السفينة

4 دقائق للقراءة

يحكى أن رجلا رأى سفينة طائرة، أجل، سفينة فضائية، لكنها لم تكن على شكل طبق، بل كانت تشبه الطائرة، ونزلت فوق رأسه.
كان الليل مظلما، وكانت تشع بنور قوي جدا، صاحبنا لم يذكر بعدها إلا أنه وجد نفسه على سريره ملقى الجسد منهك العقل مروع القلب، لكن صوت نفسه هتف فجأة: “لقد كان حلما، الحمد للـ..”، فالنفس تجزع من كل ما يخرج عن معتادها، ولذلك حين وجدت أن الأمر محض حلم فرحت كثيرا، ووزعت حلوى وهدايا على كل الحواس التي تعمل في مصنع القوالب الجاهزة وتبيعها لكل ذرة من خلاياه، كانت النفس ترتعش خوفا من تحرر صاحبنا من سلطة الاجترار، فرحت وأرادت أن تحمد، وإذ بصاحبنا يتحرك لسبب خفي وينظر في المرآة، وتصرخ النفس ويفر العمال من مصنع القوالب الذي يشب فيه حريق هائل، لقد وجد على جبينه دائرة خضراء من نور غريب..
“لم يكن حلما إذا” صفقت الروح وهي تنفض غبار ألف سنة من الجمود.
صاحبنا الذي لم يكن له اسم، كان يعيش في مدينة بلا اسم، وكل ما فيها ومن فيها أرقام، وكان رقمه الأخير دائما.
لبس لهفته مسرعا ووضع بعض الأسئلة على رأسه وخرج، هتف في الساحة: “”أيها الــ””
وقبل أن يكمل وجد نفسه في القسم يقسم أنه لم يكن يدعو لمظاهرة، “ولا حتى سلمية، ولا أفقه في شيء، المسألة كلها أني رأيت”
وانهالت عليه الصفعات: تَرى؟؟! لقد بذلنا كل ما لا نملك ليرتاح الناس من الرؤية، وأنت ترى؟؟
جمع أسنانه واشترى بعض اللغة والغراء، ثم مضى إلى الساحة ووقف، لم يتكلم، حينها أحاط به الناس وأخذوا يتساءلون:لماذا يقف هكذا دون كلام؟؟ ما به!!
ورجال الدرك الذين حاصروه لم يلمسوه، قال لهم قائدهم: انتظروا حتى نعرف ماذا يريد..
وكان من حوله كل أهل المدينة، حتى صاحب الشارة، وهو اسم حاكم المدينة، الوحيد الذي يسمح له باقتناء اسم، جاء ليرى الأعجوبة: رجل يقف؟؟!!
كان الوقوف بحد ذاته معجزة!
وبعد مدة تطول أو تقصر حسب رغبتك، فتح فمه، سقط سن لم يقنعه الغراء بالمكوث، أعاده في غير مكانه فالتصق بشدة، وكان سن آخر يخرج وجهه من بين شفتيه ويصرخ: مكاني، مكاني، لقد افتك مكاني.
أغلق شفتيه ثم فتحهما وقال: أيها الناس، لقد…
حينها انفض الجمع وهم يتذمرون: كل هذا الانتظار ليقول أيها الناس!
وانقض رجال الدرك بقدراتهم المعهودة التي ترجع للتدريب والتهذيب، وضعوا عنقه في كيس، أما صاحب الشارة فقد أغمي عليه، لم يكن يعرف أن الرجل الواقف يمكنه أيضا أن يتكلم!

أخذوه مجددا، أجلسوه على حرف استفهام…
تقول “لقد”!! أتجرأ على قولها!! قلها مرة أخرى عن كنت رجلا، “لقد” قال، أي “لقد” ؟؟ آخر “لقد” رآها الناس في هذه المدينة كانت قبل أن تكون مدينة، “لقد”!، ليس هناك شيء اسمه “لقد”، لو قلت “ربما”، لصدقناك، لكن “لقد”!!
والحقيقة أن لاشيء في تلك المدينة كان يخرج عن الاحتمال، فلا يقين في شيء ولا ثقة في أحد، حتى في أساليب اللغة.
بعد شهر، لبس قبعة من ثقة، مضى إلى الجامعة، فقد كان الرجل يعمل في الجامعة، تعب كثيرا حتى وجد عملا هنالك، كان يعمل في الصفحة الأخيرة من كتاب التاريخ، ولج من الغلاف، جلس، قال: “لقد رأيت سفينة فضاء”.
لم يكلمه أحد ولم يعاتبه أحد، وبعد سنة أخذه درس الكيمياء إلى مشفى قريب، فوجد كل صفحات التاريخ والأدب التي اختفت هنالك، وجلس درس النفْس يقنعه عن عدم وجود سفن فضاء:هنالك سفن بحر، سفن بر، سفن ورق، لا وجود لسفن فضاء.
قال: أو إن أريتك ما يقنعك؟
نظر درس النفس بازدراء ورفع رأسه بشموخ وقال: هات.
أغمض صاحبنا عينيه، ركّز، وظهرت دائرة خضراء من النور الغريب على جبينه، صرخ درس النَّفْس وهرول، سقط عل إليته، نهض مجددا، وحين لم يستطع تلوى بشكل أفعواني وزحف على بطنه، نادى مساعديه، وكانوا من حروف الشك والريبة، أخبرهم أنه مجنون خطر على المجتمع: “يجب ألا يغادر المكان أبدا، مشفى المجانين لم يجعل إلا لأمثالك، سفينة، قال سفينة”
وحملوه وهو يهذي..
أراد صاحبنا مجددا أن يري زملاءه في المكان الدائرة الخضراء، فرنّ صوت في صدره:آسف، لقد برمج على التمظهر القصدي مرة واحدة.
ولكن كتاب التاريخ القديم قال له: لا حاجة لذلك، لقد رسم كثيرون في الكهوف منذ ولادتي صور تلك السفن، إن الخالق أعظم من خيالنا، والكون أكبر من أن يكون فقط زينة فوق رؤوسنا.
– وماذا تفعل هنا؟؟
– أنا؟.. سأخبرك، في البداية كان كل الذين تراهم في الخارج هنا، وكنا في الخارج، كانوا مجانين مرقمين حسب الحالة، وذات يوم أصابتهم لوثة عجيبة، هجموا علينا، قتلوا من قتلوا، والبقية سجنّا كما ترى ها هنا، وأخذوا أمكنتنا!
نهض ونظر إلى السماء وهتف: أين أنتم؟!
أصاخ بسمعه لعله يسمع ردا..
وفجأة.. سمع سعالا، كان أحد زملاء المشفى يحتضر، ورفع إصبعه وهو يقول بصوت متقطع: “أرى..نفقا..آخره ضوء..آخر الضوء..سـ..فــ”
ثم خرجت روحه، وظل صاحبنا ومن معه يتجادلون حول ما رآه وما أراد قوله، أقسم أنه رأى سفينة، لكن بعضهم قال ربما آخر الضوء سفر، وطال السمر على قبره..
بعد سنوات، خرج صاحبنا، لقد مات درس النفس وحل محله درس ما فوق الطبيعة، أمر بإخراجه ليدرسه عن كثب، سرا طبعا، واحتار الدرك، لأنهم لا يعرفون معنى السر، فقد تخرجوا من مدرسة الفضيحة.
كان يهتف كلما رأى طائرة: سفينة..سفينة.

لم يكن يهتم أن تكون طائرة، المهم أنه كان يراها سفينة نكالا في العالم، وأركبوه الطائرة، ولفت به فوق سلة القمح، وظل مقتنعا أنها سفينة.
قبل موته بثانيتين، طلب إخراجه إلى الساحة، كان ليلا معتما جدا، نظر إلى السماء، وقال بصوت متقطع: “أرى نفقا.. في أوله.. سفــ” وانطلقت روحه من جسده لا تلوي على شيء..
وفعلا، نزلت سفينة فوق الرؤوس المندهشة، وألقت ورقة كتب عليها: “شكرا على نجاح التجربة”.
وفي الصباح، كان المكان هادئا، فقَدْ فقَدَ أهل المدينة الذاكرة مجددا، وراحوا يصطدمون ببعضهم كلٌّ يبحث عن اسمه ومسكنه وأهله وماضيه، أما صاحبنا.. فقد اختفى جسدا وروحا..واستمرت الحياة….

طرابلس
‏07‏/07‏/2008‏ 05:18:55 م

منشورات ذات صلة

لأمر يستحق -قصة قصيرة جدا-
كنت طفلا في كوخ الطين، حافي القدمين رث الثوب، وكان في قلبي يقين بغد مختلفة، وذات مختلفة عن ذاتي التي أراها. وقفت أمام المرآة...
2 دقائق للقراءة
انتهى الوقت
ذات مساء هادئ مسكون بالهواجس والرغبات، جلس ثري بملابسه الثمينة وساعته الغالية على طاولة مما يكون قصور الأثرياء، وقد بسط أمامه الدنيا التي أوتاها:...
3 دقائق للقراءة
كأس ماء
  لم يعلم ما الذي أوصله إليها. كانت ممتدة على مرمى البصر، بكثبانها الهائلة، ورمالها التي تذروها الرياح. كان الصمت مهيمنا رهيبا كمجلس حاكم...
2 دقائق للقراءة
لستُ وهما
لأيام طويلة لم يكتب إليها شيئا. كان يشعر بفراغ كبير في قلبه، بخواء رهيب في عقله، وبصراخ يمتد على مساحات روحه الممتدة في عوالم...
2 دقائق للقراءة
من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة