حرب المعنى…من تايبنغ إلى برهان. من رواية المعلم

10 دقائق للقراءة

منذ أزمنة سحيقة غابرة ، في عالم بعيد عن عالم الفانين، حيث الخلود ممكن والاندثار ممكن ايضا، هنالك قبل ان توجد ارضكم وشمسكم ، حيث لا حجم ولا مسافة ولا زمن، لكن أبعاد وآباد.
في أبد منها ، في بعد من أبعادها، خلف مجرات الوهج الاول، كان يعيش رجل اسمه “الحب”.
كان يحب، ولا يعرف غير الحب، يحب يده، ونظراته، يحب ذاته، يحب الأرض والسماء، يحب كل الأشياء.
كان فوقه سماء خضراء بنجوم زمردية، وحوله افق ملون وسحب وردية، وتحت السماء الخضراء كان الحب يمشي ويغني ويحب كل شيء.
هو لا يعرف الا بالحب، وما لا يحبه لا يمكنه ان يراه او ان يتذكره.
مرة خفت حبه للشموس من حوله، فلم يعد يراها، فحل الليل مكان النهار وجلس على اهدابه.
وحين احب الليل ظهرت الاقمار وغنت له. لكنه أحس حبا يتيقظ فيه للشموس، فكان الفجر، عشق الفجر، وعشق البحر.
كان هنالك بحر ازرق، وفي الغابة قريبا منه كان هنالك شلال أبيض ونهر ماسي متدفق.
وفي النهر احب السمك، والغيم، والطيور التي تغني، الريح التي تعصف والمطر الذي ينهمر.
وذات يوم نزلت من السماء شمس درية، وتحولت امام عينيه الى امراة.
خرج من قلبه حبل من النور وخرج من قلبها حبل من الضوء واتحدا بقوة، فأصبح لا يرى إلا إذا كانت معه، فإن غابت عنه اظلم الكون من حوله.
بدأ الحب يتعلم فنون الشوق وصنوف العشق والوجد والهيام والدنف، وحين اتته الصبابة مرض بالحمى لاول مرة، لم يعرف قبلها المرض مطلقا، وكان يهذي بها، ومن هذيانه ولد الشعر، وابنعثت الموسيقى.
غابت عنه دهرا فمزق الدهر ليصنع منه اياما يبكيها فيها وليالي يسهرها من اجلها.
أراد أن يتبعها إلى السماء لكنه لم يكن يقدر على الطيران، وحين طارت روحه اليها احس الموت، فشرب من ماء النهر وكلما شرب ازداد ظما، فشرب من ماء البحر الحلو لكنه ازداد ظما، فبكى طويلا على شواطئ الذاكرة، حتى اصبح البحر مالحا.
ثم انها رجعت اليه وعانقته، قبلته مرة واحدة، فتخدر جسده، ومن خيوط الضوء التي عبرت منه اليها ومنها اليه، ولدت الرغبة.
ثم اختفت مجددا، وطال ليله، حتى قرر ان ينزع جسده ويمضي اليها روحا، لكن كل محاولاته فشلت فهو من الخالدين.
وهنالك في السماء كانت أميرة الشمس تعاني من الأسر، فقد سجنها ملك الشموس في سديم بعيد.
في غيابها تعلم كتابة الرسائل وغناء المواويل، والعزف على كل الات الموسيقى، بعضها تولد من مشاعره، والبعض الآخر اخترعه خياله. لحن من اجلها الاغاني باعداد النجوم، حمله الهوى واوقعه النوى وعصفت به الاحزان، .الفراق التهم كبده، والرحيل كحل عينيه بحمم العشق، كتب مرة بعد ان ابتكر لاجلها لغة العشاق: سنة عشقية، بلحظات، ثانية شوقية، بالف عام.
في احد الليالى تسللت من سجنها السماوي البعيد ونزلت اليه، فضح الليل سرها وتنبه الحراس، جرى اليها مسرعا، ضمها، ضمته، اتحدا في الضوء، وتحولا الى روح واحدة، انصهرا، وتبخرا، وتحولا الى شعور قوي رهيب عجيب، اقوى من كل قوة تحت السماوات.
ومن رحيقهما معا وضوء روحهما كان لون الوردة وشدو البلبل وكان عشق كل عاشق وشعر كل شاعر ولحن كل موسيقى، كانت الحياة.

هتف الجمهور لتشو وهو يقرأ القصة الشعرية على أنغام الموسيقى، في حين أبدعت ونغ تشون في حركات الرقص، وكان ذلك تخفيا جيدا لهما في مدينة الظلام، حيث حلت الكراهية وسيطر امبراطور الشر “سي ين”.
لم يكن اسمها مدينة الظلام، بل كانت مملكة رائعة يحكمها والده، لكن وزيره خانه وقتله، وحوّل المدينة إلى سجن.
بالنظر إلى التاريخ فإن الخيانة شائعة، والعدل لا يعيش طويلا في أرض الفانين، رغم أن عواقب الظلم سيئة، إلا أنه سرعان ما يطغى مجددا وتشتعل ناره كلما انطفأت.
لكن تشو اختار الكلام عن الحب، واختار الشعر والموسيقى سلاحا لايقاظ الناس. سألته ونغ تشون: ولماذا لا نفعلها بطريقة الفن الدفاعي، فأنت وحدك قادر على هزم ألف رجل.
وما الفائدة في الانتصار إن كنا خسرنا قلوب الناس، وما نفع قوتي إن كان الناس ضعفاء أمام الشر والكراهية، هل سأحكم شعبا من الحاقدين والجهلة؟
إن أول انتصار لنا يجب أن يكون انتصارا للذوق، فحين يصاب الذوق بالمرض، يفسد كل شيء، فلا يغني حاكم عن محكوم، ولا الرعية تفيد حاكمها في شيء.
أمضى عامين واشتهر اسمه كشاعر الحب والموسيقى، وكانت ونغ تشون ترقص رقصات السّيف الراقية القوية الناعمة، وكان ذوق الناس يرتقي بكلماتهما، أسسا لنوع مسرحي خاص، فن يهذب الانفس ويسمو بالأرواح، لم يتكلم يوما عن السياسة، بل شغل الناس بالحب والرفق والمعاني النبيلة والقيم الرفيعة، وغض الطرف عن بعض المشاكسين، وأحيانا كانوا يجدون كبار المجرمين وقد تكسرت أيديهم وأفواههم، بعد يوم من تحرشهم بونغ تشون، أو تهديدهم لتشو، ولم يكن أحد منهم يعرف كيف حدث ذلك.
وكان عجوز أحدب يراقب دائما العروض بصمت غامض ونظرة عميقة.
مكث تشو وونغ تشون يؤدبان الناس بالفن، وقدما عروضا كثيرة، وذات مساء قبل أن ينتهي عرضهما، احاط بهما الحرس الامبراطوري.
في السجن التقاه أول مرة بشكل مباشر، بعد أن شاهده من بعيد في بعض الاستعراضات العسكرية التي كانوا يحشرون الناس إليها بالقوة، قال له وهو يبتسم بمكر: تشبه أباك، لكن قتلك سيكون أكثر بشاعة.
كان رجلا طويلا ضخما بشارب كث وأنف حاد، وبجانبه كاهن عجوز يرتعش.

الناس الذين سمعوا قصص وأشعار تشو وأحبوه شاعرا وفنانا، والشباب الذين ذابت قلوبهم في عشق ونغ تشون ورقصها، والقوم الذين حرك فيهم الحب ونزع منهم الكراهية، وارتقى بأذواقهم وأشواقهم، وحتى بعض السكيرين والمشاكسين، حملوا المشاعل ليلا وتجمعوا أمام اسوار القصر يطلبون له الحرية، وسمعوا أصواتهم للمرة الأولى تغادر منخفضات الذل إلى مرتفعات الكرامة.
بلغت صرخاتهم أرجاء القصر والقبو الذي فيه السجن، الآن يمكن أن نحرر التنانين. قال تشو بحسم لونغ تشون، وفي لحظات تطايرت الزنزانة والحراس، وتحول الفنان وحبيبته إلى وحشين مدمرين لكل من يعترضهما. وحتى النبال لم تكن ذات فائدة أمام قوة سيفي التنين وقدراتهما القتالية العالية، كان قد انتصر على الكراهية في قلوب مواطنيه، وعلم أن الباقي امر يسير.
في لحظة واحدة انبثقت قواهما، ولكن الجيش كان قويا كثير العدد، وقد حاصروهما من كل جانب، وظهر ملثمون بقوى تشبه السحر الاسود، فوق كل واحد منهم طيف لتنين داكن، وكادوا أن يصيبوا ونغ تشون لولا أن دائرة في جبينها لمعت وتحولت إلى قوة تنين مدمر.
الامبراطور المصاب بالفزع رج الكاهن وهو يمسك خناقه: أعطني القوة، الان.
وقال الكاهن: فقط بدم أهلك. وصرخ الامبراطور: اريد القوة واقتل الجميع.
خلف عويل الاطفال المذعورين انبعث صوت مرعب، لقد جرحهم دون قتلهم، وسكب من دمهم في فوهة بقبو القصر تؤدي عميقا الى أسفل، إنها بوابة التنين الاسود، وسرعان ما سرى دخان في القصر، وانكسر جانب منه وقفز الامبراطور “سي ين” في تشكل ذئبي.
في اللحظة التي وجه فيها ضرباته القوية للعاشقين، محاولا تحطيم دائرة النور التي تحميهما، قتل في طريقه عددا من جنوده وفر الاخرون، ونظر الناس للمشهد المخيف وهم يحاولون الثبات، في تلك اللحظة شق الصفوف ذلك العجوز الأحدب الذي طالما حضر العروض المسرحية للعاشقين، وكان قد أشاع بين الناس عند اعتقالهما أن تشو هو ابن ملكهم المغدور، مشى بخطوات ثقيلة محني الرأس، ووقف امام الامبراطور المستئذب وبيد مرتعشة وصوت شبيه بالأنين قال له: نحن لا نخشاك.
تقدم طفل بجانبه وهتف: نحن لا نخشاك.
تقدم الناس واحدا بعد واحد وهم يهتفون: نحن لا نخشاك.
ظهر خلفه طيف تنين أسود كبير ومعه أطياف الشر التسعة.
صرخ الامبراطور ومن خلفه ظهر الكاهن يحمل وعلا صغيرا بقرن واحد في جبينه، لقد كان يخفيه منذ سنوات لتلك اللحظة، بعد أن قدم طقوسا كثيرة وقرابين حتى منحته قوى الشر القدرة على الامساك به في الغابة البيضاء خلف الوادي الكبير، ويشاع أنه روح اللون والموسيقى، وبسرعة طعنه لينتشر ظل مظلم تصعب فيه الرؤية، ثم اندلعت نار من حولهم ولكنها كانت بلا لون، ونظر الناس إلى بعضهم وهتفوا فلم يخرج صوت، وكانوا جميعا دون ألوان، لقد أصبح كل شيء باهتا لا صوت له، لا موسيقى ولا ذبذبة، لا شيء سوى صمت مطبق وعالم منزوع اللون.
إن ذلك الوعل هو براءة القلوب، هو روح الفن، هكذا تكلم تشو وهو يحدث أبناءه عن ذلك اليوم.
وحين تنتفي براءة القلوب، ويطغى التحجر، والشر والظلم والجهل، حين يتحرر الشيطان الذي يكمن فينا، ويحرر التنين الاسود الكامن في العالم السفلي، يتحرر ذئب الجشع، ويطعن الخير بيد كاهن الفساد، ويتحول الكائن إلى وحش نهم للحكم وللسيطرة، حينها يموت اللون وتنتفي الميزة، ينتفي الذوق وتنعدم القيم، يختنق الصوت وتكتم أنفاس الموسيقى، ويصبح البشر مجرد قوالب لا معنى لها، وتكون الحياة بلا نكهة ولا قيمة ولا ألوان تزينها.
الألوان تعطي للحياة معنى، تلك الالوان الزاهية التي تقتل القتام. وكذلك الموسيقى والاصوات الجميلة الشجية فهي عزف للكون مستمر. عزف متصل بالابدية.
في دقائق تم الأمر، وبقي عصيا على ادارك الناس.
لقد أرسل الحاكم ومن خلفه التنين الاسود نارا سوداء ليحرق العجوز وكل من تجمع من حوله، ولكن يد العجوز لمعت وتحول إلى سحابة من ضوء، ليظهر بعدها المعلم تايبنغ الذي تمثّل في شكل العجوز، وبختمة من يده ظهر تلاميذه الخمسة كل يحمل سيفه ويشع منه ضوء مبهر، وكان قد جهزهما بالتخاطر قبل ساعات، ثم حملهما بالجلب الطيفي إليه، عبر بوابة القفز البعدي. وقفز تشو وونغ تشون خلف المعلم ليقفا مع لونغ،”لاو هو” ،”تشي”، “ينغ”، و”يانغ”، ثم ظهر شاب آخر لا يعرفونه، يحمل سيفا طويلا جدا، وضرب الظلام فشقه نصفين لتشرق الشمس وترجع الالوان والاصوات من حولهم. كان ذلك كوان تزو مينغ، ابن المعلم.

تم قتل الامبراطور أم فرت به الاطياف، وتم سجن التنين الاسود مجددا أم تم قتله. كل ذلك بقي لغزا لأجيال.
عجوز تكلم مرة وقال: كنت طفلا ووقفت بجانب المعلم وانا لا اعرف سوى انه أحدب مسكين. وقلت للامبراطور: نحن لا نخشاك. وشعرت بقوة تسري منه إلي، قوة جعلتني منصهرا مع الجميع، وحدة من الطاقة التي لم أختبرها من قبل.
ثم رأيت تنانين مشعة، ورأيت قوى لا يمكن وصفها، شاهدت حركات لونغ المذهلة في فن التنين، وقتال “لاو هو” وفنون النمر النارية المدمرة، ورأيت تفاعل الينغ واليانغ وفن التشي المذهل، شاهدت بأم عيني ونغ تشون تنفذ ضرباتها المتقنة، وتشو يقاتل بالموسيقى، ورأيت سيف كوان تزو، لقد كان يقاتل بسيف عجيب طويل طواه حين انتهى القتال فأصبح خنجرا صغيرا أزرق مزينا بالأحجار الكريمة.
أما المعلم فقد حطم عظام الامبراطور، وسحق الكاهن بقبضته، وظهر فوقنا تنين أبيض وحوله تنانين أخرى انقضت على التنين الأسود، ثم اختفى كل شيء فجأة كأنه لم يكن، وأغمي على جميع الناس، ولما استيقظنا كان المعلم قد اختفى مع تلاميذه، والجيش نزلوا على ركبة ونصف تحية لتشو وونغ تشون اللذين ظهرا في ملابس ملكية وعليهم تيجان مشعة. هذا ما أذكره.
قرون مضت بعد تلك الحادثة، وآلاف من السنوات طوت قصة المعلم تايبنغ والتنانين، أتت بعدها أحداث كثيرة، وظهرت دول وممالك، لكن وميضا من تلك الأيام بقي يشع من خلف الحجب، لا يراه إلا من عانقت روحه أنوار البدايات.

لعل القصة بأكملها مجرد أسطورة، قال المعلم “برهان” لتلميذه المقرب “هنري”،لكن فيها رموزا يجب أن نتفطن إليها.
ابتسم واعتدل في جلسته، ورمق تلميذه الشاب بنظرة فاحصة، رأى فيها لهفته لسماع المزيد، ثم سحب نفسا عميقا وهو ينظر إلى ساعته التي تشير إلى الثالثة صباحا وعشرين دقيقة وبعض الثواني، من اليوم التاسع من الشهر الخامس سنة 2219، وقال:
أنت تعلم أن البشرية كادت أن تفنى في الحرب العالمية الثالثة، وأن الملايين ماتوا في الحربين الأولى والثانية، وما بعدهما من حروب، وأن البشر كانوا دوما في قتال مع بعضهم، حتى ولدا آدم قتل أحدهما الآخر.
لعل الوعل يرمز للروح الانسانية السامية التي بنزعها يفقد العالم لونه وشدوه وأريجه، ويصبح قاتما معتما كئيبا.
لعل سيف كوان تزو الطويل يرمز للحق الذي يمكن أن يهدأ ويبدو ضعيفا لكنه في لحظات يتحول إلى قوة نور تفلق الظلام والباطل إلى نصفين.
لعل الطفل هو القلب، والناس في مملكة الظلام يرمزون للمجتمع الذي يضعف كلما فقد الذوق والقيم ونخرته الظلمات، ويصبح أقوى إذا تم علاج ذوقه بالفن الراقي والكلمة الجميلة، لعل في القصة دليلا على خطورة الفن والشعر والأدب والموسيقى.
هنالك احتمالات فلسفية كثيرة يمكن أن نفسر بها ذات الامبراطور سي ين قاتل الالوان: كل طغاة الارض ارادوا قتل اللون والنكهة، وكلهم تحالفوا مع الشيطان وطمعوا في الخلود.
يمكنني أن أسمي لك الكثيرين ممن يشبهون ذلك الامبراطور المجنون: بعض أباطرة الصين الذين كانوا يدفنون معهم كل خدمهم وعبيدهم وجواريهم أحياء إذا توفوا، وخلفاء الدم والسفك الذين سرقوا دماء جنودهم لاجل الجواري والذهب وعاثوا في الأرض فسادا. صراخ أجاممنون وهو يبيد أهل طروادة. فرعون والنمرود وجبابرة الأمم الأولى يستبيحون الدماء والأعراض ويتألهون على الناس.
سكيبيو الافريقي القائد الروماني يحرث أرض قرطاجنة بالملح بعد مذبحة أهلها وانتصاره على حنبعل في معركة زاما.
نيرون يحرق روما وهو يعزف على الناي.
كاليغولا المجنون يقتل لمتعة القتل.
الملك شارل التاسع ووالدته كاترين دي ميديشي يشاهدان من الشرفة مع البابا ذبح ستين ألف بروتستاني في مذبحة سان بارتيليمي بأيدي متعصبي الكاثوليك.
