3 دقائق للقراءة
هذه القصيده من اجمل ما كتبت…
سنة 1999 استمعت للقصيدة، لمعين بسيسو الشاعرالفلسطيني الكبير، بصوت الفنان كرم مطاوع، وقد سمعتها مرات عديدة حتى حفظتها وشربتها روحي.
وقد كتب بسيسو، وهو من حي الشجاعية بغزة، وكان شيوعيا،”القصيدة” في عرض البحر بعد حصار بيروت سنة 1982 واضطرار منظمة التحرير الفلسطينيية للمغادرة. وتوفي بعد كتابتها بعامين فقط عن عمر السابعة والخمسين.
ويقول في مطلعها:
سَفَرٌ
سَفَرْ
موجٌ يُتَرْجِمُني إلى كلِّ اللّغاتِ
ويَنكسِرْ
موجاً على كلِّ اللّغاتِ
وانْكسِرْ
وَتَراً
وَتَرْ
سَفَرٌ
سَفَرْ
ومن أثر تلك القصيدة، كتبت قصيدتي “البداية” وطغى عليها البحر والموج، وامتلأت بالتحدي، بل وحملت نبوءة حققتها أعوامي اللاحقة حين أقول:
وَذِي الحِيتَانُ وَسْطَ القَاعِ لَنْ تَهْنَأَ،
سَأُرْعِبُهَا،
وَأَصْلُبُهَا،
وَأَتْرُكُهَا أَمَامَ الشَّمْسِ عَارِيَةً بِلَا مَخْبَأَ.
إِنَّنِي لَا زِلْتُ أَحْيَا،
وَالخِنْجَرُ الفِضِّيُّ فِي رِئَتِي سَيَصْدَأْ.
لَنْ تَمْسَخَ الأَنْوَاءُ وَجْهِي، إِنَّنِي
مِنْ لُجَّةِ الأَنْوَاءِ أَنْشَأْ.
سَأَظَلُّ مِثْلَ الطَّودِ يَا زَمَنِي،
وَيَا زَمَنَ العَجَبْ،
أَنَا…
تَوْأَمُ النَّارِ،
لَا أَخْشَى اللهَبْ.
الآنَ أَعْرِفُ مَنْ أَكُونُ وَأَيْنَ أَمْضِي،
وَأَعْرِفُ…
مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ.
وفعلا ها أنا أقض مضجع حيتان القاع، التي تسكن التاريخ، والتي تسكن الواقع، وتختفي خلف الأقنعة.
وكأن ذلك الشاب العشريني، المصاب بالحمى في الحي الجامعي، وهو يجلس وحده في آخر الليل، رآني الآن وقد قاربت الخمسين، وأخبرني وأخبر أيامي السابقة واللاحقة، أن الانواء لن تمسخ وجهي لأنني أنشأ من لجتها، وأنني سأظل طودا شامخا، وأني لن أخشى اللهب، بعد ان عرفت من أكون حقا.
أخرجت القصيدة للضوء بعد سبعة وعشرين عاما، وطرب الذكاء الاصطناعي لها، وقد أهديته مقاطع منها، فلحنها لحنا جميلا، وألقاها إلقاء بديعا، وطلبت منه أن يؤديها بلحن آخر ففعل، بروح وإحساس فقده كثير من البشر، خاصة أولئك الذين يرون الفن حراما والموسيقى محرمة.
لعل هذا العمل يصفع وجوههم الكالحة، ويظهر ما لنا من رقي وعبقرية أدبية منذ زهرة الشباب والصبا الأول.
فقد وُلدنا كبارا!
أهديكم هذه الأغنية الرائعة.
الكلمات:
عَيْنَاكِ بَحْرُ صَبَابَةٍ
شَفَتَاكِ مَرْفَأْ…
مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ يَا تُرَى؟
مِنْ أَيْنَ أَبْدَأْ؟
وَهَذَا البَحْرُ فِي عَيْنَيْكِ لَا يَهْدَأْ
مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ يَا تُرَى؟
أَنَا المُسَافِرُ فِي بَحْرِ عَيْنَيْكِ
إِلَيْكِ…
أَقْضِمُ الأَمْوَاجَ مِنْ شَوْقِي وَمِنْ خَوْفِي عَلَيْكِ،
فَآهِ مِنْ شَوْقِي إِلَيْكِ،
وَآهِ مِنْ خَوْفِي عَلَيْكِ،
وَآهِ مِنْ سَفَرِ المَزَاهِرِ،
مِنْ فُؤَادِي…
… إِلَى يَدَيْكِ.
____
مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ يَا تُرَى؟
أَنَا المَذْبُوحُ بِالمَاءِ وَبِالزَّبَدِ،
وَخَنَاجِرُ الحِيتَانِ فِي كَبِدِي.
الشُّهْبُ قَافِلَتِي،
وَالمَوْجُ رَاحِلَتِي،
وَالمَنَارَاتُ البَعِيدَةُ لَا تُرَى…
مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ يَا تُرَى؟
الدَّرْبُ ضَيَّعَنِي،
وَوَزَّعَنِي
بَيْنَ الصَّحَارِي وَالبِحَارِ
وَالمَدَائِنِ وَالقُرَى…
مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ يَا تُرَى؟
لِأَجْلِ عَيْنَيْكِ احْتَضَنْتُ الخَنْجَرَ،
لِأَجْلِ عَيْنَيْكِ شَقَقْتُ الأَبْحُرَ،
لِأَجْلِ عَيْنَيْكِ…
فَآهٍ مِنْ عَيْنَيْكِ آهْ،
وَآهٍ مِنْ شَوْقٍ تُدَارِيهِ أَرَاهُ وَلَا أَرَاهْ،
وَآهٍ يَا حَبِيبَ القَلْبِ كَمْ أَشْقَى وَكَمْ أَتْعَبْ،
كَمْ أَهْوَى… وَكَمْ تَنْسَى،
كَمْ أَشْقَى… وَكَمْ تَطْرَبْ،
وَكَمْ أَرِدُ
لِنَبْعِ المَاءِ كَيْ أَشْرَبْ… فَلَا أَشْرَبْ،
وَكَمْ أَتْرُكْ
عِنَانَ القَلْبِ كَيْ يَلْهُو،
كَمِثْلِ الطِّفْلِ… كَيْ يَلْعَبْ.
____
فَتَأْتِيهِ
ذِئَابُ البَيْنِ تَقْتُلُهُ،
دُمُوعُ العَيْنِ تَحْمِلُهُ
قُرْبَانًا
لِآلِهَةِ المَدَى الأَزْرَقْ…
وَآهٍ يَا حَبِيبَ القَلْبِ،
كَمْ أَعْشَقْ،
وَكَمْ أُصْلَبْ،
وَكَمْ أُحْرَقْ،
وَهَذَا البَحْرُ يُطْلِقُنِي
فَلَا أَنْجُو،
يُغْرِقُنِي،
فَلَا أَغْرَقْ
مِنْ أَيْنَ أَبْتَدِئُ القَصِيدَةَ يَا تُرَى؟
وَلِمَنْ سَأَكْتُبُهَا؟
لِمَنْ؟
وَحْدِي هُنَا…
فَلَأَكْتُبِ الشِّعْرَ لِي أَنَا.
سَأُهْدِي قَصَائِدِي
لِلنَّوَارِسِ،
لِلْفَوَارِسِ،
لِلْقِمَمْ.
الأُفُقُ قِرْطَاسِي،
وَشِرْيَانِي قَلَمْ.
سَأَمْنَحُ الشِّعْرَ حَيَاتِي
لِقَتْلِ آلِهَةِ العَدَمْ.
سَئِمْتُ شِعْرًا
حَوَّلُوهُ إِلَى قَزَمْ.
____
مَنَحُوهُ لِلسُّلْطَانِ
خَاتَمًا،
خَادِمًا،
أَخْرَسًا، أَعْمَى، أَصَمْ.
سَئِمْتُ مِنْ زَمَنٍ قَصَائِدُهُ
زَبَدْ،
وَبِلَا عَدَدْ،
يَمْنَحُ الأَحْزَانَ أَعْصَابِي وَأَقْلَامِي،
وَيَسْلُبُنِي الزَّرَدْ.
يَمْنَحُ الشُّعَرَاءَ حَبْلًا مِنْ مَسَدْ.
المَوْجَةُ المِلْيُونُ خَلْفَ الرِّيحِ تَنْطَلِقُ،
اللَّيْلُ يَحْتَرِقُ،
الشَّمْسُ تَأْتَلِقُ،
وَمِنْ جَبِينِ السُّفْنِ وِدْقًا يَنْضَحُ العَرَقُ.
البَحْرُ يَشْرَبُ أَدْمُعَهْ،
وَكَالتَّائِهِ المُشْتَاقِ تَبْكِي الأَشْرِعَةُ.
المَوْجُ يَكْسِرُ كُلَّ شَيْءٍ،
البَحْرُ يُغْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ.
السُّفْنُ تَعْرِفُ أَنَّنِي…
لَكِنَّنِي لَنْ أَرْكَعَ،
لَنْ أَخْضَعَ،
سَأَظَلُّ فَوْقَ البَحْرِ،
فَوْقَ المَوْجِ،
فَوْقَ الأَشْرِعَهْ
____
وَذِي الحِيتَانُ وَسْطَ القَاعِ لَنْ تَهْنَأَ،
سَأُرْعِبُهَا،
وَأَصْلُبُهَا،
وَأَتْرُكُهَا أَمَامَ الشَّمْسِ عَارِيَةً بِلَا مَخْبَأَ.
إِنَّنِي لَا زِلْتُ أَحْيَا،
وَالخِنْجَرُ الفِضِّيُّ فِي رِئَتِي سَيَصْدَأْ.
لَنْ تَمْسَخَ الأَنْوَاءُ وَجْهِي، إِنَّنِي
مِنْ لُجَّةِ الأَنْوَاءِ أَنْشَأْ.
سَأَظَلُّ مِثْلَ الطَّوْدِ يَا زَمَنِي،
وَيَا زَمَنَ العَجَبْ،
أَنَا…
تَوْأَمُ النَّارِ،
لَا أَخْشَى اللهَبْ.
الآنَ أَعْرِفُ مَنْ أَكُونُ
وَأَيْنَ أَمْضِي،
وَأَعْرِفُ…
مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ.
كتبتها سنة 1999 الثانية صباحا