ونستمر في رحلتنا مع كتاب الوصايا في جزءه الخامس.
نهديكم الكتاب، وحكمته الختامية:
الوصيّةُ الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ
يَا بُنَيَّ:
سَجَدَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا، فَاسْجُدْ طَائِعًا، وَأَقْبِلْ خَاضِعًا، وَكُنْ لَهُ رَاكِعًا.
فَلَيْسَ فِي الوُجُودْ، أَشْرَفُ مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودْ.
{شرح}
«سرّ السجود»
هذه الوصيّة تدور حول سرّ السجود، لكنها لا تتحدث عن هيئة جسدية فقط، بل عن مقام وجودي: أن تكون منسجمًا مع سجود الكون، لا مكرهًا فيه، بل مختارًا له.
فهي وصيّة في الانتقال من سجود الاضطرار، إلى سجود الاختيار.
****
«سجد لله ما في السماوات والأرض
طوعًا وكرهًا»
كل ما في الكون خاضع لقانون الله، مسيّر بأمره، لا يخرج عن حكمته.
فالشمس لا تملك أن تتأخر، والقمر لا يملك أن يعترض، والنبات لا يختار أن ينبت أو لا ينبت.
كلهم ساجدون لله، لكن بعضهم طوعًا، وبعضهم كرهًا؛ أي إن بعض السجود سجود محبة واختيار، وبعضه سجود قهر واضطرار.
*قلنا[1]: والحكمة تبين أن هذا السجود ناموس في ملكوت الله فكل شيء ساجد، محب واجد، وكل شيء يخضع للعظيم سبحانه، حتى ولو أبى، فالشيطان على عصيانه كل ما فيه خاضع لله ساجد له سجود القهر، وهو خاضع لقدر الله وقضائه، لا يخرج عنه مثقال ذرة، وكذا كل شيء من أدناه إلى أعلاه، ومن أوله إلى منتهاه.
مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ یَسۡجُدُ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡـَٔاصَالِ ۩﴾[2]
﴿وَلِلَّهِ یَسۡجُدُ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ مِن دَاۤبَّةࣲ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَهُمۡ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ﴾[3]
﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یَسۡجُدُ لَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَاۤبُّ وَكَثِیرࣱ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِیرٌ حَقَّ عَلَیۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن یُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یَشَاۤءُ ۩﴾[4]
****
«موقع الإنسان بين السجودين»
الإنسان وحده يملك أن يختار. يمكنه أن يسجد طوعًا، أو أن يُسجد كرهًا عبر الابتلاء،
أو الموت، أو الفناء.
وهنا تأتي الوصيّة لتدعوه إلى السجود الاختياري.
****
«فاسجد طائعًا»
أي لا تنتظر أن تُسجدك الحياة بالقوة،
بل اسجد أنت حبًا، وخضوعًا، واختيارًا.
****
«وأقبل خاضعًا»
الخضوع ليس انكسارًا مهينًا، بل انكسار العارف أمام عظمة ربه.
والخضوع لله هو عين العزة، لأن من خضع لله رفعه الله.
****
«وكن له راكعًا»
الركوع مرحلة بين القيام والسجود، وهو رمز التواضع والانحناء والتسليم.
فالوصيّة تبني سلّم العبودية: إقبال، ثم خضوع، ثم ركوع، ثم سجود.
****
«فليس في الوجود
أشرف من الركّع السجود»
الإنسان قد يتشرّف بالمال، أو العلم،
أو السلطان، أو الشهرة.
لكن في ميزان الحق، أشرف مقام هو السجود لله؛ لأنه نهاية التواضع وبداية القرب، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
****
«السرّ العرفاني للسجود»
السجود لحظة تختفي فيها الأنا: الجبهة على الأرض، والقلب في السماء، والروح في الحضرة. في السجود يسقط الكبر، وتنحلّ العقد، ويهدأ القلب.
لذلك ليس أشرف من الساجدين، لأنهم أقرب الناس إلى الله.
*قلنا[5]: ومقام السجد الركوع مقام عظيم، وأعظم الساجدين الأنبياء والملائكة، والصالحون، والصدّيقون، وأعلاهم سيد الأولين والآخرين وآل بيته والأئمة الاطهار، وكل ذلك يرد في مقام آية عظيمة، قوله سبحانه: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبۡرَاهِـۧمَ مُصَلࣰّىۖ وَعَهِدۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَاهِـۧمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ أَن طَهِّرَا بَیۡتِیَ لِلطَّاۤىِٕفِینَ وَٱلۡعَـٰكِفِینَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾[6]
****
«مقارنة عرفانية»
قال أحد العارفين: لو علم الملوك ما في السجود من لذة، لجالدونا عليه بالسيوف.
وقال آخر: السجود سرّ القرب، ومن حُرم السجود، حُرم الوصول.
****
«الخلاصة العرفانية المكثفة»
الكون كله ساجد لله، لكن بعضه مكره، وبعضه طائع. وأنت تملك الاختيار.
فاسجد حبًا، لا قهرًا، واخضع طوعًا،
لا اضطرارًا.
فما في الوجود مقام أشرف من قلب ساجد، وروح راكعة، وعبد خاضع لربّه.
[1] تعقيب المؤلف
[2] الرعد ١٥
[3] النحل ٤٩
[4] الحج ١٨
[5] تعقيب المؤلف
[6] البقرة ١٢٥