مجازر الصليبيين في حق المسلمين، ومذابح المورسكيين ومحاكم التفتيش، سراييفو وما حصل فيها، مذابح الهنود الحمر قبل ذلك، وملايين العبيد الافارقة الذين ألقوا بهم في البحر حين مرضوا أو اختاروا الغرق على العبودية في طريقهم إلى العالم الجديد.
هتلر ومجانين الحرب العالمية وملايين القتلى والجرحى والمشردين.
قنبلة ناكازكي وهيروشيما يلقيها مجرم بارد القلب ليندثر مئات الآلاف من البشر ولا يبقى منهم سوى الظل النووي، بخلاف المشوهين.
مجازر الأرمن بأيدي الجنود العثمانيين، ومذابح الفلسطينيين بيد الهاغانا ومجرمي الصهاينة حين استولوا على الأرض.
كل الأبرياء الذين قتلوا بقسوة التطرف والارهاب أيا كان دينه الذي يدعيه.
الحرب العالمية الثالثة وما سبقها والقتلى الذين جلبوا عقاب السماء في يوم الدينونة ووعد الآخرة، ذلك اليوم المرعب الذي حطم غرور البشر.
وها نحن بعد مائة وسبعين عاما من ذلك، ورغم تطورنا المذهل، وانتشار الحق ودحض شعوذات الملاحدة وظهور الإيمان بالخالق بالبراهين الكاملة، ما نزال نعاني من شرور الأنفس رغم قتل معظم شياطين العالم السفلي.
ولست أرى المعركة القادمة إلا أشد، التنين الأسود ذو العين الواحدة، أو الاعور الدجال والمسيخ والمسيح الدجال، تسميات مختلفة لامور حتمية ستتم في ما أعتقده.
لقد رأت البشرية مجرمين يمثلون أطياف الشر التسعة، كالتسعة المفسدين الذين عقروا الناقة، وكالذين ذبحوا الناس في مجازر عديدة يحركها كاهن دجال ينتحل صفة رجل دين ويكذب على الاله.
حروب دينية وابادات للبشر باسم الرب والرب منهم بريء. شاهد بعض التسجيلات الوثائقية وسترى.
يومها زاد يقين هنري أن عليه أن يسافر في الأرض لعله يعثر على ذلك الجبل، ويلتقي النسر الفضي، رغم نصح معلمه “برهان” له بعدم الذهاب حتى يكمل تدريبه، لكنه ألح عليه فوافق أخيرا.
“برهان” هو معلم لفنون الحرب من أهل الزمن الأخير، اختار من تلاميذه الكثيرين الشاب الفرنسي هنري ليجعله تلميذه المباشر والأقرب إليه، بعد أن تمعن في جوهره.
لقد كان برهان يحلم بالسفر في الزمن، رغم يقينه العلمي باستحالة ذلك فعليا ولو أمكن طيفيا، حيث يشاهد أطياف الماضي داخل بوتقة الأزمنة ذات الأبعاد التسعة عشر كما وجد في كتاب المعلم تايبنغ الذي منحه له حكيم هندي.
حياته قبل ذلك كانت حياة هادئة بسيطة، حتى هاجمته روح سوداء ذات ليلة وهو بين النوم واليقظة وخنقته بقوة، وفي تلك اللحظة التي شارف فيها على الموت تمكن من رؤية شيء من الحقيقة، ولمع في روحه شعاع جديد، أو لعله شعاع أزلي استيقظ فيه، فسافر إلى الصين، ومنها إلى دول أخرى عبر سفن الجو التي بناها البشر بعد ظهور السفن الفضائية يوم الدينونة، وانكشاف سرها الذي كان يخفيه ظلمة البشر ويزيفونه يصورون الأفلام لخداع الناس، ولما بلغ مستوى المعلم، جلس في بيته بتلك المدينة الهادئة، وغرق في بحر من الكتب، خاصة كتب الفلسفة، والتاريخ، متأملا محللا ناقدا ومؤلفا، لانه رأى أن الفلسفة حكمة تحلل سر العالم، والتاريخ حكمة تحلل سر المستقبل.

منشورات ذات صلة

النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة
حكاية سمعان
كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق...
3 دقائق للقراءة
انبطاح
مهداة: إليهم..وسأستمر في الوقوف.   أفكر في فكرة لم أفكّر فيها من قبل. نفس الفكرة تفكّر أني قد أفكّر فيها. أنتظر في رصيف أفكاري...
2 دقائق للقراءة
مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
4 دقائق للقراءة