شجرة الحكمة وجبل الخلود كما وصفهما مخطوط ينسب للمعلم الكبير من روايتي: المعلم الكبير

11 دقائق للقراءة

حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة.
وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة، ومن حولي كرة من البلور المائي تعزلني كي لا يلامسني نوره فأذوب، لقد علمني الكثير، وها أنا أمضي إلى جبل الخلود، بعد ان تخليت عن كل شيء، وبعد أن فقدت اللهفة إلى أي شيء.

حين تجاوزت السدم المظلمة وانفتحت أبواب النور نزل من أعلى الكرة البلورية كأس تشكل أمامي بسرعة ثم انسكب فيه ماء أزرق وردد الصوت في ذهني اشرب هذا الماء.
كان أبرد وأعذب من قدرتي على وصفه، حينها جف جلدي ثم تساقط من حولي كجلد الثعبان وتبخر ، ومن داخلي انبعث ضوء عجيب وصرت أستطيع الرؤية من خلال السدم تحتي كأنها زجاج شفاف، فرأيت المجرات والكواكب والأرض ككرة زرقاء، رأيت أرجاءها وأبعادها، ورأيت الكهف الذي لازلت متربعا فيه،
وفي عقلي بدأت الأصوات تتضح،كأنها ترانيم في معبد.
غمرني الضوء فتوقف نبض قلبي وبدأت يدي تختفي، ثم تجدد النبض بشكل أهدأ وبدت لي يدي أشد بياضا ونقاء كيد رضيع.
وقفت مجردا، والغمام يغطيني، ثم جاءت من أسفل قدمي فراشة ملونة التصقت بأصابعي وبدأت تتحول إلى حرير أو ما شابه لتصبح في لمح البصـر ملابس ملونة بين البياض والزرقة كملابس الرهبان.
حينها تبخرت الكرة وانقشعت الغيمة لأجدني ذرة في سفح .
شجرة الحكمة في قمة الجبل، والجبل من الماس أو ما يشبه الماء، عليه زهور ماسية وأشجار من الضوء.
كل الحيوانات كانت بلورية تشع بشكل عجيب وتتحرك بسـرعة كبيرة، وكنت أعجب كيف أستطيع رؤيتها رغم سرعتها الضوئية.
السماء كانت هرمية الشكل والسحب بعيدة للغاية، والكواكب تبدو جلية قريبة.
لا معنى في ذلك الكون لليل والنهار، كل شيء يشع بشكل مبهر.
والأقمار والشموس تصطف معا في أفق واحد.
كون من الزمرد والجوهر والماس، عالم من النقاء الكامل والنور المطلق.
حلقت من حولي طيور ضوئية، لها أجنحة فيها ملايين الألوان تنبض بالحياة.
وسمعت بلابل تشدو، ورأيت الألحان كخيوط النور الملون تخرج من بين مناقيرها الماسية وتنتشـر.
المياه صافية والأسماك كلها من البلور واللازورد، وكان البحر فوقي وتحتي ومن حولي، ماء شفاف فيه سمك من ضوء وبلور، وطيور كبيرة تبدو من بعيد في نور أزرق فيه بياض يحيط بكل شيء كالستار.
لمست يدي زهرة فتناثرت كقطرات ماء ضوئية ثم اجتمعت من جديد بألوان أجمل.
كان كل شيء يتجدد ويتفاعل ويتحرك بانسجام، وكان النور في كل شيء.
وقد بدا لي أن الكون الذي صرت فيه مبلل بالقطر أو الندى أو الماء الضوئي، والهواء بارد لكنه برد عجيب تعشقه الروح فتزداد نورا.
وحين توغل ذلك الهواء فيّ صرت شفافا أكثر حتى أني لم أستطع رؤية يدي لكأني بلور ضوئي، ماس شفاف أو ماء متجسم برقة وتماسك.
لم أعد أفرق بين جسمي وروحي، فروحي تجسمت وتكثفت وجسمي رق وتخلل، بدني استقر في عالم الجسد، وجسدي انتقل إلى عالم البدن الموازي له، حتى كأني أعمدة من الضوء والنور والماء المتكاثف اللطيف المتخلل.
شعرت فجأة أني موصول بكل شيء، وكل شيء موصول بكل شيء، موصول بموصول والموصول به موصول بما هو حوله وبما هو أعلى، فما عدت أشعر بانفصالي عن كل ما حولي.
ابتسم التنين الذي كان يشاهد أفكاري في بلورة أمامه، وقال لي دون أن ينطق بكلمة: كل شيء هاهنا متصل كأنه واحد،منسجم كأنه كل، متميز رغم كل ذلك ومستقل.
إنه تناغم عالم النور، حيث أوصلك نقاء روحك، وحيث بلغ بك التمرين الشاق والتدريب المضني والتأمل الطويل.

لم أتخيل يوما شجرة تتكلم، لكن حتى الحجارة التي كنت أمشي عليها ولا ألمسها كانت تصدر طاقة تترجمها روحي إلى كلمات،كل شيء يتكلم باللون واللحن والذبذبة والطاقة.
رفعتني موجة من النور إلى أعلى،كان البحر يسبح في الفضاء من حولي وكانت الأسماك تتناغم في رقص ضوئي مع أسراب الطيور ، ثم وضعتني موجة أخرى أمام جذع الشجرة.
كانت الجذور تضرب في أعماق الجبل فلا أدري هل الجبل يمنحها الحكمة أم هي تمنحه الخلود.
رفعت بصري فكانت الأغصان تمتد لأكوان أخرى.
التنين الأكبر كان أكبر من كل ما رأيت من قبل، والشجرة كانت أكبر منه، والجبل كان كونا كاملا، ومن حوله كانت بحار النور الممتدة، وفوقه غمائم وفوق الغمائم سحب بلورية فوقها أقمار وشموس وكواكب درية وماسية، فوق ذلك ستار من نور تسبح فيه كائنات عملاقة يتردد لها صوت كالنشيد.
وفي كل هذا عوالم من الحياة والضوء والطاقة والكائنات.
عيني كانت ترى الأدنى والأعلى كأنهما سواء، وترى الأصغر والأصغر منه، فيبين في كل ذرة صغيرة كون مخبوء، فيه أكوان كثيرة في كل كونٍ كون ينضوي فيه ويكوّن نسيجه.
نظرت إلى يدي فإذا الخلايا فيها تبدو أكوانا، فيها أكوان أخرى، إلى الجينات وما أدنى.
سألت هل يمكنني ان أرى عقلي، فإذا بي أقع من فوق في تشكيل من المجرات المضيئة التي تمثل أفكاري وخلايا دماغي، ثم أغادر سريعا إلى تشكلي الأكبر، ثم أغدو بسرعة أكبر حجما، ويبدو لي حينها كون يحيط الجبل والكون الذي كنت فيه، حتى كأني أحتوي ذلك الكون الشاسع في قبضتي، ثم بدت تحتي الأرض التي تركتها والكواكب والمجرات والسماء كنقاط صغيرة.
وقفت أمام الشجرة وانحنيت على ركبة ونصف في تحية هادئة واحترام كبير، فجأة رأيت التنين الأبيض يتحول إلى رجل، بملابس بيضاء وفي يده عصا كأنها صولجان، وعلى جبينه ضوء أخضـر عجيب، وفي الضوء الأخضر دائرة حمراء متوهجة، وفي عينيه زرقة غريبة لم أر مثلها، تشع فيها أكوان كثيرة.
تحرك بسرعة من حولي فبدأ جيشا كاملا فيه ملايين الأشكال والوجوه والأشخاص، ابتسم لما استقر أمامي وقال: كل هؤلاء أنا، وما من واحد منهم هو انا تماما، إنها تشكلاتي الكثيرة التي لا تمثل جوهري بل أثواب شكلية أرتديها، وهنا في عوالم المثال يسهل علينا ذلك، وحتى في عالمك الأرضي فهو علي يسير.
فتح كفه فرأيت حياتي الماضية: لقد التقيته مرارا ولم أعرف، مرة في ذلك المزارع الذي قص علي حكاية التنانين، ومرة في البحار الذي حملني بزورقة من مدينتي إلى عاصمة الامبراطورية.
ومرة في السائل العجوز الذي أعطيته ما بقي عندي من فضة.
واخرى في الشاب العنيف الذي تحداني وقاتلني بضراوة ثم اختفى فجأة.
ورأيته في صورة المعلم الذي قابلته مرة في كهف، وأعطاني كتابا من دون كتابة، ولم أتمكن من رؤية ما فيه حتى الان، لكن الكتاب ظهر أمامي بإشارة من يده، لقد كان مليئا بالصور الحية التي تتحرك كما نتحرك في الحياة، كانت صورا لأجيال وعصور، وبدا فيها انفجار لهباءة، ثم تركيب الكون من الأدنى إلى الأكبر، ثم الوجود كله وما فيه، وقصص التنانين والأرضيين والموازين لهم من أهل العوالم، وصولا إلى أجدادي وأبي وأمي، إلى صورتي وأنا أكبر في السن، إلى خروجي من جسدي وارتفاعي، وقبر عليه صورتي، إلى أحفادي، إلى شاب يحمل كتابي الذي سأكتبه، إلى اليابان وإلى حرب العالم الأخيرة، وبلد اسمه فرنسا، وشاب اسمه هنري، ومعلم له يشبهني، إلى آخرين يشبهونني في ملابس وعصور مختلفة، إلى مخلوقات مشوهة، وانفجار وزلزلة ونار، وكل شيء يتحول في لمح إلى هباء، كرة من الشعاع والذبذبة والوهج، ثم بدا لي السحاب الذي لا مثيل من قبل له، والأرض منبسطة والجبال كالزبد، وشاهدت السيل من ماء ضوئي أبيض ووردي وأخضر، وآخر ظلامي لزج أسود وأزرق غامق، ونظرت خروج أهل القبور من قبورهم، كأنهم الجراد الذي هاجم الامبراطورية منذ أعوام، وهم على ألوان وأحجام مختلفة…
ثم ظهر نور ساطع أبهرني فلم استطع النظر، وخرج من الكتاب ضوء مع صوت قوي كصيحة مقاتلي فن الذئب في بطن وادي الناب الفضي، حيث تقاتلت مع زعيمهم..
سارع الرجل التنين بإغلاق الكتاب وقال: في هذا الكتاب لم نفرط في شيء، إنه أم الكتاب.
شاب يشبهني اقترب مني مسرعا وهو يحمل سيفا على كتفه، نظر في عينيّ فرأيتُني، وتشكل أمامي بكل أشكال الذين يشبهونني أو أشبههم قبل حياتي الأرضية وبعدها. قال المعلم التنين: ذلك قرينك العلوي، وأولئك توائمك الروحيون الذين سيقارنهم بعدك أو قارنهم قبلك.
فتح كوة وقال انظر، نظرت أسفل مني بعيدا بعيدا فبدا مسخ فيه مني شبه، تشكل كالدخان سريعا ليكون نسخة مني، لكن كلها عجرفة ومكر وخيلاء.
حياني ثم التف كالدخان الاسود واختفى، وبدا حينها كون مظلم في أسفله تنين أسود بعين واحدة ينظر إلى وعينه تشتعل بنار حمراء فيها سواد لم أر سوادا مثله.
قال المعلم التنين: ذاك قرينك السفلي، ولكننا خلصناك منها وانت دفعت الثمن من تأملاتك وتدريبك وصومك.
أما التنين الأسود فهو ملك الظلام والحقد والفتنة، قاتلته قبل فجر الكائنات الأولى وأفقدته إحدى عينيه وسجنته، ولكنه سيتحرر قبل النهاية، ليقوم بالمهمة الختامية.
ظهر من فوقي جيش، ثم رأيت المعلم التنين يلف بسرعة ليتحول إلى كائن عملاق له قرنان من نور، وبدا من تحت قدمي مخلوق كالثور له قرنان من دخان وظلام ونار.
زمجر صاحب القرنين: ذاك المفتون أراد أن يشبهني فمُسخ على تلك الهيئة.
فتح كوة في صدره فظهرت كواكب وكائنات كثيرة، وهو يحكم بينهم، ويجمع السدين على كائنات مفزعة كثيرة في كوكب بعيد، ثم رأيته يهدم السد وتلك الكائنات تنزل إلى عالم الأرضيين بسرعة الضوء وتدمر كل شيء في طريقها.
أغمضت عيني، فانفتحت عين في جبيني، نظرت فرأيت كل شيء بشكل أجلى، وبدا لي حينها الماضي والحاضر والمستقبل لحظة واحدة متكتلة مجتمعة، بذرة من الزمن المنصهر. وظهر لي الأعلى والأسفل وما حولي وما انا فيه وما هو فيّ، وما ينطوي صغرا أو يطوي كبرا، كتلة واحدة من المكان، بذرة مكانية منصهرة.
ثم بدا لي التحام البذرتين في نواة واحدة، يبدو فيها المكان كله والزمان كله، وفجأة غادرت ذلك ووجدتني مجددا أمام التنين الكبير تحت الشجرة فوق الجبل.
كلمني فقال: انهض وتأمل دون أن تفتح عينيك.
فوقفت ونظرت فإذا فوق كل ما أراه برازخ من النور، وإذا كل ذرة مني لها أعين ترى وألسنة تنطق، بلغات لم أفهمها، كلها تناجي الواحد الأعظم.
لم تكن الأعين أعينا على الحقيقة، ولا الألسنة ألسنة كما يعرف البشر، كانت…
برمجة، ابتسم المعلم التنين، سوف يكتشفون ذلك مرتين، ويكون سبب دمارهم مرة، مرة في إرم الأولى، ومرة في إرم الأخيرة.
ظهرت مع كلماته علوم وحسابات ونظم وآليات ومدن وحضارات وأطباق تطير وأمور أخرى عرفها عقلي حينها وفهمها وعيي لحظتها، ولا أدري من أين أو كيف.
أغمضت عيني مجددا، وفتحتهما فوجدتني في أرض خضـراء،وأمامي الرجل – التنين بوجه مهيب ونور مشع، لم أستطع النظر إلى وجهه لكنه وضع يده على كتفي وقال لي: تقدم قليلا معي، ولا تتحرك من مكانك.
فمشيت بكلي إلى الأمام، وإذ بي أغادر تجسمي الذي لا هو روح ولا هو جسد، وأصبح بلا يد ولا قدم ولا أطراف، صرت الهواء والضوء، ولامست كل ما حولي. ورأيت بلا عين وسمعت بلا أذن. ثم تجمعت تجمع الأضواء لأصبح رجلا آخر أكثر شفافية ونورا.
نظرت خلفي دون أن ألتفت فرأيتُني هيكلا من البلور ، وأمامي كانت الشجرة ولكن كان بإمكاني تمييز حجمها ورؤية أبعادها.
قال المعلم التنين الذي تشكل مجددا في شكل شيخ يلبس لباسا أخضر: كن أي شكل تريد، كن أي كائن تود.
وتصورتني عصفورا فوجدتني في الحين أتحول إلى ضوء ثم أصبح عصفورا ملونا مضيئا، وبسرعة تحولت مع تحول أفكاري إلى كل ما تخيلته من كائنات،كنت النمر والنسر والغيمة وكنت كل شيء.
ثم تحولت إلى تنين وتوغلت في أبعاد بعيدة وعوالم عديدة، حتى بلغت هرما ذهبيا عليه جوهرة كبيرة حمراء، انفتحت لي فدخلت الهرم ورأيت صورا وأطيافا وسمعت أصواتا من أكثر من عالم وفيها جزء صغير في ماسة تحمل صور عالم الفانين وقصصهم كلها، لكنها تبدو من حولي وأبدو كأني جزء منها وتلامسني الأشياء والأشخاص ولكن تنفذ من خلالي أو أنفذ من خلالها.
كل شيء بدا مثلما في الكتاب الذي كان عند المعلم الأخضر، أو الرجل التنين، ولكنه لم يكن منطويا فيه بل أصبح كونا كاملا من حولي.
قال المعلم: تلك أبعاد تساعية طيفية من الماضي والمستقبل، تكون فيها وتكون من حولك. وهنالك ما هو أعلى حيث تلتقي الازمنة والأمكنة حتى يكون المستقبل ماضيا ويصير الحاضر والماضي والاتي سواء.
وما أنت فيه هو القلم.
تم كل شيء بسرعة لا يمكن لخيال فان أن يتصورها، رأيت الأرقام التي لا يمكنني إحصاؤها، كل شيء مرقم، كل ذرة وكل مجرة وكل كائن وكل تكوين ومكوّن وكينونة، كل جسد وكل ما يحتويه من فكر وشعور وخلايا وما فيها، كل برمجة في الجينات وكل اتصال لها بما قبلها وما بعدها.
