الغرفة

11 دقائق للقراءة

من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان

 

 

لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء، إذ أنها كانت غرفة بلا باب، ولكن ذات تأمل عميق فوق قمة جبل، شاهدت لها بابا، ثم جربت مفتاح فآخر، وغصت في أعماق التأمل لأفتح الغرفة، ولأرى ما فيها.

ولكن كيف تفتح غرفة في عمق عقلك الباطن إذا كان وعيك لا يعي وجودها، وعقلك المدرك والسطحي ينكرها، وعقلك الباطن يخفيها بحرص ويضع آلاف الموانع لفتحها.

ولكنني رغم ذلك لم أترك المحاولة، وخضت حروبا مع جيوش نفسي، في المنام وفي اليقظة، وقضيت في الخلوة أشهرا، حتى كان ذلك اليوم.

بدا لي وكأني أغوص في عوالم عقلي الباطن، وأرى كونا كاملا، فيه متاهات كعناقيد المجرات، وفيه أضواء بعيدة وعتمة شديدة.

ثم ظهرت لي خلف ستائر من ظلمة ودخان غرفة مكعبة، لا يبدو فيها باب، ثم تبدّا لي الباب رويدا رويدا، وضعت يدي عليه بعد أن قمت بخمس ختمات، فانفتح.

داخل الغرفة وقف رجل يشبهني، لكنه أكبر مني سنا، غير أنه ليس عجوزا، بل شيخ قوي له ملامح صارمة. لم يكلمني بل أشار بيده، فظهر لي سلم يصعد إلى اعلى وهنالك باب صغير، ودرج ينزل إلى أسفل وثمة كوة فيها باب، وأمامي سبعة أبواب.

على كل باب اسم: باب الأنا، باب الذاكرة، باب القلب، باب الروح، باب العقل، باب الباطن، باب النفس.

الباب الذي فوقي مكتوب عليه: باب النور، والباب الأسفل: باب آمون.

كان الصعود رائعا، والمضي قدما مثيرا، لكن النزول كان مغريا جدا، فنزلت الدرج وفجأة ظهرت أفعى التفت حولي وسحبتني من تلك الكوة لأسقط في فضاء سحيق مظلم.

كنت أقف وسط الفراغ بعد سقوط حسبت أنه دام دهرا، تخلصت تدريجيا من الفزع، ثم حاولت أن أنظر، ظهر الرجل الغامض مجددا يحمل في يده شعلة وأشار بيده، رأيت أسفل كوكبا، فطرت إليه وأنا أعجب من قدرتي على الطيران.

نزلت على ربوة، فلاح لي قصر فيه نار تشع وسط الظلمة الحالكة التي لا أعرف كيف صرت أرى من خلالها.

اقتربت من القصر بسرعة كأني أطوي المكان فسمعت الضحكات، نظرت من نافذة من نوافذ الغرف الكبيرة فظهر لي مجلس كبير وطاولة طويلة وكائن له قرون ونتوءات على وجهه، عيناه كالجمر، يشرب في جمجمة سائلا كأنه الحمم الحمراء، ومن حوله مجموعة تبدو كأنها قادة من إناث وذكور خنثى، لكل منهم ملامح تشبه حيوانا ما: قرد، ضبع، خنزير، ولكنها معدلة لتكون شبه بشرية.

قال ملكهم: لقد أوقعته، ثم ضحك وضحك من معه بجنون وهم يضربون كؤوس الجماجم على الطاولة.

أجل، جئته أولا وقلت له أنت لا شيء، وذكرته بذنوبه، فلم يلتفت.

ثم أتيته وقلت له: عش حياتك، فأنت لن تعيش مرتين. ورغم جهود عميلتنا فيه، إلا أنه استمر في العبادة، يعبد ذلك الرب الذي مسخني واختار أباه عوضا عني. اللعنة عليه.

ثم ذات يوم قلت له: لا أرى لك في الناس مثيلا، أنت عابد عالم عارف.

ولاحظت في قلبه أن العشق غائب. وتكلمت نفسه فمدحته طويلا. وأتى بعض عملائنا البشريين يتمسحون به كجراء صغيرة. فحدث ثقب في قلبه وانفتح باب الأنا وانتفخ قلبه ومسه الغرور. حينها علمت أني صرعته.

لقد أتعبك يا سيدي. قال شبيه قرد يجلس على يمينه.

نعم، المتهورون والحمقى والشهوانيون نرسل إليهم حثالة جنودنا فيسقطونهم بسرعة لأنهم يريدون السقوط أو ساقطون أصلا. أما العابدون والعلماء فلا يمكننا إلا إن أطفأنا شعلة العشق في قلوبهم فتكون عبادتهم كعبادتي قبل مسخي: حركات بلا روح. ثم نأتيهم من بابين لا ثالث لهما: الغرور وموال أنت الأعظم والأروع والأحلى والأغلى. مع جوقة من الممجدين والمطبّلين ولاعقي الأحذية.  فإن قال أنا علمت أنه جلس على كرسي فرعون. وإن لم يقل أنا ربكم الأعلى. لكنه اكتفى بأن قال: أنا أعلى. فهلك.

أو الحسد وأغنية: لماذا هو وليس أنت. في أي شيء هو أفضل منك. هل هو أعلم منك أو أعز نفرا وأكثر مريدين وتلاميذ وكتب. بل أنت خير. سندك خير. مذهبك خير. فكرك خير. علمك أعظم. فإن قال: أنا. علمت أنه ركب ما ركبت قبله، وقال قولي: أنا خير منه. فإن انغرست في قلبه شوكة الحسد ونبتت نقطته في باطنه. خرج من باب الرحيم وسقط في هاوية الرجيم بنقطة حسد حولت الحاء جيما. فكان شبيهي في المصير والمآل.

ألا ينجو منهم أحد بعد ذلك يا قداسة الشيطان الأعظم.

قال شبيه ضبع كبير الفكين يلبس لباسا أسود عليه جماجم صغيرة وفي يده خاتم كبير أحمر.

قليل يا فوكايمان، إلا من انفتحت له الغرفة العليا بعد أن يُصفع مرة أو مرتين. ولكني أقول لك: في بني غريمي يصعب علاج الغرور لصاحب السلطان، والحسد لصاحب العلم. فالغرور يوصل إلى الطغيان، والحسد يؤدي إلى الكفر.

شهقت شبيهة كلبة كبيرة الأثداء عارية نبت عليها شيء كالشوك والتفت حول عنقها أفعى تسري على جسدها وقالت: دائما تنساني يا أصباؤت آل شداي. تنسى آهيا التي أعانتك دائما.

ابتسم لها فظهرت أنياب ذئب مليئة بالدم وقال: الشهوة والغواية والاغراء والزنا والفجور والشذوذ. ماذا أكون لولاك يا مهجة قلبي.

وهل لك قلب. قالت ضاحكة.

كان، قبل أن تلتهميه يا فاجرة.

وضحكوا كثيرا ثم بدت الصرامة عليه فصمت الجميع.

أنت، دراكو، انشر مزيدا من الدم والقتل.

أمرك مولاي. أجاب شبيه ذئب أسود. أمير الحرب يعمل وينشر القتل دائما. منذ أن قتل ابن عدوك أخاه. واليوم لدينا أسلحة وقوى لم نمتلكها من قبل. إن جنودنا من ذرية الملعون يمتلكون القنابل النووية والأساطيل. يا للمجد والعظمة. أقسم بك يا معبودي أني سأقتل منهم الملايين قبل ذلك اليـــ.

ثم توقف عن الكلام بنظرة مزجت بين الفزع والغضب في عيني سيده.

ايفرانكا وميتشي، أريد أن أرى الإلحاد في كل بيت، والتطرف في كل منزل.

أنت يا فيلسوف الشياطين، نظم الأمور أكثر حتى يتمكن عملاؤنا من ترسيخ فكرة أن الإله مجرد كذبة وأسطورة لبشر كانوا يخشون الطبيعة ولا يفهمون الكون ولا يعرفون عن التطور والجينات والجاذبية الكونية. زخرف الكلام فأنت ملك البلاغة وتتقن كل اللغات.

وأنت ميتشي، تحفظ كل الكتب الدينية ولا يحفظها بعدي سواك. وتعرف تواريخ الأنبياء وقصص الأديان. اكتم الحقائق كلها وازرع الحقد. كل دين تزرع فيه الحقد والتطرف سيكون أشد ضررا من الالحاد والفجور والكفر.

أريد أن أراهم يهتفون باسم الرب وهم يذبحون ويقتلون ويفجرون أنفسهم وكل شيء. لقد حاولت في الحربين الأولى والثانية ولكني لم أتمكن من إبادتهم. الآن حرب ثالثة يقودها المتعصبون، يزينها الملاحدة، ينفذها الفجرة، يتلاعب فيها شياطيننا البشريون، ويقاتل فيها بيادقنا بشتى السبل.

ميندرابون، أيها اللئيم. أين وصلت.

سيدي، نعم سيدي. قال شبيه خنزير. العري منتشر ولك الحمد. والدياثة موضة. والشذوذ نعمل عليه أنا وآهيا حتى يكون هو الأصل والطبيعة. نريد أن نرى السخط يحل بهم أكثر. ونصنع فيروسات في أنفسهم تحلي لهم ذلك. ومن لم يفعله فهو يقبله ويدافع عنه.

وأنت يا  كاسيا؟

اندرابون فيكان ساينترو. أعني لا شيء يخرج عن المخطط. صنعنا كما امرت بعض الفيروسات وهي الآن تفترسهم. ونخطط لضربة كبيرة. ولكني أرى علامات كبيرة لظهور…الــ… كما تعلم يا سيدي إنه يبث الرعب في جنودنا كلهم…لأنه قتل منهم مليارات من قبل…ذلك الـــ…

صرخ إبليس. ثم وقف ممسكا صولجانه: أقسم بي، أنا رب الظلمات. سوف أطحن ذلك الكوكب الحقير كما فعل الأبالسة الأولون قبلي بالكون المظلم. وسوف أصعد إلى ربهم وأ…..

فجأة لمع ضوء ساطع، وظهرت ضربة سيف أسرع من اللمح. وبدا لي كأن كائنا مضيئا يشبه الساموراي قد ضرب بسيفه. سقطت قطعة من قرن إبليس وسال الدم من رأسه وتشقق لسانه. انفجرت الطاولة وتداعى الجالسون بعضهم مغشي والبعض الآخر ألقته قوة الضربة على جدران القصر الذي اهتز واهتزت كل الشجرة الكوكبية.

ظهر فوقي ألوف من الكائنات المضيئة. هتف قائدهم الذي ضرب ضربته الخاطفة: آمون أيها الأحمق. مهمتك التي تم منحك نظرة عليها هي غواية من استطعت وتنفيذ الكلمة السابقة والقضاء المبرم. ولن تزيد عليه. لكن لا تنسى أن الله ربك وأنك تعلم يقينا من هو. فاحذر أن تعدو قدرك مرة أخرى. ولولا أن ربي أنظرك لقضيت عليك وعلى جنودك وذريتك قبل أن تتمكن من تحريك جفنيك. شيطان وضيع.

انحنى إبليس مترجفا وهو يردد: لن أقول كلمة. لن أقول شيئا.

التفت خلفي فوجدت الساموراي وعلى وجهه شعاع عظيم. قال لي: ماذا تفعل هنا أنت. تظنهم لم ينتبهوا لك. نظرت في عيني الحارث فإذا به ينظر إلي ويقول لي داخل عقلي: أنت هنا إذا. لكنك لا تذكر بعد من أنت. وهذا يسعدني أكثر من ضلال كل سكان الأرض. يا عدوي القديم. سنتواجه في الجولة الأخيرة. أعلم أنك أقوى مني وأنك من سيقتلني. لكن طالما أنك بلا ذاكرة، فسأفعل كل شيء لألطخك بهذا الوحل. ولأسقطك في هذه الهاوية. ولأحاربك بهؤلاء القادة، وبغيرهم.

رفعني الساموراي النوراني بيده وألقاني في باب الغرفة ثم قام بتحية للرجل الشيخ فحياه مبتسما ودار بينهما في لحظة حوار طويل لم أسمع منه شيئا لكن شيئا في أعماقي سمعه ولعله شارك فيه.

نظر إلى الرجل الشيخ الذي يشبهني بعينين عميقتين فيهما ألوان كثيرة بل كأن فيهما أكوان وكواكب وقال لي: هذا يكفي لليوم. انهض.

فتحت عيني. كنت في خلوتي أتصبب عرقا. وعقلي السطحي يسألني كالمغشي عليه: هل حقا كنت في عالم الشياطين. أنا غير مبرمج على هذا. سوف أطبخ لك حلم يقظة رائع. استمتع بالغيبوبة.

مجددا قمت بتمارين كثيرة وقرأت الاوراد وأنجزت الختمات السبعة. وها أنا في الغرفة. ونفس الرجل الذي يشبهني يلبس لباسا أخضر. قدم لي كأسا وقال: اشرب. فشربت. هل كان خمرا أم عسلا أم ماء. هو ذلك كله ممتزج وغير ممتزج.

لا يمكن أن تدخل باب الروح إلا سكرانا. قال لي. والماء لحياة القلب. والعسل ليحلو مرار العلم في هذا العالم.

انفتح لي باب القلب أولا، ثم انفتح باب العقل. فباب الروح. وقيل لي: من أي الأبواب شئت فادخل.

لكن شيئا في أعماقي شدني لباب النفس، ونازعني. فأعطاني الرجل شمعة وقال لي: امض إذا.

في مدخل غرفة النفس وجدت عصا. فأخذتها. فكانت في يميني والشمعة في يساري. لكني فجأة فقدت البصر. وعلمت أن الشمعة لن تنفعني بشيء. ولكني لم أتركها. وصرت ألمس الأرض بعصاي وأسير سير الضرير. فناداني صوت: من سار مع النفس واتبعها فهو أعمى. العصا وعيك والشمعة ضميرك.

قلت: ولكني لا أريد اتباعها بل فهمها.

انفتحت عين في جبيني، وتحولت العصا التي في يدي إلى سيف. وضعت الشمعة على جدار صغير ظهر لي، ونظرت فأذا أفعى لها تسعة رؤوس، لكل رأس ملمح شبيه بأحد الشياطين الذين رأيتهم في قصر آمون.

أخذت الأفعى تفح وتنفخ سمها، فأضربها بالسيف، لكنه لم يكن يقطعها، بل كنت أشعر بالألم وأرى الجراح على جسدي. ناداني الصوت: أنت تضرب نفسك.

انتبهت إلى ذلك. فحملت الشمعة فأذا بها تتحول إلى طائر ناري انقض على الأفعى يمزقها ويحرقها. شعرت أني أتمزق واحترق. نظرت إلى بطني فإذا حبل يصلني بالأفعى. ناداني الصوت: لا وصل دون فصل.

فعمدت إلى ذلك الحبل فقطعته بالسيف. فظهر خيط من الضوء من صدري وارتفع إلى أعلى. وصار النور يسري في جسدي كله. ولم أعد أشعر بوجع الأفعى. رأيت رؤوسها تسقط تباعا. لكنها تنمو مجددا.

قالت لي: أتظن أني ساتركك. كلا. أنا لعنتك الأبدية. أنا شيطانك الخاص. أنا عدوك الأكبر والأخطر. أنا…

ظهر الرجل فجأة وأمسك برأس من رؤوسها كان مخفيا عني خلف الرؤوس التسعة. لقد كان رأس إبليس نفسه. ثم ضغط عليه فحوله إلى ركام. انقض الطائر الناري على بقية الرؤوس. وضربت بالسيف الذي في يدي ما كان قريبا مني. ولكن السيف ارتد إلي وانغرز في بطني. شعرت بألم عجيب. رأيت دما أسود كأنه القطران. وشاهدت احتراق الأفعى وتحول رؤوسها إلى رماد.

رجع السيف إلى عصا. ورجع الطائر إلى شمعة. وعاد الرجل بي إلى مدخل الغرفة. فظهر لي من بلور بدا من غرفة النفس امرأة جميلة، اسمها ماريا. كانت فاتنة جدا. من الجنيات الصفر الرائعات الساحرات. وأحبت آمون. شاب من شباب الجن الأزرق اللامعين. أصبح قائدا. رافق قائد الأسطول الأعلى في رحلة كونية وكان وزيره. خاض تحت إمرته الحروب. تمت ترقيته. ارتفع. انتظرته. فرجع إليها شيطانا. نقمت وصرخت وتمردت. ولم تنفع توسلات والدها الملك ولا امها. كفرت فسقط عليها شهاب مسخها. نزلت معه إلى عالمه. وأخذت تعيش حياة اللذة. وكل ما شذ لذ. جربت كل شيء ولم تشبع. قارنت من البشر ملكات كثيرات زرعت فيهن جوعها وظمأها ورغباتها التي لا تنطفئ. وذات مرة ظهر السياف الذي يراقب العالم السفلي. قالت كلمة كان يجب أن لا تقولها. أو هي حاولت أن تنطق الحرف الأول منها. وهوى عليها السيف. النُّظرة تخص زوجك ولا تخصك. لم تكن تعلم أنها ستموت. هكذا وفجأة وهي في قمة الظمأ. احترقت وتلاشت بعد أن اضمحل شكلها الأشقر الفاتن وظهر شكلها المسخ الشبيه بالأفعى الصفراء. ظهر ذلك المرعب وسحبها بسلاسل من نار وهي تصرخ. رأت الجحيم ورأت أفعى كبيرة تنظر إليها بعينين من رعب ونار. وفجأة ظهر أبيض لا يُرى منه شيء لفرط النور الذي عليه. همس. قال القابض: نعم أعلم. وهذا يحزنني. قال الآخر: يجب التنفيذ. أجاب: سمعا وطاعة.

حملها جنود يلبسون الاحمر وعلى وجوههم أقنعة في مقامع من حديد إلى عالم فيه بلورات كثيرة. ظهر أصفر. رأت غير بعيد جسدا متشظيا سرعان ما عرفته. إنه هو. هو. وصرخت. صفعها أحد القادة الكبار. تم ضغطها. ووضعها بجوار الوحش الممزق الذي قبض نفسه. ستكونين بجواره وبينكما برزخ لتكون الموازنة لأنك أقوى الشياطين بعد إبليس. رأت نفسها تتضائل حتى صارت كالذرة. ثم ظهرت خيوط تشابكت حولها. وسقطت في بطن جنين صغير. وبجوارها بحر في أعماق مائه كان يرقد الوحش الذي أرعب الكون من قبل وصفع زوجها فشق وجهه، في بلورة من الماء الفوار. همست: سأنتقم إذا. فتح الوحش عينيه ونظر. صرخت. صفعها المشرف عليها. صمتت وهي ترى خيوطا تصلها بالأعصاب والحواس والجسد.

أنت الآن نفس أمارة بالسوء يا وجه السوء.

كتلة من الشر الوضيع نخفي فيها قوة الشر العظيم المرعب. نظرت إلى الرضيع. كان نصفه نور ونصفه ظلام شديد. سكنت في تلك الغرفة وعلمت أنه تم تحويلها إلى أفعى بتسعة رؤوس. ثمانية كرؤوس إبليس وقادته السبعة الكبار الذين يحاكي بهم قادة الرب الكبار. والتاسع رأسها المخفي. ولكل رأس قوى مشابهة لأولئك الأبالسة.

بعد فترة سوف يولد. وسوف يحبو. ومن أول يوم ظهر لها عزيزها آمون: حبيبتي ماذا فعلوا بك. ووضع يده على فم الرضيع يريد قتله. فتح الوحش عينيه فاحترقت يده. فر وهو يصرخ: لن يتذكرك قبل سنين. وإلى ذلك اليوم سألطخه. ساعذبه. سامرضه. سأسعى إلى قتله وتشويهه. ونفسه الأمارة ليست سوى ملكة الشياطين. ماذا سيفعل بشري تافه كانت روحه روح الوحش الأعظم. سأدمره كما دمرني من قبل. وكما سيدمرني حين يستعيد الذاكرة.

ورأيت خيط حياتي كله. وفهمت كل شيئ مر علي. لكني لم أعرف من الوحش وما علاقتي به.

حين نظرت إلى الأبواب كان باب النفس قد اختفى. وكان باب الانا قد تغير اسمه: باب ذي القرنين. أما باب العقل فقد أصبح مكتوبا عليه: باب الخضر.

وفي باب القلب رأيت مكتوبا: باب محمد. أما باب النور ففيه: باب الرحمان. وفي باب الروح مكتوب: باب الـمـــــ….وأيقظني الرجل الذي يشبهني وقال مبتسما: هل يجب ان تكتب عن كل شيء.

لن أحدثكم عما وجدته في كل باب. لكني صعدت أخيرا إلى باب النور، باب الرحمان. وهالني ما رأيته. وعلمت أن الله غني عن العالمين. وأن رحمته أوسع من ملكه. وأن هنالك أسرار لا يجب البوح بها. وأخرى لا يفهمها إلا من عرفها.

التقيت بي كثيرا هنالك. بذاتي في أزمنة وأكوان أخرى. وعرفتُني.

عقلي كانت فيه مجرات من العلوم. وكان صديقي القديم هو الرجل الذي يشبهني يجلس في مجمع البحرين في أعماق عقلي الباطن.

وفي باب الباطن فهمت لماذا الظلمة والنور ولماذا الوحش والطفل ولماذا الشيطانة النفس.

فعفوت عن نفسي كما عفا عني ربي. ورضيت عنه ورضي عني.

في باب قلبي وجدتهم جميعا ينتظرونني. وفي تلك الغرفة رأيت كم أحبهم. وكان على قلب كل واحد منهم نقش محمد. وكان قلبي موصولا بقلوبهم. وكانت قلوبنا قلبا واحدا من دم واحد.

أما باب روحي فهو سري الذي لن يكشف عنه الراوي ولن يبوح به الكاتب. وليس لأحد من البشر نفيه أو إثباته. بل ما في اللوح سيتحقق.

في باب الخروج من الغرفة صافحني ذلك الساموراي وظهر خلفه نمر. أتعبتك يا رفيق العمر قلت له. ابتسم وقال: أنا أتبعتك أكثر يا معلمي القديم.

وحين ركبت السفينة وأنا أغادر بحر عقلي الباطن ومدنه وكونه. علمت أن لله حكمة من كل شيء. وأن حياتي ليست سوى إخراج محكم.

وفي صفوف تلك الأعداد الهائلة من الراكعين والخاشعين ظهرت لي ضآلة الكون المحاط بكرة سوداء. وظهرت لي جيوش الشياطين تستعد لحربها الأخيرة وهلاكها المحتم. وبدا لي ملك الشر الأول ينظر بعمق من خلف فوهة جبل سجين الأسفل.

قريبا سيقول لمن نجا ونافق منهم أنا الرب فيتبعوه فيغويهم كما اغوى آمون ومن كفروا قبله ممن كانوا أعظم قوة وأطول عمرا وأكثر جندا. وسيحرص على مسخهم جميعا وسجنهم في الظلال الساكنة.

فجأة انفجر كل شيء وعاد إلى نقطة كما بدأ من نقطة. وكنت في هالات النور واقفا أنتظر إعادة التجميع. وبدت حياتي كلها نقطة صغيرة. ورأيت الكائنات تغادر الاجداث سراعا. وذرية آدم يخرجون وينظرون في حيرة: كم أبا كآدم كان قبل أبيهم، فيا لمسكنة الغرور البشري في ذلك اليوم العظيم.

ثم ظهرت لي غرفة في غرفة. وفي الغرفة رأيتها ورأيت من معها. ابتسمت لي ولم تتكلم.

ظهر بجانبي الرجل الذي يشبهني ولم يكن يوما سواي، وخلفه الوحش العظيم الذي لم يكن لحظة غيري، وقال: ﴿أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَیُلَقَّوۡنَ فِیهَا تَحِیَّةࣰ وَسَلَـٰمًا﴾[1]

 

سوسة 04-08-2020 / 23:50

[1] الفرقان الآية ٧٥

منشورات ذات صلة

النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة
حكاية سمعان
كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق...
3 دقائق للقراءة
انبطاح
مهداة: إليهم..وسأستمر في الوقوف.   أفكر في فكرة لم أفكّر فيها من قبل. نفس الفكرة تفكّر أني قد أفكّر فيها. أنتظر في رصيف أفكاري...
2 دقائق للقراءة
مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
4 دقائق للقراءة
حكاية “خائن”
حكاية “خائن” من مجموعتي القصصية: وجوه مازن الشريف خائن خائن خائن!! وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟ يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق...
6 دقائق للقراءة