هكذا تحدثت الكائنات ٢

4 دقائق للقراءة

أجلس على ربوة الفكر.
أسأل الأرض لماذا تغيّر حالها، وتبدّل حالنا، حتى افترستنا الضباع، وطال بنا الضياع.
كنت ملك الغابة، لكنهم قتلوا غابتي، فأي ملك أكون.
قد يظنني الناظر بخيلا يحب النوم ويترك لزوجته عناء الصيد.
لكني كثير حزن، مسكون بأمكنة لم يعد لها وجود.
حين كانت الأرض كلها جنة، ومملكة للأسود.
لا تعحبوا من صمتي وسكينتي، رغم هذا البلاء. فأنا أنتظر ملكا أعظم مني، يعيد إلي غابتي، وأعيد إليه مُلكه.
مما قال الأسد.

يا لهؤلاء الحمقى.
لم يزل سائلهم يسألني لماذا أفتك فريسة غيري، أو أقبل ببقية مائدة سبع أو نمر.
لأن القوة ليست في تمام القدرة، بل في تمام المكر.
كم أسدا اجتمعنا عليه ففر وترك لنا ثورا طريّا.
لأننا لا نقاتل إلا مجتمعين، وتقاتلنا الأسود فُرادى.
الضباع مدرسة، في الخسة والغدر والتآمر والعمل الدقيق المشترك.
وإن لم تصدق، فانظر إلى البشر.
مما قال الضبع

حقيرة في كل عين تراني، لكن في خلقي آية.
فبعضنا يخلّص الأرض من الجيف لحكمة وغاية.
وبعضنا يصنع حريرا تباهي به نواعم الأجساد رَخصَة الملمس واللمس.
وبعضنا يمكث في ظلمة تحت الأرض منسحقا مكتوم النفس قليل الهمس.
وبعضنا يصير فراشا جميل اللون يرقص مع الزهر ويعانق ضوء الشمس.
وفينا أنواع شتى، وما بين إلا وحتى، وتراكيب الصور.
لم نفهم ذلك النوع الدوديَّ الأعمى الذي له هيأة البشر: عاند الأنبياء، وقاتل الأولياء، وكره الأصفياء، وجحد فضل رب الأرض والسماء، وادعى لنفسه الكبرياء.
ما أوجع انسحاق ذلك الدود العقيم في اليوم الأليم، يوم نتفرس جسده، وتفترس روحه الجحيم.
مما قالت الدودة.

 

عد من حيث جئت.
وعدت بالرسالة.
هكذا يظن القارئ، ولا يعلم أن ذلك كائن وأني كائن آخر واشتركنا في الاسم.
وسواء كنت من نار أو ماء.
فأنا الذي يحمل النبأ.
وعندي خبر يقين: سيأتي الملك الأخير. وسيجلب عرشهم قبل أن يرتد إليّ طرفي.
وسأحلّق حاملا الخبر إلى الكائنات.
فأنا الذي يعرف سر الخبأ.
ولكني لم أحدث الطير، فالطير لا تعرف الكتمان.
مما قال الهدد

 

برقمتي نشيدي.
ومع أني في قفص المعدن، إلا أن قلبي له جناح.
أطير من النغمات، وأعانق النسمات.
ورغم أن البوم البشري الذي اشتراني لم يعد يكترث لعزفي بمنقاري على أوتار الشكوى.
فانا موقن أن من منحني البرقمة وعلمني اللحن وحرّك بي الأوتار، يسمع شكواي وتسبيحي بلغة لا تدركها الأقفاص.
وكذلك العاشق يشدو في بلواه، يخفي بيانه، ويفضح الدمع شكواه.
مما قال البلبل.

 

 

أنا بيضاء، ولي ألوان أخرى.
رفيقة العشاق والمشتاقين.
طائر البان الذي أشجى عنترة وحرّك قلوب الشعراء.
وكثيرا ما يرسمونني مع غصن زيتون لأكون رمزا للسلام.
ولكني تشرّفت بما لا يخطر ببال طائر ولا سائر.
فقد كانا في الغار وكنت أسارع لبناء عش المعجزة.
ثم تبعته إلى منتهى هجرته.
وخرج من بيضي من يحلّق إلى اليوم في مدينته.
فليكن قلبك في رقّتي، وليكن في عينك ما كان في نظرتي إليه.
وسوف يستمر تحليقك عاليا، إلى الأبد.
مما قالت الحمامة.

لست أفتقد في الدنيا أحدا أكثر منه، ومن الحادي.
فهو الذي رفع مقامي بين بنات عماتي وبقية أمم الحيوان.
ومنذ أن صرت راحلته، ورافقت رحلته، وشهدت هجرته، وحددت بالأمر مكان مسجده، ودخلت به يوم الفتح، صرت قديسة الأنعام.
أما الحادي فكم ناجاه الشعراء والعشاق والمشتاقون:
يا حادي العيس.
وبين حبيبة ظاعنة، ورحلة المشتاقين عبر الصحراء لزيارة المسجد الذي كنت سببا في اختيار موضعه.
قصص وملاحم ومواجيد.
ليس في العالم أعظم منك شرفا، حين تكون خادما للرجل العظيم.
ولو كنت من جنس الحيوان.
عجبت لمحروم البشر.
مما قالت الناقة.

أنا صاحب الصبر وصديق أيوب.
لم أشرب منذ أكثر من ألف عام.
ولم أذق طعم الكرى وطفت معصوب العينين بطاحونة الماء أسمعه يترقرق ولا أذوقه أو أراه.
في أنّتي جُمَلٌ للبوح جَمُلَ بها اصطباري.
ومن مشهد إلى مشهد، وفصول الصحراء وأخبار القبائل.
حددت موعدي.
يوم يتمنّاني الماء فلا أشربه، وأتركه يموت ظمأً.
ففي قلبي نبعت أنهار الجنة، وسالت مياه الفردوس.
مما قال الجمل.

عيناي، قال النمر.
يفترسني ويعشق عيني.
كان لي من قبل موضع في قصيدة، يراني فيها عاشق الإنسية معشوقته.
يصفني، ليصفها. ويتغزّل بعيني، ليتغزّل بعينيها.
فأغضب جدا، لماذا لا يتغزل بي لذاتي.
لكني اليوم أتمنى لو يرجع ليكلّمني وهو يعنيها.
لقد نسي البشر الغزل.
ولم يعد النمر يقدر على افتراسي، فقد وضعوا في عنقه القيد، وحرموني من لذة الصيد.
مما قال الغزال.

لا تسألني كم نبيّا رافقت، لن أكذب إن قلت لك: كلهم.
فأنا التي أمتحن الراعي، وبي يتعلّم حتى الأنبياء حق الرعية وصعوبة الرعي.
وأنا أهب الوعي، وإن لم يكن عندي وعي.
ولي سعي في الأرض، وبارك مولاي السعي.
فرغم أن الذئاب تهاجمنا وتفتك بقطعان منا، فنحن أكثر من الذئاب.
ويذبحنا البشر في الأعراس والمآتم والأعياد.
لكننا لم نحرم الأرض بركتنا، ولا حرمتنا المرعى.
يكثر ضجيج العالم من حولنا، ونستمر في رعي الكلأ بهدوء، وتحمّل غباء الكبش.
مما قالت الشاة.

هل تريد أن أنطحك.
أنا لا أفهم في المنطق والجدل، منطقي الوحيد ما يقوله قرناي.
خذ مثلا ذلك الجاموس البري، أتظنه أفضل مني.
إنه لا يثغو مثلنا، وليس لديه صوف.
وحتى الوعل الذي يضرب قرنيه على الصخرة ليرضي الأنثى، مجرد عاشق فاشل.
أنا لا أنطح إلا لأغلب، ولي قطيع إناث يحلم يرضاي.
أحب النطح بلا هوادة، وأفخر أن لي القيادة.
ولي رأسا لا يلين، ولكن لا عقل فيه.
مما قال الكبش.

أي حيوان أعجبك مقاله وراقكم ما قال!!

منشورات ذات صلة

تحية لرجل من زمن الخالدين
الدكتور محمد عيسى داوود، رجل من معدن الرجال الخالدين. موسوعة علمية تفخر بها أمة محمد. يعيش غربة العالم ومكابدة المصلح، ويتخذه الأوغاد غرضا لسهامهم....
< 1 دقيقة للقراءة
زيتونة وعصافير ومولد
أجلس وحيدا تحت شجرة زيتون. أسمع العصافير من حولي تسبّح بالزقزقة. هذه المخلوقات الصغيرة التي تنتمي للأرض والجو معا، تحب الله بفن، وتعبر عن...
< 1 دقيقة للقراءة
والدي…
والدي حبيبي. لم أعرف معنى إحساس الأب حقيقة إلا عندما صرت أبا. حين ضممت ولدي البكر علي لحظة وُلد، رأيت أبي يضمني حين وُلدت....
2 دقائق للقراءة
دعوني احدثكم
دعوني أحدثكم عن طفل كان! صلصال شقاء معجونا بمياه السر. وجع نحيل لم تتركه أكف الشر. يعشق ظلمة ليل الريف الفحل. مكسور الظهر يخط...
2 دقائق للقراءة
فن اللحظة
لدى روحي كم هائل من الصور عن حياتها السابقة، ولديها معطيات ورؤى عما سيأتي. لكني لا املك الا لحظتي الراهنة. زمن “ألست بربكم” قبل...
< 1 دقيقة للقراءة
عشق وكتاب
تشعرني الكتب دائما بالسعادة. رغم أنها قد تحتوي الكثير من الألم، والتواريخ الموغلة في الوجع، والمشاعر المختلطة. لكنني آنس للكتاب، وأعشق المكتبات، وأحب ما...
< 1 دقيقة للقراءة
صباح جميل
صباح الخير. أنا في مكان أحبه. في هذا المكان نمت أجنحتي مجددا، بعد أن كسرتها الريح، منذ خمسة عشر عاما. وفيه ما فيه من...
< 1 دقيقة للقراءة
طاقة جذب
إن لله في أيامه نفحات، فاغتنموها. وإن الحياة تتبع خط الظن. فمن أحسن الظن فيها، وجد على قدر حسن ظنه. ومن أساء الظن فيها،...
< 1 دقيقة للقراءة
بحر وفجر وشاطئ
لي مع الفجر والبحر والشاطئ قصص كثيره. لقد كنت في ريعان الصبا عندما عرفت جمال التدريب على الشاطئ. وكنت طفلا قبل ذلك، عندما عانقني...
< 1 دقيقة للقراءة
راع ورعية
في بواكير الصبا رعيت الغنم، وكنت أشعر بالانس والكثير من البهجة. وفي ذاكرتي مشاهد لا تمحوها الايام عن الطفل الذي كنته، راعيا مع جدي،...
< 1 دقيقة للقراءة