كل مخلوق ورقمه وتسلسله إلى أبويه وإلى أجداده إلى الأول منهم.
كان كتابا رقميا عجيبا داخل الهرم، وكانت عيني حينها لا ترى سوى الأرقام، وناداني مناد: ذاك هو الكتاب المرقوم الأعظم. ما غادر شيئا إلا وأحصاه عددا إلا ما انفرد به علم الواحد العظيم.
انفتحت بوابة أخرى فعبرتها سريعا، وإذا بي في كون من الأصوات التي تتكلم في نفس الوقت على اختلاف ترددها وذبذبتها ونوعها، من صوت الطفل إلى صوت العجوز، ومن الصوت الرخيم إلى الصوت الأجش، ومن الغناء العذب إلى العويل المفزع، ومن كلمات العشق إلى الصراخ الحربي.
ثم تشابكت معها أصوات كائنات أخرى، والحيوانات والأشياء كلها، ذبذبات استطعت أن أسمعها معا وأن أفصل بينها بقوة مذهلة.
كل صوت أو صورة أو مشهد يتم تسجيله ونضعه هنا، وكل شيء من حولك جهاز للتسجيل الطيفي والذبذبي، قال صوت في صدري.
ثم بدت لي كتابة أولى تلتها كتابة أخرى، حروف ورموز ونقوش، كلمات على الطين وأخرى على الورق والحديد والذهب والعناصر والجينات.
تناثرت إلى ما لا يحصى من الكتابات، ثم سمعت ملايين الكلمات بأصواتها المختلفة تعبر عن مدلول ما وتدل عليه، وكما أن المدلولات في الأشياء والمعاني لا حصر لها، فإن الدوال التي تدل عليها أضعاف أضعافها، بين التي تخبر حقيقة، وتلك التي تراوغ في ثنايا المجاز والانشاء والابداع.
رأيت قطرة ماء، ثم ظهرت من حولها غيمة من الأصوات والكلمات التي تظهر حروفها وتختفي لتعبر عن الماء، هذه بلغة المرج الأصفر، وأخرى بلغة وادي العقيق، وتلك بلغة نهر الجبابرة، وآخر بلسان إرم، ولسان بابل الاولى وأكاد وآشور وكوش ومصر على عصورها واختلاف من سكنها، والهند ومن فيها، ومينوس وأطلنتس، وتيبت ومايا وأنكا والاغريق والروم، وأقوام العرب، وآخرون فرنجة وفرس وهنود حمر وبيض يأتون إليهم من خلف البحار، وعصور وأمصار ومدن وشعوب لها لغاتها الكثيرة كلها تُعبّر بأشكال وأصوات عن قطرة الماء تلك.
أما الشعراء فقد أتعبوني، هذا يرى تلك القطرة حبيبته والآخر يراها البحر المنطوي في قطرة، وآخرون كتبوا أنها الحياة، وسواهم ذكر في قصيدته أن الموت يحمله كف الماء أيضا. ورأيت للماء معان، من الماء الأول إلى ماء الحياة وماء الطوفان وماء الأفق الفوقي وماء الجوف وماء النسل والخلق والتخليق، وماء الطوفان وماء سحب القيامة، وماء الجنة العالية حيث الجمال الأكمل الذي تظمأ إليه الروح، وكل أشكال المياه.
لقد سمعت جميع أناشيد الشعراء وأغانيهم عن قطرة الماء، ثم عبر شيء في ذهني كالضوء إلى كل المدلولات التي كتب عنها القلم نثرا وشعرا، من المبنى أو المعنى، من المنزل الذي تسكنه، إلى العشق الذي يسكنك، ومن الزمن الذي مضى، إلى اللحظة التي أنت فيها، فلم أعد أستطيع تحمل الضوضاء.
وعيت كل اللغات في لمحة عين، ثم بدت لي كائنات أخرى من نار ودخان ومعادن شتى، تتكلم بألسنة أخرى، وتكتب بحروف وطرق أخرى، ومن فوقها عوالم وعوالم من نور فيها كائنات لها لغاتها أيضا.
وبدت لي الأرض والكواكب وما فوقها، ناطقة بمنطقها.
وظهرت الذرات وتشكيلات العوالم من معادن وكيمياء وقوانين، والكواكب كلها وما حولها، والخلايا وما فيها، والطيور من مختلف العوالم، وباقي الحيوانات، والتنانين أيضا، وكائنات النور والضوء، كلها لها لغاتها أو منطق التعبير الخاص بها. وكلها تتفاعل فيما بينها بخيط يربطها نحو الاعلى، وخيوط من نور تشدها إلى بعضها.
لقد حويت من المعنى ما تعجز لغتي عن التعبير عنه بكل كلماتها وفنونها القولية والمجازية.
قيل لي من حيث لا أدري: ذلك الكتاب الفصل الذي فيه تفصيل كل اللغات.
ثم سمعت صوت الرجل التنين يناديني: ارجع ولا تعد.
فوجدتني مجددا تحت الشجرة في تلك الأرض الخضراء المضيئة.
فقال لي: امتلك ولا تأخذ.
امتد إلى غصن من أغصان الشجرة،كانت أوراقه تضيء،شفافة ملونة،لكل ورقة لون، وعليه من كل الثمار،كل ما يتصور الفانون من ثمار الأرض كان على غصن واحد من أغصان شجرة الحكمة في جبل الخلود.
أمسكت تمرة وتفاحة وزيتونة.
أكلت التمرة وألقيت نواتها فرجعت إلى يدي،كانت النواة نوعا من الأحجار الكريمة، أما طعم التمرة فليس في اللغة التي أكتب بها كلمة يمكنها تقريب الوصف، وكنت حين أكلتها شربت وأكلت في نفس الوقت،كانت ماء وكانت غذاء، ولم تكن أي شيء يمكن تصوره.
وضعت النواة مع التفاحة والزيتونة في كفي، رجعت فجأة إلى تجسمي النوراني الذي تركته خلفي.
فتحت عيني.
وجدتني فوق غيمة والجبل يطير فوقي بعيدا.
فتحت عيني.
وجدتني في أطراف السماء يحملني شهاب بلوري ومن حولي ملايين التنانين الملونة.
فتحت عيني.
وجدتني فوق المعبد.
فتحت عيني.
وجدتني في وضعية التأمل وقد شكلت يدي فوق رجلي وانا متربع، وكان جسدي يتصبب عرقا، وأمامي كانت التفاحة والزيتونة والنواة،وحين أردت لمسها لم أستطع،أغمضت عيني مجددا فخرجت يد ضوئية من يدي الجسدية وحملت الثمرتين والنواة ووضعت كل ذلك في صدري.
كان التنين أمامي بشكل الرجل ثم ابتسم وتحول إلى تنين ثم إلى غيمة ضوء انفجرت وتحولت إلى نقطة صغيرة بيضاء اختفت واختفى معها بقية التنانين.
فتحت عيني وكانت الشمس لم تشرق بعد على الكهف الذي بنيت فيه وبجانبه معبد التنين الأبيض، أول معبد للفنون التأملية والدفاعية، وفي الخارج كانت أصوات تلاميذي السبعة تصلني وهم يتهامسون، لكني كنت أسمع دقات قلب كل واحد وفكرة كل واحد منهم.
وحين مشيت إلى الخارج، رأيت الحب والسلم والضوء والنور في كل شيء.
رأيته روحا واحدا يحركه روح واحد، نور يمنحه نور أعلى حياته وطاقته. ورأيت الآلهة التي كنت أسمع قصصها وأعتقد في بعضها تختفي كلها ليظهر قوي مفرد لا غير.
حينها بدأت أفقد كل ظلمة في نفسي، وألتقي جمال الخالق الواحد، في كل متعدد خلقه.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت كتابة كتابي، كتاب السلم، كتاب المعلم الكبير،كتاب سينتقل من يد إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر.
وكنت حينها وأنا أقف في معبد فوق قمة جبل في أرض الصين، أرى آلاف السنين التي ستأتي، وأعلم يقينا ما سيكون من أمرها.

منشورات ذات صلة

النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة
حكاية سمعان
كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق...
3 دقائق للقراءة
انبطاح
مهداة: إليهم..وسأستمر في الوقوف.   أفكر في فكرة لم أفكّر فيها من قبل. نفس الفكرة تفكّر أني قد أفكّر فيها. أنتظر في رصيف أفكاري...
2 دقائق للقراءة
مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
4 دقائق للقراءة