الغائب وعروس الماء 2

3 دقائق للقراءة

الخط الثالث
لعبة الموج


أحس بالاختناق …
سائل مالح ثقب جسده وتغلغل فيه..
أصبح لون السائل الملتصق بالزرقة الممتدة أحمرا..
اختنق أكثر..
أنه أول عهده بالغرق..
ـ تُرى من يكون ؟؟
لم أر يوما مخلوقا مثله
جميل… أجل
لكنه قد يكون مات
إنه مثقوب كزورق في العاصفة
وجدْتُه في القاع يمطر ماء أحمر..
مدت يدا مائية إلى صدره فاَنتفض
“إنه حــــــي”، واَبتسمـت..

تنفس بعمق ثم فتح عينيه…
غرق في زرقة السماء…لكنها لم تكن سماء
غرق في زرقة البحر…لكنه لم يكن بحرا
غرق.. في زرقة عينيها…
“لقد أصبحت الآن تستطيع التنفس هنا”
سأل ” أين”، قالت: ” في جوف اللّجة الظامئة”
أراد أن يذكر من يكون، فأحس بصداع رهيب ورغبة جامحة في أن يحتضنها، وهنالك بعيدا خلف الحجب… كان قلبه ينزف نجوما.
ـ ما اسمك ؟؟ سألت
ـ ما اسمي!! أجاب
ـ أليس لديْك اسم ؟ سألت
ـ أليس لدي اسم !! أجاب
– حسنا..سأسميك !! سأسميك المرفأ…أليس اسما جميلا..لا.. الشاطئ ليس هذا مناسبا .. حسنا.. الحبّار..ولا هذا… سأسميك..
– سمني .. سمني الغائب…
وغاب في زرقة عينيها .. حتى غاب عن الوعي.

*******
لا أحد يعلم كم من الأيام ظلا معا….الغائب وعروس الماء…
“أحبهــا كثـيـرا”
لكنه كان دائما يحس أنه يحبها أكثر..
شعور غامض لازمه أن قلبه لا ينبض في صدره بل في السماء،
أن قلبه مجرة لا يراها، ويكاد يجزم كلما رأى شهابا..أنه قطرة من دمه.
“أحـبـه كثـيـرا”
كانت تحس أنها تعرف قلبه لا تدري كيف، وكأنها كانت ذات مرة داخل قلبه، وكأن قلبه كان البحر، بحر غرقت فيه،ولم تعد تستطيع التنفس من دونه..
كانت الأسماك تغار منه، والشواطئ، والنوارس، والأمواج، والغيم.. كل ما يحيط به يغار منه.

ذات مرة، زار القرش الذي يسكن البحر السابع حوتا، وكانا صديقين، فقال له الحوت: “تعلم يا صديقي أنني منذ خمسين ألف موجة مضت أحب عروس الماء، لكن حطم غريب زعانف قلبي، فهلاّ منحتني نابا من أنيابك لأخلص الجميع منه”
ومضى الحوت إلى الأخطبوط: “هلاّ قيدت ذلك الغريب لنريح الجميع منه”
ثم مضى إلى السمك: “أتريد وجبة دسمة.. تعالى معي”
اختبئوا خلف صدفة ضخمة.
كان يغني وهو يسبح بهدوء:
كـأنـي أحبك منذ الأمد
كأنك في الروح قبل الجسد

فتجيبه:
سؤال يحيّرنى يـا حبيبيي
وليس يجيبني عنه أحـــد

ــ اِستعداد…اُهجموا يا رجال…وبشراكم فهو لكم.
تم كل شيء بسرعة، لف الإخطبوط حباله حوله، طعنه الحوت بناب القرش ولعب الموج برأسه.
صرخت، مزقت سكون الماء، لكنها لم تجد سوى صدفة كتب عليها:
“” الـحب نعمة …. يُلعن حاملها””

الخط الرابع
شهاب الهاوية


ارتفع كما يرتفع البخار، فتح عينيه ونظر إلى صدره، كانت الدماء تتساقط بغزارة وجسمه يرتعد، لقد انسكبت منه ملايين النجوم، لابد أنه أمضى زمانين أو ثلاثة في هدأة الحلم.
اِلتفت إلى جناحيه، كانا قد احترقا تماما .
نظر أمامه فرأى صورا..
أحدهم يسبح مع..معها..وتذكرها فجأة.. إنها هي..تلك التي تمنّى أن يلمسها ولو لمرة، للحظة، وليكن بعدها ما يكون.
رأى أحدهم يحتضنها، واَنفجر من الغضب.
اِبتسمت نجمة عجوز وقالت له: “إنه أنت أيها الأهوج، لكنك لا تكاد تذكر”
أحس بألم رهيب..
رأى نفسه في شرنقة بالقلب
رأى الشرنقة تتمزق فيسقط من قلبه في اليم
رأى رأسه يحمله الموج
رأى لحمه يأكله السمك
رآها تنادي عليه أن اِرجع وخذني معك..
جاءه صوت من بعيد: “أمستعد أنت لتلقي العقوبة”
انحنى..
امتدت إليه يد: “هذا القناع.. ضعه على وجهك”
قرب القناع من وجهه..
دخل خنجران في عينيه، دارا ودارا حتى اختلط النور بالظلام..
اِنقضّت عناكب على وجهه وأكلت أكلت لم تبق إلا خيوطها..
اِخترقت عقارب لحمه، عظامه، نهشت عقله واَلتهمت ذاكرته..
صرخ من الألم فاَرتجت أعمدة السماء.
هتف به صوت: “نفذ العقوبة”!
أمسك رقبته بيد، وقلبه بأخرى، أخرج مخالبه ومزق، مزق بعنف… واَنهمرت النجوم….

تلاشى.. تحول إلى نجم صغير وهوى بسرعة لا تصدق، هوى نحو الأرض، نحو التراب، انفجر المكان، اهتزت الأرجاء، جف الماء، احترقت الغابة، اندك الجبل، فكان وادينا، وادي الموت والظلال المرعبة.
مر زمان، ووجدت الأفاعي التي جاءت إلى الوادي لا أعرف من أين شرنقة كتب عليها “الرجل الذي قتل مرتين”، فدفنتها وزرعت حجرا فوق القبر وكتبت ما كُتب”…

وبعد أن يكمل التنين حكايته، يمسك أحد أغصان الشجرة، يكسره وينفخ في طرفه، ليدخن سيجارته المفضلة: سيجــــــارة الثعبـــــان”

منشورات ذات صلة

لأمر يستحق -قصة قصيرة جدا-
كنت طفلا في كوخ الطين، حافي القدمين رث الثوب، وكان في قلبي يقين بغد مختلفة، وذات مختلفة عن ذاتي التي أراها. وقفت أمام المرآة...
2 دقائق للقراءة
انتهى الوقت
ذات مساء هادئ مسكون بالهواجس والرغبات، جلس ثري بملابسه الثمينة وساعته الغالية على طاولة مما يكون قصور الأثرياء، وقد بسط أمامه الدنيا التي أوتاها:...
3 دقائق للقراءة
كأس ماء
  لم يعلم ما الذي أوصله إليها. كانت ممتدة على مرمى البصر، بكثبانها الهائلة، ورمالها التي تذروها الرياح. كان الصمت مهيمنا رهيبا كمجلس حاكم...
2 دقائق للقراءة
لستُ وهما
لأيام طويلة لم يكتب إليها شيئا. كان يشعر بفراغ كبير في قلبه، بخواء رهيب في عقله، وبصراخ يمتد على مساحات روحه الممتدة في عوالم...
2 دقائق للقراءة
من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة