حكاية سمعان

3 دقائق للقراءة

كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق الصحراء.

لقد كان سمع “سمعان” سمعا فريدا، لكنه لم يكن يقدر على الكلام. قيل أنه لم يكن أبكما، إنما اختار الصمت، لكثرة الضجيج الذي في رأسه، أو لإخفاء ما يسمعه مما يصل مسامعه من خلف جدران البيوت المغلقة، أو من خلف أضلع القلوب ومغاليق الأذهان.

لسمعان شقيقان، أحدهما سافر في تجارة، والثاني دائم السكر واللهو، وله حبيبة تقول له ما لا يقوله قلبها، ويقول قلبها ما لا يبديه لسانها، وهي لم تكن تدعي الحب بل كانت تدعي التجاهل والنفور خوفا مما قاله الناس عنه، وكانت في أعماقها تعشقه.

لقد كان فتيا قويا، عميق النظرة، يبدو كأن الجن تسكنه، أو أن الأرواح تحدثه. وكان صمته الدائم مما يخيف الناس منه.

يذكر أهل القبيلة كيف تسلل اللصوص ذات ليلة، في حذر شديد، وكانوا يسرعون بخفة كأنهم ذئاب الوادي، متجهين إلى خيمة سيد القوم حيث الدنانير الذهبية والاساور الغالية. لم يكسر أحدهم غصنا ولا أصدر صوتا، وكانوا ملثمين لا يُسمع لهم نفس، لكنهم وجدوا ذلك الرجل الغامض ينتظرهم، وقبل أن يقوموا بأية حركة، كانوا في فخ نصبه لهم بإحكام، معلقين كطيور في مصيدة.

قيل أنه سمعهم قبل وصولهم، وقيل رآهم كزرقاء اليمامة.

كان سمعان يعرف أسرار القبيلة، ويسمع جهرهم وسرهم، وكان رأسه مثقلا بهمومهم، وقلبه متعبا من أسرارهم، وتناقضاتهم، وكذبهم ونفاقهم، معجبا بصدقهم ساخرا من قدرتهم على الكذب.

في الليالي المظلمة الباردة التي يخشى عتاة الرجال الخروج فيها، كان سمعان يتسلل كالقط البري، ويوغل في العتمة المؤنسة، مستمتعا بالصمت المخيم، حيث هدأت أصوات الناس وسكنت أفكارهم واستسلموا للنعاس.

وفي تلك السويعات كان يلقي خطبه العصماء على الكثبان، مستحضرا ما حفظه من أشعار ذاكرا ما عرفه من أسرار وما بلغه من أخبار. مرتجلا بعض الشعر. فقد كان يحفظ ما يسمع، ويجيد القريض كما لا يبلغه امرئ القيس ولا ابن خدام قبله.

في ليلة من ليالي القمر، نام سمعان في مغارة، مختفيا من أعين الفضوليين الذين يراقبونه بخشية لم يتخلوا عنها رغم انقاذه لهم مرات كثيرة، وكثرة العجائب التي قام بها، كتلك الليلة التي انقذ فيها كنز القبيلة وذهبها من أقوى لصوص الصحراء، وقال بعض الحاسدين أن الجن فعلت ذلك، وأنهم يخدمونه.

في منامه رأى رجلا مهيبا يقف تحت شجرة باسقة فيها كل الثمر الذي يعرفه والذي لم يسبق أن رآه لكنه في الحلم عرفه.

أشار الرجل إليه فتقدّم وأشار إلى غصن فنزل وتناول منه حبة تمر وحبة أخرى مرة كأنها جمرة وقال أيهما تختار: إن صدقتهم فصدقك جمر، وإن أحسنت الكلام فإحسانك تمر.

قال بل أحسنه، فلا أذكر عيبا اطلعت عليه ولا أفشي سرا، إنما أتخذ الحكمة سبيلا.

ابتسم الشيخ وقال: الآن تتكلم.

كان ذلك الموعد الثلاثون.

لقد رأى نفس الرجل ثلاثين مرة، في موعد ياتي كل عام.

وتحت ذات الشجرة كانا يلتقيان، وكان يمتحنه، ولم يكن يجد عنده الصبر على ما يسمع، ولا الكتمان لما يعلم، وأحيانا يلقاه غاضبا من فساد البشر ونفاقهم، متألما من كذبهم، راغبا في كشف مستور وفضح مؤامرة وإخبار مخدوع بحقيقة من خدعه. وفي كل مرة كان الشيخ يأمره بالصمت، وكان يعجز عن الكلام في الملأ، ولا ينطق إلا في الليالي المظلمة موغلا في الكثبان لا يسمعه أحد سوى الريح وسباع الصحراء.

في عامه الأربعين مشى سمعان بعيدا، ومضى مع الغيم إلى قبائل كثيرة، وسافر مع القوافل، دخل مدنا عديدة، وحفظ لغاتا وفنونا من القول، وحدث كل أهل لسان بلسانهم.

قرّبه الملوك، وتحداه الكهنة فهزمهم، وأول الرؤى ووجد الخبيئة وأنصف المظلوم متى وجد لذلك سبيلا.

قال رواة آخرون: بل هدد كل صاحب سر بسره، وأخذ ماله، وابتز زوجات الأغنياء، واستغل سذاجة الناس ليصير عليهم ملكا. وكان يسمع ما تخفي ألسنتهم في طي صدورها، ويتقن استغلال ذلك.

وهذا لم ينتشر عنه إلا في قبيلته، ولم يروه إلا بعض اللذين نشؤوا على حسده والخوف منه.

وبعضهم حدث أنه تزوج من زرقاء اليمامة، فقد كانت ترى أبعد وكان يسمع أكثر. وحين أتى الغزاة بخدعة الشجر ولم يصدقها قومها، أتى مسرعا وأخذها على فرس ربحه من عنترة في رهان او مبارزة، حيث كان يسمع حركاته في ذهنه فيسبقه لصدها.

الذين رأوا سمعان يحمل زرقاء اليمامة على الأبجر كانوا قلة، لكن كثيرا من الناس حدثوا أنه صحب الصعاليك وكان صديقا للشنفرى وسليك وتأبط. وكانت له مع عروة ابن الورد أخبار.

كل هذا لا يهم.

المهم أن سمعان عاش في خيال كاتب ليومين، ولم يستطع تحمل الأصوات التي فيه، ولا قدر على فوضى مشاعره وحروب ذاته مع ذاته، فاختار قبيلة ما في صحاري العرب، وكالعنكبوت نسج قصة، واختبأ فيها.

 

 

سوسة 13 ماي 2020

منشورات ذات صلة

لأمر يستحق -قصة قصيرة جدا-
كنت طفلا في كوخ الطين، حافي القدمين رث الثوب، وكان في قلبي يقين بغد مختلفة، وذات مختلفة عن ذاتي التي أراها. وقفت أمام المرآة...
2 دقائق للقراءة
انتهى الوقت
ذات مساء هادئ مسكون بالهواجس والرغبات، جلس ثري بملابسه الثمينة وساعته الغالية على طاولة مما يكون قصور الأثرياء، وقد بسط أمامه الدنيا التي أوتاها:...
3 دقائق للقراءة
كأس ماء
  لم يعلم ما الذي أوصله إليها. كانت ممتدة على مرمى البصر، بكثبانها الهائلة، ورمالها التي تذروها الرياح. كان الصمت مهيمنا رهيبا كمجلس حاكم...
2 دقائق للقراءة
لستُ وهما
لأيام طويلة لم يكتب إليها شيئا. كان يشعر بفراغ كبير في قلبه، بخواء رهيب في عقله، وبصراخ يمتد على مساحات روحه الممتدة في عوالم...
2 دقائق للقراءة
من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة