واستيقظت

2 دقائق للقراءة

ليس في عقلي فكرة واحدة، كل الأفكار تلاشت بعيدا، وتعطّلت الأخيلة، ولم أجد شيئا سوى النظر في القلب علّه استبقى سُلافة من حلم أو بقية من غرام، فلم أبرح حتى وجدت صبابة قديمة، ففتحت بابها وألفيت فيها وجها لم أذكره، وحال بيني وبينه تباعد العهد وتتابع الأيام، فسألته بلسان الحال فلم يجب، وتسربل بالأطياف المبهمة، فلم أفهم من حاله شيئا، ثم نفضت غبارا عن ذاكرتي فبان لي وجه يشبه وجهي صبيّا، فعدت إلى القلب أبحث عن الصبابة القديمة، فرأيتها حتى كدت ألمسها، فإذا هي تلك التي طالما كتبت عنها، فعجبت كيف نسيتها، وعجبت كيف أن وجهي في صباه لبث تحت غبار الذاكرة، فاستعدته ونظرت بعيني صباي إليها، وقلت لها: كيف مضى العمر ولم نلتق؟
قالت: لعلك نسيتني..
قلت: بل لعلّ القلب أنكر أحلام صباه…
قالت: وهل ينسى الشاعر قصيدته.
فتفطنت إلى حديقة خلف أوجاع القلب، فيها ما فيها من نضير شجر وشجيّ غرّيد، ينساب ماؤها ويبستم زهرها، وفوق غمامة تعبرها بحياء كانت كلماتي الأولى، بداية شاعر يبحث عن نفسه وعن قصة حب بحجم الموت والولادة.
ثم بان لي حول الحديقة ما بان من صحراء تترامى أطرافها قد تراكمت كثبانها وتراقصت رمال ها وسكنتها وحوش الأحلام المنكسرة وانسابت فيها أفاعي الظنون، ومن حولها بحار لا طاقة لإنسان بعبورها، لا تعبرها إلى المشاعر.
ولما رجعت إلى عقلي لأستحثه على وصف ما رأيت، وجدته ينظر إلى المرآة، فرأيت عليه تجاعيد الفكر فقلت: كيف يشيخ الفكر والفكر خالد، قال: إنما هو الزمن تضرب أمواجه على صخرة الفكر حتى تفتتها فتلتحم الفكرة الصلدة بماء يم الزمن وترقص مع أمواجه وترحل بعيدا، فلا يبقى على وجه الفكرة إلا أثر الزمن المنسل من كتاب المنطق، وعلى مرآته تبدو الأفكار المنطقية وقد سرت إليها تجاعيد الكِبر، أما الأفكار التي تصبو وتروم كسر المنطق النمطي فهي تلك الراقصة مع الماء في يم الصفاء الأول.
ولما رأيت ما رأيت وسمعت ما سمعت أخذتها من يدها ومشيت بوجهي صبيا إلى نخلة سمقت في صحراء القلب نهزّ جذعها حتى انفتح فيه باب دلفنا منه إلى نهر ينهمر في أطرافه شلال من جبل لا ترى العين آخره فوقه سحب ملوّنة واخرى لا لون لها تمطر نارا وبرَدا جلس فوقها ناي يعزف موسيقى من حوله آلاف الطير ترقص وترفرف في آفاق ممتدة لا انتهاء لها، وعبْر النهر زوارق فيها أصناف البشر وغوانٍ حسانٌ وعلى ضفتيه ما لذّ لعين وطاب لنفس من ثَمر يسري إلى أرض فيها قصر من أعظم من يرسم حرف في قصص البشر وكأن الجن بنته وسكنته زمانا ثم ارتحلت عنه فبقي السحر يحيط بأسواره…. فابتسمت وقالت وهي تُبادر نحو الباب وقد بدأ الشوك المتمترس من حول القصر يخفض رماحه ويتحول إلى زهر وردي وأحمر وأزرق وبياض تخرج منه فراشات لها ما للأفكار من اللون وما للمشاعر والأخيلة وما فوقها: الآن ستفهم…
فإذا بي أنظر إلى أفكار تتناثر من صخر المنطق وتذوب بيمّ المطلق.
وإذا بي أنظر إلى صحرائي الممتدة في قلبي قد رفعت كفّا نحو غمام ومدّت أخرى إلى البحر الممتد ففتح ذراعيه لأعبر حيث مشاعر قلبي الأولى وأحلام الطفل البدوي الأنقى والأسذج.
وإذا بالأخيلة كخيل ترمح نحو الأفق وتركض تتلاحم تتزاحم تجري تسري كالنور على وجه الماء الأول.
وإذ بالنهر وما فيه من زوارق يلقي إلي بكلمات الشعر التي لم أكتبها بعد….ويرمي في سلة قلبي ثمار الفن ويهديني حمام الموسيقى…
وإذا بها تطل من القصر على نخلة قلبي وتهز بجذع الفكرة كي تسّاقط عنها الأوهام وتصّاعد منها الأحلام.
وإذا هي خلف العقل وخلف القلب وخلف الممكن، تبتسم بوجه يشبه وجه النقطة فوق الحرف، وتقول: أتعرفني؟
فأطرق خجلا، تضحك: أتعرف قلبك وصحاريه، وتعلم عقلك وما يحويه، ولا تعرف روحك؟
واستيقظت…..
……
سوسة
‏21‏-04‏-2017‏ 17:49:35

منشورات ذات صلة

مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
3 دقائق للقراءة
حكاية “خائن”
حكاية “خائن” من مجموعتي القصصية: وجوه مازن الشريف خائن خائن خائن!! وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟ يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق...
5 دقائق للقراءة
يين يانغ، التكامل المتناقض من رواية المعلم
بالرغم من التطابق الكلي بينهما في الشكل، فإن يين ويانغ كانا مختلفين تماما من الداخل. ولدا في أسرة ثرية في أرض التيبت، قريبا من...
11 دقائق للقراءة
تشي…ملِك الطاقة الحيوية من رواية المعلم
*تعني كلمة تشي chi باللغة الصينية الطاقة الحيوية، وفيها فنون كثيرة من بينها فن تايتشي. لم يكن تشي يذكر طفولته لأحد، ويحتفظ بها في...
3 دقائق للقراءة
حرب المعنى…من تايبنغ إلى برهان. من رواية المعلم
منذ أزمنة سحيقة غابرة ، في عالم بعيد عن عالم الفانين، حيث الخلود ممكن والاندثار ممكن ايضا، هنالك قبل ان توجد ارضكم وشمسكم ،...
8 دقائق للقراءة
حكاية تنين من روايتي: المعلم
ليس الأمر معقدا كما تعتقدون، بل هو بسيط جدا، فقد وُجدت تنينا. فتحت عيني في واد شاسع، وغادرت البيضة، لم أعرف لي مصدرا. ومن...
5 دقائق للقراءة
أخضر من مجموعتي القصصية: وجوه
لم يكن “أخضـر” رجلا عاديا، بل كان رجلا خارقا، صحيح أنه لم يكن يطير أو يحرك الأشياء دون لمسها، لكنه رغم ذلك رجل خارق،...
8 دقائق للقراءة
شجرة الحكمة وجبل الخلود كما وصفهما مخطوط ينسب للمعلم الكبير من روايتي: المعلم الكبير
حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة. وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة، ومن حولي كرة...
10 دقائق للقراءة
شيطان
لم اتصور اني سألتقي في حياتي شيطانا، ليس مجازا، ولا رجلا سيئا كالشيطان، بل شيطانا حقيقيا، كائنا من عالم الظلام، لكن ذلك حدث، ووجدتني...
11 دقائق للقراءة