مذكرات جندي كرتوني

4 دقائق للقراءة

صرخة أولى

“نحن لم نخض حربا، إنها خيانة، إنها خيانة”..
أحد الجنود العائدين من المعركة
*****

في رقعة شطرنج، لم تدر هذه الحرب، ولكنها التفت كالأفعى على عمود الحكاية ووقعت على ظهرها في قلب الرقعة، وتحت مظلة من القش اللفظي، قامت طائرات عابرات للعشب بإنزال أوراق اللعبة وتكفلت مدرعات بتوزيعها على اللاعبين، وانطلقت الريح خلف اللص الهارب من نص مجاور..
كانت حربا ضروسا، وكان ضرسي ليلتها قد تسوس ولكنني تمالكت نفسي عن اقتلاعه كي لا أخرق الاتفاقية، فقد اتفق فمي في غيابي على أن يسكن ضرس مسوّس قرب ضرس سليم، ولأن السليم من سلّم فقد سلّمت واستلمت وسالمت واستسلمت.
إن أردتم الحقيقة فأنا لم أخطط للانضمام إلى الجيش الذي لم يخطط للحرب أصلا، بل اضطرني ألم الظهر إلى البحث عن مروحة، وحين سألت أول من اعترضني في الطريق الذي لا يؤدي، وجدتني عند الجنرال، وكان “الجنرال مروحة” متفائلا جدا، وقد حرص على تربية شاربيه منذ صغره استعدادا لهذه المناسبة، فالحرب ستثبت أنه، وبما أنه متفائل، فقد ضمني بشدة.. للجيش.

تظنوني كنت خائفا، كلا، في البداية فقط، وفي النهاية قليلا، وحين اندلع القصف أغمضت عيني ورميت سلاحي، وبما أنه سلاح ورقيّ، فقد انطوى وارتد علي فجرح الإصبع الأوسط لكرامتي.
أنا لم أخف، لأنني أعلم أن الأمر كله محض حكاية، فلم كرتوني، مما سأخاف، المقص الذي طاردني في المطار أصابته لعنة فتحول إلى، والمسافة التي تفصل بيني وبين الخيط مسافة قصيرة، لا تعرفون ما هو الخيط، إنه خيط الحكاية، خيط من الدخان والفوضى وكلما وجدتني خارج دور البطولة، قطعت الخيط لأعيد الحكاية من أولها ولأظل البطل الأول والأوحد، ولأني بطل محضوض، فقد رشحني الكاتب لأكون الراوي، وسألتزم الصدق في إخفاء الحقيقة عن المتربصين بها لتشويه سمعة النظام الكرتوني الجديد.
كان معسكرنا يقع.. ولا ينهض، وكلما وقعت واقعة ينبطح ليحسن القنص من خلف الزجاج الأسود، وبدأ استعدادنا للحرب بعد أن، وكان العدو يمتلك الشاشة، وخوفا من أن يضغط على الزر، فقد تظاهرنا، من تظاهروا بالخوف سلموا، ومن تظاهروا بالشجاعة سلّموا، وأنا كنت في المقدمة..
ليلة بعد ليلة، حاصرنا العدو وكان كل جندي من جنوده يحمل مقصا، وكانت أجسادنا الورقية تتلوى وتتحول إلى قصاصات معايدة، ولأن الجنرال خبير في الرقص، فقد زودنا بالصمغ لنلصق قصيدة ابن كلثوم على فم الهزيمة، ولأننا “ملأنا البر حتى ضاق عنا”، فقد أفرغنا أنفسنا من كل شيء ومعنى وقيمة، ولكنه ضاق عنا، فأفرغنا رؤوسنا من كل فكرة، فضاق عنا، فأفرغنا قلوبنا من الحب والأمنيات، من الرحمة النبل من كل ما يملأ القلب، فازداد ضيقا ضاق كم ضاق عنا..
وأفرغ كل جندي حقيبة ذاكرته، هنا أمجاد أجدادنا الراحلين، هنالك راية للفاتحين، وهاهنا اليرموك، حطين، حتى ملامح الأم والأمة، تخلصوا منها قال “الرقيب موجة”، كي لا تثقلكم في صعود النزول، ولكن برغم فراغنا من كل ما يوجد الحجم واللون والكنه، فقد ضاق عنا البر والبحر، ملأناه فأفرغنا، وكان “الرقيب موجة” يفاخر بشطر بيت عمرو بن كلثوم المتبقي: “وماء البحر نملأه سفينا”، ويقول أنه عنه وعن أسرته.

ولكن للتاريخ وللأمانة وإيفاء لحق الأخوة، فإن “الجنرال مروحة” كان يعمل بمطلع معلقة عمرو:
أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاَصبَحينا
وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا
ُشَعشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فيها
إِذا ما الماءُ خالَطَها سَخينا
فكان لا يصحو أبدا، ويعب الخمر عبا، والدم أيضا، وحين تنفذ زجاجات الحانات، يعب من دمنا ما يبرد غلته، ويستر زلته، ويزيد نشوته، ويذكي شهوته.

ذات مرة قبل المعركة الفاصلة، غادرنا “الرقيب موجة” إلى وجه السرعة، وحين أبطأ في العودة ونفذت منا المئونة كتبت إليه وكنت المكلف بأمر الجند بعده:”حضرة الرقيب، نرجو إرسال مئونة للجند قدرها:
*فرشاة ومعجون أسنان لكل جندي ليتمكن من الضحك على العدو أو الضحك له.
*كيس شعير لكل جندي ليصاب بغباوة الحمير ولا يفهم أنه يقاتل في حرب خاسرة.
*سجائر روحية (أو مشروبات روحية) كي لا يصحو أحد من الجند ولا يخاف أثناء المعركة.”
وفعلا، فبعد يومين فقط، انتهى كل شيء، ولمصلحتنا لم نعلم عنه شيئا، وهكذا ترون قيمة التدريب والتجهيز الجيد، كانت حربا كرتونية مذهلة، واستخدمنا كل الأسلحة الكرتونية المتاحة، من صندوق الانتخاب إلى صناديق الفن المعلب، وأذكر أني طعنت عدوا بورقة، فأمسكها وطار فرحا، احتضنني وراح يرقص، كانت ورقة يانصيب، وقد فاز برحلة إلى جزر هاواي، فخلع ملابس الحرب، ولبس ملابس السباحة، وترك لي سلاحه تذكارا.

عندما انتهت الحرب، لم يعد البر ضيقا علينا، لم يعد يحس وجودنا أصلا، لأننا تبللنا كثيرا بسبب مطر انهمر فجأة من الصنبور إذ أن زوجة الجنرال كانت تستحم، كان مطرا من الهتافات والمناديل المطرزة بالكذب، وكان احتفال النصر بهيجا مريجا، فقد حرر الجنرال حزامه ورقص رقصا مبكيا، حينها، نصبت منصة عليها الورد والند وملابس فيها ورق بشكل بشر، وتقدم “الرقيب موجة” وقال:
“نَكْرُشْ…آآآآآ…نَشْرُكْ..أأأأعني نَشْكُرْ… حضرة الجميع، وخاصة على رأسهم، ونرجو أن الصيد والقاطنين خارجه، خصوصا أثناء موسم الحصاد، وعليه بما أنّ بحيث وربما، ونخص بالذكر الّذين.. فلا يسعني إلا”.
صفق الجند بأحذيتهم، وفتل “الجنرال مروحة” شاربيه وهو ينظر بزهو إلى شاشة عملاقة عليها شارة ديزني..

طرابلس
‏ 26‏/06‏/2008‏ 05:00:41 م

منشورات ذات صلة

من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة
حكاية سمعان
كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق...
3 دقائق للقراءة
انبطاح
مهداة: إليهم..وسأستمر في الوقوف.   أفكر في فكرة لم أفكّر فيها من قبل. نفس الفكرة تفكّر أني قد أفكّر فيها. أنتظر في رصيف أفكاري...
2 دقائق للقراءة
مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة