حكاية بلبل

5 دقائق للقراءة

يحكى أن في فجر الحكايات الاولى…كانت جزيرة فوق الغيم المحاط ببحار السماء…حيث يتوقف الزمن ويتلاشى المكان وتنعدم الحدود…ولد حلم…تشكّل سريعا حتى أصبح بلون ونكهة وشذى…ثم امتزج فيه اللون والنكهة والشذى…فصارا ترنيمة عذبة…حينها تساقط بعض رذاذ الضوء.. وولد النغم.
بين الألوان والأنغام والنكهات والعطور تمازجت عوالم ومعاني…وفي غابة خضراء في مكان من أمكنة التحقق…صار ذلك الحلم ممكنا…وذلك النغم متاحا…وعلى رقصات الفجر وتناغم الماء مع الحجارة المصقولة…وفي تراقص الأغصان وتمايل الزهور اليانعة…تبدّت الألوان زاهية وتجلّت النكهات زكيّة وانهمرت الألحان شجية وانتشر الشذى. وعندما اكتمل القمر بدرا وُلدت الموسيقى. ومن رحم النور تشكّل طائر جميل، يشدو ببديع النغم ويتزيّن برائع اللون ويرفرف في آفاق الروعة…
ربما سميته البلبل، أو الشحرور، أو طائر الجنّة، لكن الأكيد أن ألوانه البديعة وشجوه الرائع ليس من عالم الفناء، فهو نفحة من أكوان الخلود العظيمة.
اعتقد طويلا أنه الوحيد من نوعه، وكان محطّ أنظار سكان الغابة أينما مضى، كل تلك الكائنات كانت تنبهر به وتعشقه، تبكي الأسماك حين تسمع شدوه، وتتراقص الغزلان عشقا حين تلمح ريشه الملون كلوحة فنان. النمور لم تفكّر قط في افتراسه ولو ماتت جوعا، وحتى الذئاب كانت تتوجّس خيفة من مجرد التفكير في أذيّته، لقد كان قدّيس الغابة.
في جانب من جوانب الجزيرة كان جبل شامخ، خلف الجبل كانت الأساطير، وفي ليلة مقمرة التقى الهدهد، فحدّثه عمّا خلف الجبل، فلم يتمالك شوقه ومضى ليرى، وهنالك خلف الجبل كانت غابة أكبر وأجمل. رفرف فوقها وانساب بين أشجارها، وفي ركنها الشرقي وجد شجرة باسقة لم ير مثلها، ثم انهالت عليه الألحان وغمرته الألوان، لقد كانت شجرة عامرة به، أو بنسخ عنه، كانت قبيلة من بني جنسه، إنها شجرة البلابل والشحارير، شجرة النغم الأول.
ليس الراوي معنيا كثيرا بالتفاصيل التي تلت ذلك، ربما لأنه يجهلها، أو يهرب من وجع ذكرها: كانت له أنثى رائعة، عشّ يسكنه، حكايات يرويها، أغانِ لحّنها وكتبت كلماتها الشمس وعزفتها الغابة كلها. وكان الكثير مما طوى ذكره زمن السرد في هروبه نحو اللحظة الراهنة.
قيل: كانت ليلة مطيرة عاصفة، وقيل: بل كان صباحا بكرا يتمطّى كطفل كسلان، وقيل الكثير عن يوم اختفائه، فقد اختفى فجأة، دون أن يعلم عنه أحد شيئا، وغابت ألحانه الآسرة، اختفى فنان الغابة.
يتشكل مزيج من الأصوات في ذهن الغابة وهي تحاول تذكّر تلك الأيام، لكل ساكن من سكانها رواية وشرح يستفيض فيه محاولا فهم ما حصل، لكن الثابت لدى الجميع، أنه اختفى، وغاب، دون رجعة.

فتح عينيه، تسلّل إليه بعض الضوء، حدّق بعينيه الصغيرتين في العتمة، كان كهفا فيما يبدو، حرّك جناحيه فأحس بألم فيهما، شيء من الدوار يعتصر رأسه، وثقل في منقاره، حاول أن يقف لكنّه لم يستطع، وفي أعلى المغارة كانت جموع من طيور لم يرها من قبل، عيون حمراء وأنياب مخيفة، تحرك مسرعا رغم شعوره بالغثيان، رأى ضوء فتبعه، وجد أمامه الشمس بكل ألقها، نظر تحته، كان جبلا شاقها بصخور ناتئة حادة، ألقى بنفسه ومدّ جناحيه، إنه لا يزال طائرا رغم كل شيء.
الغابة هي الغابة، هذا مؤكّد، لكنها لا تشبه ذاتها، شيء ما تغيّر فيها، شيء في دواخله تغيّر أيضا. كانت الأشجار جرداء، والأوراق اليابسة تملأ الأرجاء. لا يذكر تحديدا كيف وصل إلى تلك المغارة، ولا كم مضى عليه من الزمن وهو في غفوته. حطّ فوق غصن، البلبل الدري الموشى بأجمل الألوان، حرّك ريشه ورقص لضوء الشمس، غمرته النشوة فبرقَم وشدا، انتظر أن تتمايل الأغصان، أن تهتزّ الغابة، أم تمدّ كائناتها الصغيرة والكبيرة أعناقها وتتمايل لفنّه البديع، لكن كان الصمت المخيّم المريب.
أغمض عينيه وأنشد بكل قوته، بكل ما في روحه من عشق للنغم وحب للموسيقى، بكل ما في خلاياه من فن. سمع حركة خافتة سرعان ما انقلبت إلى جبلة، فتح عينيه، كانت الأغصان المحيطة بها مليئة بكائنات لا يعرفها، طيور لكنها بلا ألوان، مناقير كبيرة، أعين حاقدة، سواد بأجنحة.
خرج من بين الأشجار طائر بدا له من حجمه ونظرات الآخرين له أنه زعيم تلك الطيور، وقال بصوت أجش: ما هذا يا….لا أعرف ما تكون…ما هذا الصوت المزعج؟
*هذه برقمة.
-وما البرقمة؟
*نشيد البلبل يسمى برقمة.
-بلبل! ما هو البلبل؟ لا توجد بلابل في غابتنا…البلبل أسطورة بالية.
* لكنني بلبل..بلبل دري.
ضحك الجميع وتعالت الضحكات نشازا كنزاع بين قطيع ضباع.
اقترب منه طائر آخر بعين واحدة، وعلى عينه الثانية آثار مخلب سنّور أو قط بري. نظر إلى ريشه المزركش وألوانه الزاهية وقال: يا للقرف…ما هذه الأشياء…ما هذا الريش…إنك لعين بلا شك.
اسمعوا…قال الطائر الكبير مخاطبا آلاف الطيور المحيطة به في الأغصان المتشابكة: يقول أنه بلبل…أسمعتم…هههعععع….بلللللبلللل…آخر بلبل انقرض منذ دهور…يوم كانت هذه الغابة غابة مسحورة ملعونة بالبلابل…مضى زمن طويل وجاء أسلافنا إلى هنا…لتصبح غابة الغربان والبوم…وتتخلص من شر البلابل والشحارير.
خيط من الضوء عبر عقله بسرعة وضرب ذاكرته…وجع كوخز بشوكة متيبّسة. كان ليلتها يرفرف…حلّق بعيدا…أراد أن يبلغ أقصى مدى….ثم كانت تلك…تلك العاصفة…الصاعقة….أجل صاعقة ضربت بالقرب منه….سقط من هولها….ريح قوية تلاعبت به…سقط في هوّة…في مغارة….وغاب عن الوعي…لكن هل غاب عن عين الزمن.
لا يذكر أحد من الرواة زمن غيبوبته تحديدا…شجرة قديمة قالت أنها كانت مجرّد شجيرة صغيرة يوم سمعتهم يتكلمون عنه..البلبل الدري الذي أذهلت ألوانه من رآه، وأطربت ألحانه من سمعه…الغابة كلها بكته أياما وليال طويلة…واشتاقت إلى ألحانه…لا شيء ظلّ حاله بعد غيابه…رددت الكائنات كلها من النسور إلى الزهور والبراعم الصغيرة وسكان الأنهار والبحر الشاسع كلماته وأغانيه…لكنه غاب لا رجعة واختفى بلا أثر…ثم خيّم الحزن على بقية البلابل والشحارير…نسيت مع الزمن أناشيده…تركت النغم فتركتها الحياة…انقرضت كلها…وغمر الغابة صمت رهيب…حتى جاءت الغربان لتنعق وتقتل النغم.

اسمع…حدجه كبير الغربان بنظراته الحاقدة…لا مكان للنشاز في غابتنا…أنت كلك نشاز…الأصوات التي تصدرها..
*أنغام..
– أيا كانت…تلك الأصوات نشاز… وهذه الـــ…على ريشك.
*ألوان
– لا يهم…مهما كانت فهي نشاز…
إن أردت أن تبقى معنا…عليك أن تكون مثلنا…أن تغني مثلنا.
*تعني أنعق مثلكم.
– تغني…تنعق…لا يهم….المهم أن تكون صوتا كأصواتنا…اختر ما تريد…ما ينشده ذلك البوم…أو يقوله الغراب الأعور…لك حرية الاختيار…أما ريشك فالحل يسير…هنالك خلف تلك الشجرة الكبيرة مستنقع تنعم فيه الكثير من العقبان السوداء بسباحة ممتعة….أجل يمكنك أن تنعم معها وتتعلم لغتها…سيكون لك صوت يشبهنا…ريش يشبهنا…تكون مثلنا…ابن وقتك…فهذا ليس زمن البلابل…هذا زمننا…زمن الغربان.
عندما كان يحلّق بعيدا عن الغابة…بعد أن فاجأ كل الطيور بانطلاقته السريعة وعجزت عن الارتفاع إلى حيث ارتفع…حدّث نفسه لأول مرة…فلقد كان منشغلا بالشدو عن محادثتها…وقال: كيف يمكن أن أتخلى عن لوني ولحني وحقيقتي؟ حتى وإن مضى زمني وحل زمن الغربان. كيف يمكن لي أنعق بدل أن أشدو…أن أقع في مستنقعات العقبان السوداء…وأخفي ألواني تحت ركام الوحل.
بعيدا…فوق الغيم المحاط ببحار السماء…حيث يتوقف الزمن ويتلاشى المكان وتنعدم الحدود…في جزيرة تشكّلت في فجر الحكايات الاولى…حيث وُلد الحلم…تشكّل سريعا حتى أصبح بلون ونكهة وشذى…ثم امتزج فيه اللون والنكهة والشذى…فصارا ترنيمة عذبة…حينها تساقط بعض رذاذ الضوء.. وولد النغم…هنالك…كانت جموع البلابل الدرية وشحارير الضوء تتناغم فوق أغصان النور…لم تنقرض…بل سمت وارتفعت…ربما أن زمنا من الصمت والحزن سما بها…
كان يحلّق في أسفل الغيم…بعيدا فوق غابة الغربان…بعيدا تحت جزيرة البلابل…وكانت عين محبة ترمقه من فوق تلك العوالم المترامية….تهمس له: لست وحيدا….لكنه لم يكن يسمع…ولم يكن يعلم…بعد

منشورات ذات صلة

لأمر يستحق -قصة قصيرة جدا-
كنت طفلا في كوخ الطين، حافي القدمين رث الثوب، وكان في قلبي يقين بغد مختلفة، وذات مختلفة عن ذاتي التي أراها. وقفت أمام المرآة...
2 دقائق للقراءة
انتهى الوقت
ذات مساء هادئ مسكون بالهواجس والرغبات، جلس ثري بملابسه الثمينة وساعته الغالية على طاولة مما يكون قصور الأثرياء، وقد بسط أمامه الدنيا التي أوتاها:...
3 دقائق للقراءة
كأس ماء
  لم يعلم ما الذي أوصله إليها. كانت ممتدة على مرمى البصر، بكثبانها الهائلة، ورمالها التي تذروها الرياح. كان الصمت مهيمنا رهيبا كمجلس حاكم...
2 دقائق للقراءة
لستُ وهما
لأيام طويلة لم يكتب إليها شيئا. كان يشعر بفراغ كبير في قلبه، بخواء رهيب في عقله، وبصراخ يمتد على مساحات روحه الممتدة في عوالم...
2 دقائق للقراءة
من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة