائده”، وكان الأمر كذلك فأُسر لويس التاسع وهُزمت جيوشه.
    والشيخ عمر المختار شيخ الطريقة السنوسية خاض من الجبل الأخر ألف معركة ضد الطليان، والشيخ بوعمامة شيخ الطريقة الشيخية كان أكثر من جاهد المستعمر الفرنسي ووقف مرة وحدة ضد جيش كامل وقال: أنا أقاتلهم بذكر الله. وقد نصره الله.
    التصوف ليس بعدا عن السياسة والجهاد الحق والموقف الواجب لنصرة مظلوم وردع ظالم.
    التصوف ليس زاوية ودروشة وأكلا دسما وتقبيل يد وهزّ رؤوس وامتلاء بطن وفراغ عقل وقلب وزيغ نفس وروح، كما نرى لدى بعض المدعين.
    سيدي إبراهيم الرياحي العلامة التونسي جُمعت له الفتوى والإمامة الكبرى وأدخل التيجانية لتونس ولكنه أيضا كان سفير الباي ومستشاره وثاني رجل في الدولة بعده.
    السيدة المنوبية كانت راعية ومربية الحاكم الموحدي، ولكنه لم تكن تأخذ من ماله شيئأ بل تنسج الصوف للمجاهدين.
    الرباطات في تونس كانت للعبادة والزهد، ولكن كانت أيضا قلاعا لرد الغزاة الصليبيين.
    هنالك حركة وعي ضرورية داخل التصوف نفسه، حركة نقد لابد منها، وشكرا للدكتور القطان الذي وضع الاصبع على الداء بشجاعة، ومن يهاجمونه هم إما لا يفقهون أو يندرجون ضمن من نَقَدهم وبيّن ضلال منهجهم، أما اهل التصوف الحق وهم اليوم كثير، فلا يختلفون مع ما بيّنه الدكتور عبد العزيز، وقد حاورت الكثير منهم مشايخ وعلماء ومريدين ولهم في قلوبهم حرقة بل يجمعون أن أعداء التصوف درعوا أولئك الأدعياء، أم أن أعداء آل البيت درعوا الدجالين باسم العرفان، وكل هذه الخزعبلات والخرافات آن لها ان تنتهي، لأنها كانت من أبواب سقوط شباب كثر في الوهم أو الإلحاد أو الدعوشة.

الدكتور مازن الشريف
رئيس اتحاد المغرب العربي للتصوف.
‏15‏-06‏-2017‏ 23:00

مقالات ذات صلة

مع التطبيع
أنا مع التطبيع. لأن الحرب لن تجلب لنا شيئا. حاربنا سنة 48 و67 وخسرنا المزيد من الأرض والقتلى والمشردين. وحتى نشوتنا بانتصارنا في حرب...
3 دقائق للقراءة
تأملات
تعلم من أسوأ ممن يستبعد الناس!من يحب أن يُستعبدْ.ومن أسوأ من المُستعمر.من يحب أن يُستعمر.إنه ديوث وطن.لا يقبل أن يتحرر، لا يريد أن يرى...
< 1 دقيقة للقراءة
هل فقدت الذاكرة؟
هل فقدت الذاكرة؟ لماذا لم تعد تكتب، وتحلل، وتهتف في وجوه المنافقين والظالمين والخونة، وتستصرخ الضمائر الحية، وتكوي الضمائر النائمة لعلها تستفيق؟؟ أم تراك...
2 دقائق للقراءة
المولد النبوي الشريف
“بدعة اللا-مولد”
قال لي غاضبا وشرر عينيه يسعى لحرقي لو قدر: هل تحبون النبي اكثر من الصحابة؟ ما هذه البدعة التي خرجتهم بها عن السلف الصالح....
< 1 دقيقة للقراءة
كنتُ مسلما…..
كنت مسلما…. ليس لشيء إلا لأن ابي مسلم…وولدت في مجتمع مسلم… كنت مسلما…. لم افكر كثيرا…بل مشيت حيث القوم مشوا…ووقفت حيث وقفوا..صلوا فصليت…وصاموا فَصُمت…...
2 دقائق للقراءة
تعِس المسعى وخاب الساعي
الذين يسعون لطمس معالم الاسلام كليا من تونس (والعالم العربي والإسلامي ثم الكوكب كله من وراء ذلك) هم قوم على منهجين: *منهج يعتمد التشويه...
2 دقائق للقراءة
أزمة العقل العربي (3) الوهم…والوهم أولا…
“كدوامة في البحر، يقبع الوهم في كل شيء، وفي كل فكرة، يتصيد بمكر ويتسرب بدهاء، ومن سقط فيه سيلف داخله ولكن سيشعر بلذة غامرة...
6 دقائق للقراءة
أزمة العقل العربي (2) أزمة الحوار، معضلة النقد، وإشكالية “الجماعة”…
الحوار مشكِّل أساسي للفكر، والحوار في القرآن كان حتى بين ملائكة النار والمخلدين فيها، وبين أهل النار وأهل الجنة، فكيف لا نقيمه بيننا ونحن...
9 دقائق للقراءة
أزمة العقل العربي (1) بين الموروث والقداسة والدنس (الصورة: صورة متخيلة لابن سينا)
من بين أمم العالم، فإن العقل العربي يمتاز بهشاشة لا تضاهى، وبنية أحفورية معقدة يصعب حلها. وهذا ليس هضما لحقوق المفكرين والمبدعين الحقيقيين في...
6 دقائق للقراءة
بلا سائق
مشهد القطار بلا سائق الذي أثار الرأي العام في تونس يوم أمس، وأثار الفزع والرعب في قلوب من كانوا فيه ومن كانوا يشاهدونه وهو...
2 دقائق للقراءة