أبو العناء والمارد

3 دقائق للقراءة

حدث أبو العناء قال:
كنت ذات مرة أجوب الأرض جيبا جيبا، ولأنها كانت مفلسة لم أجد فيها ما يسد الرمق، حينها فكرت في الخيانة، إذ الخيانة في تلك الأرض السبيل الوحيد لملئ الجيب والبطن، وتفريغ العقل والقلب والروح، لكنني لم أجد مقعدا شاغرا، فعجت على خمارة البلد، وفي الطريق إلى القصيدة، ضربت حظي العاثر، فإذا بصوت ارتطام، نظرت، فوجدت حجرا صغيرا، أبيض اللون، أملس، فأخذته بيدي، وإذ بالأرض تخسف بي، فلم أفق إلا في دهليز كبير فيه درج من الصخر، فنزلت، ووجدت أمامي كل كنوز الكون، ذهب، نفط، أسلحة، أقراص مدمجة، مواد تجميل، أكاذيب معلبة، كنوز لا تحصى، ومصباح فوق تمثال، التمثال لرجل بلا وجه، والمصباح أسود قديم مغبر.

قلت في نفسي: إن كاتب هذه الرواية مجنون ذكي، ولابد أنه وضع فخا في الحبكة، ولذلك تركت الكنوز وأخذت المصباح، تبعت الدرج صعودا، طالت رحلة الصعود عكس السقوط فقد كان لمحا، أخبرت الراوي أن السقوط أسهل، فلم يعتبر.

عدت مسرعا إلى منزلي الذي كان يمر به الناس دوما، لأنه شارع، فقد كنت أقيم على رصيف شارع بلا نهاية، عليه في كل زاوية علامة قف، وعلامات التحذير والتنديد والوعيد، وفي ركن من الرصيف خفي، قرب شاطئ النعسان، فركت عيني لأبصر، لكن الظلمة ازدادت، فقلت وكأني لم أسمع بحكاية علاء الدين: لماذا لا أنفض عن هذا المصباح الغبار وأشعله لعلني أستبصر ما لم يُبن لي الليل إلا رمزا.

وفعلا، فقد أخذت طرف ثوبي وفركت بجلدي المصباح، فقد كنت أرتدي جسدي، وتابعت نفض الغبار وتقصي حقيقة الأمر، وفجأة!… انفجر فانوس في الرصيف، فلم أحفل به لأنه كان بعيدا جدا، وتابعت، وفجأة أخرى قصف رعد وهطل مطر وسالت أودية وأنا أنفض الغبار، كان غبارا كثيرا، ومرت الأيام والليالي وأنا أفرك وأنفض الغبار، حتى مل القراء، حينها، لمع ضوء وسمع صوت هدير، ثم خرج من المصباح دخان، وبعدها أخذ المصباح يسعل، وقال لي: انتظر قليلا، ثم تابع إخراج الدخان بحجم غيمة، ولم يتوقف، بحجم أفق، ولم يكتف، ومرت أشهر طوال، والدخان لا يتوقف، وحين يئست تماما رأيت بأم عيني وأختها عملاقا يخرج من فم المصباح، أمعنت النظر فإذا هي سيجارة، فقد كان مصباحا مدخنا، ومن السيجارة خرج دخان، ومن الدخان خرجت غيمة سوداء، ثم تشكلت، قدمان، يدان، رأس، حتى اكتمل الوهم طيفا مرعبا، وقال بصوت كأنه قصف طائرات حرف الباء الثاني والخمسين:
شبـاك أشـواك باب بلا مفتـــاح
أنا المارد الفتـاك أنا خادم المصباح
ثم رن هاتف خلوي بأغنية رجب، فرد على المكالمة، كان جنيا من خدم السحر الأسود، فكلمه بلغة لم أفهمها، ثم عاد إلى سياق القصة..
شبيك..لبيك، لماذا لم تقل شبيك لبيك، سألته، قال: ذلك قول مردة الزمن القديم، أما مردة عصر العولمة فشأن آخر.
أنا مارد بن مارد، وأمي العنقاء، عمي أبو جناح الطيار، خالي شمهورش، جدتي أم الصبيان، عمتي الجساسة، خالتي التابعة، فأنا جني ابن عائلة، أتقن أربعين ألف لغة كلها كذب، ولي مليون وجه ليس فيه حقيقة، أغني وأعشق ألفيس وريهانّا، لي موقع على شبكة الجن نت، وأنا سعيد جدا بكوني خادم مصباح قديم، فأخبرني ماذا تريد، إقامة في فندن الشيرتون، رحلة إلى جزر البهاما، ليال في هاواي، لعب الورق في فيغاس، سهرة عشق في روما، انظر هذه الموديلات، ماذا تريد، سيارات، حسناوات، عمر طويل، رصيد أطول، كل ما تتمناه أحققه لك في ثانية وأربع أعشار، قصور، الفوز بأي انتخابات، أن تصبح سيد العالم، أن تتزوج جنية شقراء، أو من الإنس، الثنتين معا، مرني فقط.

