المتشظي

2 دقائق للقراءة

خرجتُ ذات مرة أبحثُ عني، سألتُني فقلتُ لي أنني في أيْنٍ قريب، سرتُ قليلا فوجدتُني أجلس وحيدا، لم أتخيل يوما أني سأراني على تلك الحال، كنتُ “أفكر”، ولأن التفكير بنص القانون الذاتي نوع من الكفر النظري، فقد أخذتُني مسرعا لأُخفِيَني عن عينِي التي كانت تعمل مخبرا لمخفر داخل أذني الوسطى، وبعد بعثرة زمنية مستهترة، دق باب الغرفة، فتحتُ مسرعا فإذا بي أطرق الباب، سألتُني ماذا هنالك فأجبتُني وأنا ألهث جدلا أنني مطارد من قِبَلي، فقد تشظى مني عدوي الذي لم يكن أحدا سواي، فأدخلتُني وأوصدتُ القلب، ثم أخفيتُني عني في خزانة ذاكرتي.
كان في الغرفة ظلي يستلقي على أريكة جدارية من ضوء خفيف، وكنت طفلا يحبو في زاوية ويلهو ببعض الأمل القطني، وفي المكتبة كنت شيخا يدوّن آخر ذكرياته التي لم تصب بالتلف، ويقبّل صورة لروحي قبل أن أولد، في المطبخ نفسي تعد طعاما من وسوسة سفلى وبعض الأجوبة الصفراء، وفي الحديقة كنت ذاتا وصفاتا أكتب عني مديحا يُطربني وأطمع أن أمنحني بعض الصمت لأغتال ضمير الكلمات برقة، لم يكن من قراء غيري، ولم تكن عيني تبصر شيئا سوى انعكاس صورتي على مرآة ظني، وحين لم أقدر مباشرة راوغتُ بذاتي فانفلتت مني صفاتي، زرعتُ اللغم بشفتي كي أنسفني حين سأضحك من غفلة بعضي عن كلي وكان بصدري خراب مزمن، فتجسستُ عليَّ ولم ألبث أن أعلنتُ الحرب، في الساحة جرني اسمي إلى معركة أخرى، وكانت حربا لا ترحمني فبعضي اغتال وبعضي احتال وباق مني تحيز، فتوسطتُ لأصلح بيني وبيني، لكني رفضت الحل السلمي، حاربتُني بشدة اشتبكتْ يدي بيدي ركلتني قدمي وارتدّت ركبتي من خلفي وسبقتني اليمنى ولكن اليسرى انتبهت فسارعتْ إلي بهجمة مذعور، وفي جوف المعركة قررتُ أن أتفاوض، ورفعتُني فوق العفن الأبيض كي أعلن أني بريء مني، ولكني في خفية عني فاوضتُ ووقّعتُ على شيك خيانة، نفذ الليل ولم أجد مكانا أخفي فيه براعة خبث النفس على ماء الوجه المحزون، فنصبتُ كمينا لي في ورق التوت وقلتُ لابد سأظفر بدليل يورِّطُني، وعلى مقربة مني كنتُ مسجى بعلم وحمامة، لم يغمض لي جفن حتى تخلصتُ من الصورة، وارتحت أخيرا […]

لم أبدأ بعد ولم أعرف كيف أُلملِمني قليلا أو ألقاني ببعض الكل، وفي النهاية وجدُتني أتبعثر وأتكاثر، ينسُلُ مني عدو آخر، يطعنني ظهري في الظهر، وتمسك بي أُغنيتي وتجلدني مئة حنين، تترشفني الدمعة شوقا ومحالا، والأزمنة اجتمعت فوق الظل وصارت كابوسا من ظلمة ضوء، وحين اكتمل الفصل انتشر الخبر بأوردتي، لبستُ الباطل ثوبَ الحق رقصتُ بجوف الخوف ورحتُ أغظ العقل عن وحدة أصل الفكرة، وتشظيتُ نكالا فيّ وفي كل الأفكار.

حلب
‏07‏/10‏/2008‏ 07:31:28 ص

منشورات ذات صلة

النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة
حكاية سمعان
كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق...
3 دقائق للقراءة
انبطاح
مهداة: إليهم..وسأستمر في الوقوف.   أفكر في فكرة لم أفكّر فيها من قبل. نفس الفكرة تفكّر أني قد أفكّر فيها. أنتظر في رصيف أفكاري...
2 دقائق للقراءة
مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
4 دقائق للقراءة