يجري

2 دقائق للقراءة

كل شيء كان عاديا جدا..حد الرتابة..وكل شيء كان يمضي سلسا نمطيا..حتى صرخ ذلك اليوم… ونصفه صمت…”نصفيٌّ” قالوا له…ألزمه فجلس…ثم تطوّر…أحس بغزوه…بخدَره…بحقد أنامله المتسللة إلى عضلاته وأعصابه…إلى كل ذرة في جسده…ثم انتقل من نصفي إلى كلي…قيل أنه ارتداد لتلك الصرخة…حتى الصدى يمكن أن يُميت…وهاهو يتحول إلى صمت مطبق..يجلس على نفس الكرسي…ينظر إلى ذات الجدار…في تلك الغرفة التي تحولت إلى عالمه الصغير المغلق…
يحرك عينيه…ينتقل بذاكرته إلى أيام مضت…يدرك الآن أن كل شيء عادي..لم يكن كذلك…أو لم يعد كذلك….
ينطق في صمته…يناجي نفسه…لقد كان حيا…لا يرضيه شيء ولا ينتهي له حلم…أما الآن…فهو مشلول مقعد على كرسي متحرك..كل أحلامه..أن يجري…

أجل..كل ما يودّه أن ينهض مجددا…وأن يسابق الريح…كما كان يفعل حين كان طفلا…أن يجري ويجري..كعاصفة ثائرة…كغيمة عاشقة…كفراشة هائمة…كخيل برية…أن يجري كأنه يطير…كطفل يمسك خيط طائرة ورقية يطير معها بخياله….أن ينطلق في مرج أخضر نحو الضوء..نحو الحياة….
صوت زوجته في الرواق تنادي على حفيده….
صوت حفيده يحبو ويضحك ويحاول النطق بأول حرف….
صوت زوجة ابنه تقول: لقد كبر..إنه يحبو الآن…وبعد قليل سيمشي..ثم سيجري…
تمنى لو أنه يولد من رحم الكرسي…يتحول إلى رضيع..يحبو…يمشي..ثم يجري…
ينظر إلى الجدار…إنه جدار..عادي..لكنه لم يعد كذلك…لقد تحول إلى مرايا…تعكس صور ماضيه…طفولته..شبابه…حياته كلها..وتلك الصرخة….حين رأى المشهد في مرآة أخرى…طفل يقتلونه تحت جدار…صرخة أبيه..وصرخته…ضوء..إغماء…ثم أفاق بشلل نصفي وبدأ يموت تدريجيا…ولم ينطق منذ ذلك الحين بحرف واحد…

يحاول أن يحرك أصابعه..يتصبب عرقا..تنتابه نوبة من الغضب…تحريك الأصابع شيء عادي…كنت أقوم به كل يوم…بشكل نمطي رتيب..فلماذا يبدو الآن ضربا من المستحيل….
يأخذ نفسا عميقا..يحاول الوقوف…لابد أن يجري..يريد أن يجري….يحب أن يجري…
تنزل دمعة من عينه..تصعد دمعة إلى العين الأخرى… يحس تصلبا في وجهه….يأخذ نفسا أعمق…تردد الفكرة في رأسه كجرس قوي…إنه سيجري…لابد أن يجري..عليه أن يجري….

ضوء باهر..يغمض عينيه ثم يفتحهما….إنه يجري..أجل..وأمامه مرج أخضر..يصرخ بسعادة ويغني بطرب…إنه حقا يجري..لا يكاد يصدّق….يجري…أسرع من الريح والعاصفة..أسرع من الغيمة والخيل البرية…أسرع منه ومن خياله…تنفتح أمامه مروج وآفاق لا تنتهي…فيجري..يجري نحوها…ومن خلفه يسمع صوت ارتطام…صراخ زوجته: “يا إلهي..لقد وقع من الكرسي…يبدو أنه قفز وارتطم بالجدار…يا ويلي..إنه لا يتحرك”….
في غمرة نشوته لم يفكر في التوقف والنظر خلفه..شعور لا يفسر منعه من الالتفات…إنه يعلم ما يريده..ويريد ما يعلمه…تنفتح الآفاق أكثر…يصبح أشد سرعة وتجددا….ويجري….

دمشق
06/03/2010 06:16:56 م

منشورات ذات صلة

من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة
حكاية سمعان
كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق...
3 دقائق للقراءة
انبطاح
مهداة: إليهم..وسأستمر في الوقوف.   أفكر في فكرة لم أفكّر فيها من قبل. نفس الفكرة تفكّر أني قد أفكّر فيها. أنتظر في رصيف أفكاري...
2 دقائق للقراءة
مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة