مذكرات ديك

4 دقائق للقراءة

إلى Walt Disney
وروائع كرتون الديك والكلب والثعلب

سئمت هذا العمل..سأستقيل….
طيلة قرون خدمتهم..أجل..كنت أصيح صباحا..فأوقظ مواشيهم وأوقظهم..ثم أنطلق خلف زوجاتي..كانوا لا يتوقفون عن تزويجي غير عابئين بصحتي..وكنت كل ليلة أسهر في القن..أحكي للدجاجات قصص أجدادي حين كنا والنسور أبناء عمومة…وكنا نطير معا..لكن جد جد جد جدي (أحس بالدوار كلما أردت تذكره) قرر ذات يوم أن يخاف من الثعلب، هكذا دون أي مبرر، ربما لأنه كما قيل عاش قصة حب فاشلة مع نسرة أو عقابة…العقبان والنسور رفضت الفكرة وحرمته من محبوبته، فانتكست نفسيته..وتساقط ريشه….وأحس بالخوف…من كل شيء..حتى من الثعلب…وكان العقاب قاسيا..فمن يخاف من الثعلب لا يستحق شرف الطيران، هكذا القانون… هبط ملك النسور من قمة جبل الذهب، وسحب من جدي رخصة الطيران، ثم جاءت ساحرة الجوارح وقرأت عليه تعويذة حولته إلى ديك، وانطلقت المأساة حينها، والأدهى أنهم في بلاد الإغريق أعلنوا الحرب علي…وظلوا يرددون: من خُلق أولا..الدجاجة أم البيضة ، فإن قيل الدجاجة قالوا والدجاجة تأتي من البيضة، وإن قيل البيضة قالوا والبيضة تأتي من الدجاجة، فلماذا لا أحد منهم، لا أحد، تساءل حتى بينه وبين نفسه،: “من خُلق أولا الديك أم الدجاجة؟”
أنا مجرد فنان يغني لهم صباحا ليوقظهم، ولا يرون لي فضلا عليهم، بل يسمّون فني صياحا، يقال صاح الديك، حتى شهرزاد، نسيت كم خدمتها، تقول لشهريار: مولاي..الديك صاح، وأنا في حياتي لم أصح مرة، يقال صاح فلان على زوجته، صاحت من الفزع، أمّا أنا، السيد ديك… أصيح!!!، مستحيل فأنا شجاع جدا،إلا حين أرى الثعلب، فتلك لعنة قديمة، ذلك المجرم، يوم سمع الخبر، لم يصدق أولا، وجاء إلى المزرعة خائفا، وحين لم يجد مقاومة تذكر سيطر على الأرض وهتك أعراضا كثيرة، كم دجاجة قضى عليها وكم صوصا فتك به..لقد كان طيلة حياته ينظر إلى أجدادي يطيرون في الجو مع النسور متحسرا، وحين تحولنا إلى دجاج وقبلنا معاهدة العيش في القن، صار يفتك بنا كما يشاء….
آه من ظلم البشر، ذات مرة كنت أتمشى قليلا خلف القن، وفجأة سمعت قطا يحكي لجرو صغير، كانا يضحكان بمكر، وحين مررت بهما، صمتا، فاختبأت، فقال القط: قضي عليه، ذلك الديك المغرور، وسوف ترى غدا..
في الصباح..نهضت نشطا كعادتي، وصحت..أقصد غنيت، وأذنت بهم أن انهضوا، فوقع حذاء بجانبي، تفاءلت خيرا، أغمضت عيني وصدحت، فارتطم برأسي حذاء وألقى بي من فوق القن فوقعت مغشيا على الأرض، وضحكت الخراف والقطط والجرو الصغير، حتى البقرة الحكيمة ضحكت، ونسيت ما بيننا من عشرة، أحسست بالإهانة، قال صاحب المزرعة وهو ينظر إلي بحقد: اخرس يا غبي..نظرت خلفي، ربما كان ذلك الجرو الغبي هو المقصود، أو أحد الحملان، أعلم كم الحملان غبية وتنقصها الخبرة وتظل تثغو طيلة اليوم، أو الماعز، لكنه ماكر، وليس غبيا، ضربة أخرى بقطعة خشب أفهمتني الحقيقة، احمر وجهي، صحيح ليس لدي سوى منقار وبعض الريش الأحمر أصلا، لكني أحسست حمرة الخجل، ورأيت زوجاتي ينظرن من القن بحسرة..
دخل صاحب المزرعة البيت وهو يقول: منذ الآن لم نعد نحتاج عويلك..لقد جلب لي ابن أخي ما كنت احتاجه، وأعدّله بمزاجي، لا أن أصحو بمزاج ديك أحمق..
عويل..أحمق..أنا؟؟؟ السيد ديك…ما هذا الذي جلبوه…والقط ظل ينظر إلي بمكر شديد ويبتسم للجرو:ألم أقل لك…لقد انتهى..والجرو يرقص من حوله محركا ذيله بنشوة وهو يسأله ولسانه يتدلى شرَهًا: من..من قال لك، كيف عرفت، إنك قط حكيم..
نامت المزرعة مجددا، ولم أعد أغني أبدا ، وانتشر الكسل، ثم جاء الجرّار فحطم قلب البقرة، لكن الحمار قال أنها رحمة من عناء العمل، رغم أنه حمار نشيط جدا…
في الليل تسللت وبت بجانب النافذة، أنظر إلى عدوي الذي أخذ عملي، صرت خائفا على زوجاتي، الدجاجات المسكينات نمن على البيض في حزن، حتى أن الصيصان التي غادرت البيض بعد مدة كانت كلها سوداء، رغم أن دجاجاتي بِيضٌ وبيضهن أبيض، لكن الحزن أسود جدا، ولا وجود لديك أسود في الجوار لأصدّق شكوك ابن عرس الذي يتسلل كل مرة لينكد علي حياتي..
نظرت من خلال النافذة، سمعت صوتا غربيا، لم يكن فيه أي فن ولا أداء، مجرد شيء دائري، لم يصفق بجناحيه ولا أغمض عينيه، فقط رن بقوة، فصفعه صاحب المزرعة: “منبه غبي، ألم أعدّلك على منتصف النهار، الآن منتصف الليل، فاخرس”.. ثم نام..
منبِّهْ!!..ولفّت بي الدنيا، اقترب القط مني وقال: إنه اختراااااع…
لم أفهمه، لكني تساءلت: ترى لو كان المنبه موجودا زمن شهرزاد، هل كان سيفعل فعلي ويبلي بلائي، كان شهريار ليعدّله على هواه، ولكانت شهرزاد المسكينة هلكت، لأن دوري أن أصيح في وقت الذروة لأزيد التشويق وأرغمه على الانتظار ليلة أخرى، غير عابئ بوقت الصباح حقيقة، من سأل عني كيف تحملت ألف ليلة وليلة من السهر والتحفز للحظة التشويق ثم إعلان انتهاء تلك المرحلة من القصة، من يبالي بالديك، من ذكر كيف أني أنقذت حياة شهرزاد ألف ليلة وليلة، فقط يشكرون الحكايات، وأنا، ومن سأل كيف اتفقت معها وأين التقينا، لقد كانت ظروفا عصيبة من القتل والدم، لكننا، أنا وشهرزاد، أنقذنا المدينة، ولا احد فهم أن بيني وبينها قصة حب سرية، وأنها لم تعشق شهريار يوما، كل الثعالب تضحك من هذه القصة وتضرب بها مثلا على كذب معشر الدجاج، وأنا ديك، ولست دجاجة، لكن لا احد يهتم، ويظل الثعلب يشكل أسوأ كوابيسي مع نكران البشر، لكن كل ذلك لا يفزعني.. مثلما يفزعني.. ذلك المنبّه…

دمشق
‏10‏/03‏/2010‏ 11:49:40 ص

منشورات ذات صلة

النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة
حكاية سمعان
كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق...
3 دقائق للقراءة
انبطاح
مهداة: إليهم..وسأستمر في الوقوف.   أفكر في فكرة لم أفكّر فيها من قبل. نفس الفكرة تفكّر أني قد أفكّر فيها. أنتظر في رصيف أفكاري...
2 دقائق للقراءة
مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
4 دقائق للقراءة