لم أفكر طويلا، فقد كان لدي طلب لو فتح الرب لي باب العرش لطلبته منه، وبما أن فرصة المارد جاءت بقدرة كاتب، فقد وجدت أن اللحظة حانت فقلت: أنت مارد طويل عمر كثير تجربة غزير علم.
قال: ولدت في سفينة نوح، وأعلم كل تفاصيل التاريخ وعلوم الثقلين، فمرني.
لم يكن أمرا، بل رجاء، وقلت له بصوت متقطع الأمعاء:
إذا بربك أخبرني، لم كل أمة يبنيها الأوفياء، وأمتي يهدمها الخونة؟؟
لِم كل قوم يقدسون أبطالهم، وقومي يقدسون أنذالهم؟؟؟
لِم كل أرض تحضن أطفالها، وأرضنا تطردنا بالمكنسة؟؟؟
لِمَ كل طير له وطن، ووطني غربة دامية؟؟؟
لِمَ حظي عاثر بالصدق، وحظ غيري بطل في العدو بسبب الإفك؟؟

لِمَ لعنتي أنني إنسان، وبركة سواي أنه مسخ؟؟
لِمَ ؟؟ لِمَ ؟؟؟ لِمَ ؟؟
وفجأة تحولت السحابة إلى نار، وتحول المارد إلى وحش مجنح، مزق الليل وصرخ بي وهو يمزق شعره:
أَترى لولا الذي ذكرت، كنت أترك الأرض وقصورها، والجنان وحورها، وأسكن في مصباح قديم؟؟؟؟
ثم اختفى، ولم يسمع عنه أحد بعدها.

أرض الصبر (ليبيا)
‏18‏/07‏/2008‏ 02:08:26 م

منشورات ذات صلة

من أنت
  كان الليل مظلما، وكان المطر ينهمر غزيرا ويدق بأنامله الرقيقة على نافذة الفيلا الفاخرة. نظر إلى ساعة يده الفاخرة المرصعة بالماس، شعر بثقل...
< 1 دقيقة للقراءة
النور الأخير
    سأموت قريبا، وبعد هذا الموت، سأولد، وأكون مختلقا، وأنسى حتى أتذكر.. لكني سأقتلك لو نسيتني. وهل يمكن أن أنساك يا مريم. كان...
5 دقائق للقراءة
حكاية سمكة
يحكى أن سمكة كانت تسبح في اليم فرأت طعاما معلقا بخيط يتدلى من أعلى،  ففرحت فرحا شديدا، وحسبت أن قوتها أتاها بلا عناء من...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية جابر
لم يكن جابر يوما مريضا، فقد كان قويّا كالثيران التي يربيّها، ليبيعها للمزارعين والقصّابين. وقد ورث عن والده قطعة أرض أتقن زراعتها وتفنن في...
11 دقائق للقراءة
الغرفة
من مجموعة قصصية تحمل نفس العنوان     لسنوات طويلة كنت أحاول دخول “الغرفة”، لكنني لم أقدر، فكل المفاتيح التي استخدمتها لم تفدني بشيء،...
11 دقائق للقراءة
الكرسي
من مجموعتي القصصية “وجوه”   لا أعلم كم من الزمن مضى وأنا غائب عن الوعي. ولست أذكر الكثير عن نفسي، كل ما أذكره أني...
4 دقائق للقراءة
أرض النسيان
كُتبت بالاشتراك مع صاحب الظل الأخضر، وصاحب السيف الأصفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (غافر 11)     لم أتصور أننا يوما سنفترق...
6 دقائق للقراءة
حكاية سمعان
كان “سمعان” في بطن أمه، حين سمع أصوات الناس، فهز رأسه وضرب برجليه. ويوم ولد سمع أصوات القبيلة كلها، ولعلّه سمع أصواتا من أعماق...
3 دقائق للقراءة
انبطاح
مهداة: إليهم..وسأستمر في الوقوف.   أفكر في فكرة لم أفكّر فيها من قبل. نفس الفكرة تفكّر أني قد أفكّر فيها. أنتظر في رصيف أفكاري...
2 دقائق للقراءة
مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة