أرض النسيان

6 دقائق للقراءة

كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر.
﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)

 

 

لم أتصور أننا يوما سنفترق وننسى بعضنا، ولكن ذلك هو القانون في أرض النسيان، بمجرد أن تصل إليها تنسى كل شيء.

قلت لها: كنا في نفس الشجرة ومنها وُجدنا، وخرجنا إلى عالم النور فنظرنا زرقة الستار والبحر الأزرق الممتد، ثم نزلت بنا سفن النور إلى برزخ الماء، وفي تلك الكواكب الدرية مكثنا من الأمد دهورا. وحين غمرتنا الأنوار ظهرت أجنحتنا، وطرنا في عوالم المشهد لنشهد ما نشهد. والتقينا أعدادا من الكائنات، بعضها يشبهنا وبعضها أعلى أو أدنى منا. وكنا نتناغم كمياه اليم.

ذات يوم رأينا كائنات النار التي تسري فيها طاقة الرغبة والعشق المحرق الذي كنا نحذر منه، وفي يوم آخر رأينا كائنات الظلام التي تعتمل فيها قوى الشر، ولم نكن نستطيع فهم معناه.

صادقنا الكثيرين ورأيناهم يمشون إلى تلك البوابة التي نموت فيها لنصبح كائنات أخرى تنال قسطا من الحياة في أسفل العوالم حيث لا ننزل إلا ليلة واحدة كل ردح من الزمن. ورأيناهم ينسون كل شيء وهم في ذواتهم الجديدة، ثم يرجعون بعد برهة ويحدثوننا عن حياة طويلة فيها الكثير من القصص، وما كنا نحسبها في حياتنا العليا سوى غمضة عين. ويقصون علينا كيف نسوا أحباءهم الذين تركوهم فوق وفارقوهم بالموت الأولى ولم يذكروهم إلا بعد الموت الثاني، وأن بعض المحظوظين وجدوا أحبتهم القدامى وذكرت أرواحهم بشكل ما كيف كانت وشائجهم في برزخ الروح الأول. أما الذين يُخلقون من نفس الشجرة فإن النزول عليهم أصعب والفراق أمر والنسيان أقسى والتذكر أروع وأوجع في تلك الغفوة الدنيا.

وأنا وأنت يا مريم…هل سنذكر بعضنا.

ابتسمت وهي تمسك ضفيرتها، ثم استلت سيفها المضيء من فوق كتفها وهجمت علي بسرعة ضوء البرزخ التاسع، ومن بين شعاع ضرباتها رأيت قطرات دمع تنهمر من عينيها كلؤلؤ من نور، لم أكن إلى تلك اللحظة أعلم أن الأرواح تبكي، وأن أعيننا التي رأت تلك الزرقة الأولى يمكن أن يكون فيها دمع، وبكيت وأنا أضمها.

كان الموت يرعبنا، ولكن الأكثر إخافة لنا كان النسيان.

في أعماقي ما لا أحصيه من الذكريات، ولي جيوش من الأحبة من كائنات وعوالم كثيرة، وأفكار وقصائد وأنغام وفنون وأذواق لأزمنة خلت عشتها في العوالم الفوقية كائنا من نور وماء.

يوم ظهر ذلك الطيني واطلع على جميع أسمائنا وعلمنا أننا سنصبح من نسله اندهش معظمنا، حتى أولئك الذين يسكنون السجن الأسفل وتسيطر عليهم ظلمة ساكن الظلال القديم. وكننا اصطففنا جميعا أمامه وفق ترتيب ظهورنا كذرية له، وشهدنا، وقلنا بلى.

كنت مقاتلا، فالغابة التي خرجت منها كانت غابة مقاتلين، والشجرة التي كنت فيها مع توأمي كانت شجرة القادة، ووجدت مكتوبا على سيفي بعد أن صعدت جبل القدرة حين أتى الإذن بذلك أن اسمي محي الدين. والسيوف في الجبل تعرف أصحابها وتنطلق إليهم كسهم من نور. وكنت أحيانا أسمع سيفي يترنم بأهازيح كأنها كلمات الأرواح الأقدم. كنت من الجيل السابع وبين كل جيل وآخر مقامات وأزمنة.

حين فتحت عيني في تلك الزرقة كانت تقف بجانبي بملابس بيضاء مشعة، وكان على جبيني اسمي وعلى جبينها اسمها، وقرأت بصوت رخيم: يليائيل، وقرأت بصوت هادئ: يلايا.

لقد عرفت نفسي بها وعرفت نفسها بي، واختفت الأسماء من الجبين واستقرت في القلب، وظهر في كف كل واحد منا اسم الآخر، كنا توأم من ذات السر والغصن، من ذات النور، روح انقسمت إلى نصفين، ولا يكون قسم منهما دون الآخر، كانت أنا وكنت ذاتها.

بعد دهر تلقينا لغات جديدة وعلوما وفهوما تعظم كل تجلٍّ. وحين ارتقينا إلى القيادة التي خلقنا من أجلها، وصعدنا إلى الجبل الأعلى وأخذنا سيوفنا، وجدنا أسماءنا الثانية: محي الدين ومريم.

في برزخ بعيد عبرنا إليه من بوابة ماء وجدنا كائنات أقدم منا أو ربما خُلقت معنا في غابة أرواح مجاورة عند ذلك اليوم الأعلى الذيه فيه الجبل والقبة تحت الستارة يمين السدرة العظمى. وكنا كمن ينظر إلى وجهه في صفحة الماء: وجدت محي الدين آخر كأنه أنا، ووجدت مريم أخرى. وقالا لنا: نحن أنتم، من شجرة أخرى. نختلف في النسيج ولا نختلف في المعدن. وحين تنزلون تلك الأرض سنكون معكم، ولن ترونا، إنما ستشعرون بنا. وصرنا منذ تلك اللحظة نسافر نحن الأربعة، محي الدين ومحي الدين، مريم ومريم. إخوة بسر العشق الأقدس.

في أسفل الظلام ظهر لنا مرة كائنان كأنهما نحن لكنهم مشوهان: قال محي الدين الروحان: سيكون دوره مضادا لدوري حين تموت هنا وتولد هناك. كلانا سنكون قرينان لك، أحدهما يغوي نفسك والثاني يهدي فؤادك، سيكون صوت الشر فيك وأكون صوت ضميرك.

ورغم محاولاتي الكثيرة لم أستطع فهم معنى النفس التي تريد الهاوية، فقد كانت نفسي من نور تدور في قلب روحي المشع كأنها كوكب دري يدور بشمس من شموس الأنوار تحت الستار.

بعد أزمنة رأيت فيها كواكب عالم الظلام تشع حياة وحضارة ثم تنطفأ، مليارات الكواكب التي عاشت فيها كائنات كثيرة بعضها من حديد وبعضها من نار وبعض الآخر من تراب ومعادن أخرى، اندثرت جميعها إلا الذين سجنهم صاحب القرنين في كوكب صاد، أو كائنات النار التي احتجبت في أبعادها وعوالمها، وعم أرض النسيان موت قضى على تلك الكائنات الصغيرة التي كنا نراها كالنمل. وابتسم محي الدين الروحان وقال لي: ستولد في شكل يراها عملاقة ويسميها دينصاورات، وسوف تكون مع قوم لا يعرفون أن التنين حقيقي. يضحك ومن حوله جنوده الذين يندر أن رأوها ضاحكا، وهو يحمل على كتفه سيفه الأصفر الذي يمكنه نسف العالم المظلم كله. وكنت أعجب كيف يمكن لكائن أن ينكر وجود التنانين، إنها في كل مكان من حولنا، وكانت في كل مكان من الكون حتى ذلك الذي تضيء فيه النجوم النارية.

وأتى اليوم الموعود، سأنزل قبلها، سيكون اسمي…وسيكون لي أب وأم. إنه أمر عجيب بحق. سأموت هنا، أتحول إلى كتلة من الضوء وأهوي سريعا إلى تلك المجرة حيث غرف التحويل العملاقة التي أمكث في أنبوب منها فترة تمحى فيها ذاكرتي الأولى وتعرض علي مشاهد حياتي القادمة كلها، وسأبقى أذكر ذلك حتى بعد أن أولد بسنة من سنوات ذلك العالم. أتصدّقين. قلت لها وأنا أمسك يدها للمرة الأخيرة. وكان قلبها ينبض كنجم طارق.

لفترة قد تساوي حياة أجيال من سكان أرض النسيان، وقفت أودع الأحبة، بعضهم ماكث وسيولد بعدي بجيل أو أكثر، وبعضهم سبقني وعاش فترة هناك ثم انتقل مجددا إلى هنا، وأتى ليمدني ببعض النصائح عن ذلك العالم الغريب. ووقف مجموعة ينظرون إلي بعمق ثم أتوا واحتضنوني: قال لي المسؤول عن تحويلي من كائن إلى آخر أنهم سيكونون أولادي وأحفادي. لقد كانوا منذ دهور أصدقائي، وكان بيننا شبه، لكن لم أكن أعلم أنهم ذريتي، فذلك علم كتمه الطيني وهو ينزل مع امرأته إلى الكوكب الأخير. لقد خُلق بعدنا بأزمنة، وسنكون من نسله الترابي في ذواتنا الجديدة. أليس هذا بحد ذاته عجيبا.

سألت أحد الشهداء: هل الموت هنالك أكثر مهابة وصعوبة من الموت هنا. قال مبتسما: حين تموت الروح ويولد الجسم، تفقد الروح كل ما تعلم، ويفقد الكائن الأول ذاكرته الأولى. وحين يموت الجسم وتتحرر الروح تسترد كل شيء، لكنها تفقد أحبة وحياة كان لها ذوق خاص. والألم الذي شعرت به هناك كان أدنى بكثير مما ستشعر به هنا: نموت اثنتين ونحيا اثنتين، وفي ذلك حكمة لن تفهمها الآن. قلت متى. قال يوم تجتمع مع جسدك مجددا عن باب الخلود.

أمام البوابة وقفت مريم تودعني باكية. نزعت سيفي وأعطيته لها. وخواتمي، وقصصت من شعري الطويل المناسب على كتفي ضفيرة وضعتها في كفها. نظرت إلي عينيها وكانت عوالم النور كلها في تينك العينين الدامعتين. كان عشقنا من نور وماء لم تلامسه شهوات الطين. وكنا نسمع عن عشق النار وعن شهوة الطين ونخشى أن تمسنا. في الخلف وقفت مريم الروحانية ومحي الدين الروحان ينظر بعينين عميقتين. قال سأكون معك لحظة بلحظة. قلت: وهل سأُدرك ذلك. قال: ذات يوم نعم. قلت وهل ألتقيك هناك. قال: استثناءا.

كانت البوابة مشعة ومن حولها حرس شديد. تقدمت منها وفي قلبي رهبة. نظرت إلى جسدي القوي الذي يتسارع كالنور الأصفر ويمتلك طاقات أقوى من الكون الذي ساكون في كوكيب صغير منه على رقعة أصغر مختزلا  في جسد رضيع في بطن امرأة كما تختزل البحار في قطرة وكتب أهل السماء في حرف وموسيقى برازخ الضوء في نغم.

قيل لي: سيكون ذلك الجسد موازيا لجسد الطين وسيسمى هنالك بدنا. ولجت البوابة فدخلت في ذراتي أنوار حمراء نافذة فتتني. شعرت بالموت الذي كنت أسمع عنه: إنه فناء وتفكك كلي. ثم تحولت إلى كتلة من الضوء ونزلت من بوابة قطرية متسارعة إلى تلك المجرة في ذلك الكون الأدنى. وحين فتحت عيني كنت في أنبوب يحيط بي الماء، ومن حولي آلاف الأنابيب الأخرى.  وكان جسدي المشع يتقلص، وأمام عيني كانت مشاهد حياتي القديمة تختفي، ومشاهد حياتي القادمة تبدو منذ تكون جسدي الجديد نطفة إلى حلولي فيه روحا إلى كل يوم وساعة حتى الموتتة الثانية وتحرري مجددا من ذلك السجن. سمع أفكاري أحد الكبار فقال: ستحب ذلك السجن وتحب تلك المرأة وذلك الرجل، إنهما والداك في أرض النسيان.

أرض النسيان إذا..ومريم هل ستذكرني.

اذكُرها أنت أولا قال لي. وأشار بيده فسطع منها نور قوي. وتحللت مجددا وانطويت وهويت سريعا كشهاب إلى ثلاث ظلمات. وفتحت عيني جنينا، وبدأ قلبي الجديد ينبض.

 

سوسة 22/05/2020  17:42

 

منشورات ذات صلة

لأمر يستحق -قصة قصيرة جدا-
كنت طفلا في كوخ الطين، حافي القدمين رث الثوب، وكان في قلبي يقين بغد مختلفة، وذات مختلفة عن ذاتي التي أراها. وقفت أمام المرآة...
2 دقائق للقراءة
انتهى الوقت
ذات مساء هادئ مسكون بالهواجس والرغبات، جلس ثري بملابسه الثمينة وساعته الغالية على طاولة مما يكون قصور الأثرياء، وقد بسط أمامه الدنيا التي أوتاها:...
3 دقائق للقراءة
كأس ماء
  لم يعلم ما الذي أوصله إليها. كانت ممتدة على مرمى البصر، بكثبانها الهائلة، ورمالها التي تذروها الرياح. كان الصمت مهيمنا رهيبا كمجلس حاكم...
2 دقائق للقراءة
لستُ وهما
لأيام طويلة لم يكتب إليها شيئا. كان يشعر بفراغ كبير في قلبه، بخواء رهيب في عقله، وبصراخ يمتد على مساحات روحه الممتدة في عوالم...
2 دقائق للقراءة
من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة