الكرسي

4 دقائق للقراءة

من مجموعتي القصصية “وجوه”

 

لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي.

ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني كنت واقفا، ثم أحسست بوخز في رقبتي، ووقعت.

حاولت أن أفتح عيني رغم الدوار الشديد، كان كل شيء يبدو ضبابيا، والإضاءة خافتة أو منعدمة.

في فمي مَرار، كأني لم أذق طعم الماء منذ أيام. شعرت بظمأ شديد، أردت أن أحرك يدي فلم أستطع، هززت يدي الثانية فكانت مثبّتة، حركت ساقيّ فلم أقدر، أخذت أهزّ جسدي وهو مشلول تماما.

بعد دقائق من الرعب والتوجس بدأت عيناي تعتادان على العتمة، وتسلل ضوء خفيف فوجدت أني في مغارة أو قبو.

كان صوت خرير الماء يصلني من موضع قريب، بدأت أنظر إلى جسدي، وأكتشف بهلع كبير أني كنت مقيّدا، مشدودا إلى كرسي بأسلاك حادة جارحة، وكان الدم يجري من جسدي كله.

تمكّن مني فزع لم يسبق أن أحسست به، أخذت أصرخ، كانت على فمي لفافة تمنعني من الكلام. بدأت أرج جسدي والأسلاك تنهش لحمي، وبدأ الكرسي يترنح، لم أكن أعلم أني كنت على حافة جبل شاهق، في مغارة لا تصلها إلا النسور. وهويت من الحافة المهلكة.

فتحت عيني، كان فزع الهاوية ما يزالا ملتصقا بقلبي، كنت في مكاني، معلقا في تلك الحافة، مقيدا بتلك الأسلاك على ذلك الكرسي، لم أفهم كيف عاد بي الزمن إلى نفس النقطة، أخذت أرتعش، هززت جسدي، وكنت أخشى الوقوع. ولكن الأسلاك الحادة نهشت في جسمي وبدأت في النزيف، وببطء شديد أحسست بثقل رأسي، وأن الدم يسري مغادرا شراييني، وأن الحياة تغادرني بهدوء وتثاقل، ثم سرت رعشة باردة، وانطأ الضوء في مقلتي.

فتحت عيني، كنت في نفس الموضع، أخذت أستجمع ذهني لأتذكر من أنا، فجأة سطع ضوء في ذهني، إنني مقاتل، أجل، محارب بارع، تدربت لسنوات طويلة في ذلك المعبد البعيد، في بلاد التيبت، حيث حملتني الأسفار بعد عمر من التمارين والقراءة.

كنت أستعرض مشاهد حياتي في ذهني، ثم ظهرت أمامي في المغارة، صارت سينما كبيرة تعرض حياتي التي نسيتها: ها انا في القرية صبيا، أصارع الحياة، أنمو، أركض كالفرح الهارب.

ها أنا في المدينة شابا، أدرس في الجامعة، أتدرب على الشاطئ وأحيي روحانية البحر.

هنا قصة وهنالك رقصة. وفي بعض المشاهد كنت سعيدا جدا، وفي اخرى كنت منكسرا ولكني قاومت الوجع ووقفت مجددا.

لست فقط محاربا بفنون الدفاع، بل بالإحساس والموقف، بالكلمة والقيمة.

لكنني لا أذكر بعد اسمي، قد يكون أي اسم، وقد أكون من أية أمة أو بلاد، حتى اللغة التي كنت أتواصل بها مع نفسي كانت تخاطرا ذهنيا لا حروف له. وليست شيئا مما يكتب به كاتب قصتي.

في طور تأملي، استعت المغارة لأشاهد من خلالها العالم، وأرى الدول التي زرتها، الطائرات التي ركبتها، المشاهد التي كنت أنظر إليها وأنا فوق الغيم، الأشخاص الذين قابلتهم…

لم يعد قيد جسدي يثير خوفي، ولا المغارة تبعث فيّ الفزع، ولا صارت أسلاك الكرسي تمثل قيدا، ولا الكرسي يمنعني من الحركة: كنت أتحرك بذهني، وكان العالم يتحرك باتجاهي، من خلال كل فكرة وصورة ومشهد.

أغمضت عيني لأني لم أعد أحتاج الرؤية بهما، كنت أرى ببصيرتي، وأشاهد بذهني. أخذت اتنفس بعمق، تبخّرت رطوبة المغارة وبدأت تنفحني روائح بخور كبخور المعابد.

غصت أكثر في ذهني، فتحت أبواب عقلي الباطن، سبحت في بحار من الطاقة التي لم أشعر بها من قبل.

وخلف بوابة كبيرة كان تنين ينظر إلي بأعين كأنها الكواكب الملتهبة، وخلفه رأيت رجلا يشبهني في ملابس بيضاء ومن خلفه جيشا من مقاتلين كأنهم من عصور الصين القديمة. سيوفهم كانت تشع، وأعينهم أكثر إشعاعا.

ثم شعرت بأبواب أخرى تنفتح، أنا والتنين واحد، وكل ذلك الجيش في أعماقي، كل جندي يمثل فكرة لامعة فكرت فيها، أو كلمة بديعة كتبتها، أو معنى جميلا تأملته، أو حركة تدربت عليها.

نفس الجيش كان خلفي وخلفه آخر كأنها مرايا خلف بعضها تعكس كل واحدة منها ما وراءها وفي كل مرآة عالم وجنود ومخلوقات لا تحصى، برازخ وأكوان، أمم وشعوب، جنود ورايات وكائنات.

فتحت عينا في جبيني، ونظرت، كان كل شيء مشعا، وكنت أعظم من خيالاتي وأفكاري، بحجم لا يمكن حتى لعقلي الباطن تصوره، فهو يقصر امام عظمة الروح.

تحتي كان كوكب، في الكوكب جبل، في الجبل مغارة، في المغارة كرسي، على الكرسي جسد مقيّد بأسلاك كخيوط عنكبوت واهنة.

ابتسمت وأنا أرى سقوط جسدي مرات كثيرة من فوق تلك المغارة بسبب الفزع، والنسيان، وعدم معرفة الحقيقة، عدم التواصل مع الروح.

وحين فتحت عيني رأسي، كنت اثنين في وقت واحد، روح تنزل وتتقلص بسرعة، وجسد مقيد على كرسي.

كان الأمر كرجوع المارد العملاق إلى المصباح الصغير، لكني كنت المارد والمصباح في نفس الوقت.

حين اتحدت ذاتي بي، وحين أشرقت روحي في جسدي، أشعت مني طاقة تراها العين، كان ضوؤها مشعا لدرجة الإبهار، أصبغت المغارة كلها شعاعا أبيض، وقفت بثقة فاحترقت الأسلاك، شعرت بقوة عظمى، نظرت فوقي، كانت صخور المغارة شفافة كالبلور، ومن فوقها خيوط نور وضوء وألوان، ولكل لون ألوان أخرى، أخضر يسري بالحب، وأبيض يحمل الحياة، وأسود يهيمن بالموت والمناعة، وأصفر فيه الحفاظة والأرزاق، وأزرق فيه الرياح والمياه وحركات الغيوم والبحار وما فيها. وأحمر فيه القوة والروح القتالية العالية. ووردي حالم بأرواح الفن، وزهري بقوى الأرواح، وبنفسجي بطاقات الحياة المتجددة.

ولكل لون خيوط من شعاع تتصل بكل شيء، وبكل الكائنات والكواكب، مشدود إلى مشكاة واحدة، وفي المشكاة نور واحد، يحتوي كل الألوان لكن لونه لا يمكن وصفه. إنه البياض الكامل الذي تحيط به الزرقة وتخلله الخضرة.

ربّتت يد علي كتفي، فتحت عيني، كان المعلم ينظر إلي مبتسما: هل فتحت عين التنين أخيرا .

لقد كان تمرينا عسيرا يا معلمي.

إنه أسلوب أهل الربوة العليا، وخزة في العنق بسم من زهرة الرؤيا، ثم ختمة عين الوهم، وتجد نفسك مقيدا في مغارة.

فقط قلة من الفانين تمكنوا من تجاوز الاختبار.

وأنا أغادر المعبد تذكرت كل شيء، اسمي وصفتي ومهمتي.

لم أكن أعني الاسم الذي أطلقه علي والدي يوم وُلدت، فذلك أعرفه وأحبه، إنما الاسم الذي أطلقه علي خالقي يوم خُلقت، والذي احبه أكثر.

 

سوسة

31-05-2020 / 21:18

منشورات ذات صلة

لأمر يستحق -قصة قصيرة جدا-
كنت طفلا في كوخ الطين، حافي القدمين رث الثوب، وكان في قلبي يقين بغد مختلفة، وذات مختلفة عن ذاتي التي أراها. وقفت أمام المرآة...
2 دقائق للقراءة
انتهى الوقت
ذات مساء هادئ مسكون بالهواجس والرغبات، جلس ثري بملابسه الثمينة وساعته الغالية على طاولة مما يكون قصور الأثرياء، وقد بسط أمامه الدنيا التي أوتاها:...
3 دقائق للقراءة
كأس ماء
  لم يعلم ما الذي أوصله إليها. كانت ممتدة على مرمى البصر، بكثبانها الهائلة، ورمالها التي تذروها الرياح. كان الصمت مهيمنا رهيبا كمجلس حاكم...
2 دقائق للقراءة
لستُ وهما
لأيام طويلة لم يكتب إليها شيئا. كان يشعر بفراغ كبير في قلبه، بخواء رهيب في عقله، وبصراخ يمتد على مساحات روحه الممتدة في عوالم...
2 دقائق للقراءة
من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة