هَدِيَّةٌ رَمَضَانِيَّةٌ أُولَى، دِيوَانٌ أَتْمَمْتُ تَنْضِيدَهُ، فِيهِ مَجْمُوعَةٌ مِنْ مُعَارَضَاتِي لِعَدَدٍ مِنَ الْقَصَائِدِ الشِّعْرِيَّةِ الْمُخْتَارَةِ لِنُخْبَةٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْعَرَبِ مِنْ عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَصُورَةُ الْغِلَافِ أَرَدْتُ لَهَا أَنْ تَحْمِلَ تِلْكَ الرَّمْزِيَّةَ فِي اجْتِمَاعِهِمْ، كُلٌّ مِنْ زَمَانِهِ.
وَهُنَا كَلِمَةُ الإِهْدَاءِ، وَالْكَلِمَةُ الافْتِتَاحِيَّةُ، وَتَعْرِيفُ شِعْرِ الْمُعَارَضَاتِ.
أَرْجُو أَنْ تَجِدُوا فِي الدِّيوَانِ فُسْحَةً شِعْرِيَّةً رَائِقَةً شَيِّقَةً.
إَهْدَاءْ
إِلَى عُشَّاقِ الْقَرِيضِ، وَرَوْعَةِ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ،
أُهْدِي هٰذِهِ الرِّحْلَةَ الشِّعْرِيَّةَ الَّتِي امْتَزَجَتْ فِيهَا رُوحِي بِأَرْوَاحِ شُعَرَاءَ مِنْ عُصُورٍ شَتَّى،
فَكَانَ الدِّيوَانُ بَرْزَخًا وَمَجْمَعَ بَحْرَيْنِ،
وَكُنْتُ فِيهِ كَطِفْلٍ يَرْقُصُ فِي خَيْمَةِ الْحُرُوفِ الأَزَلِيَّةِ.
كلِمةٌ قبلَ السَّفرْ
عِنْدَمَا كُنْتُ صَغِيرًا، وَتَحْدِيدًا فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِي، أَخَذْتُ كِتَابًا كَانَ يَدْرُسُ بِهِ عَمِّي فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ التَّعْلِيمِ الثَّانَوِي، وَقَرَأْتُ قَصِيدَتَيْنِ سَارَعَتْ رُوحِي فِي إِيصَالِ مَعَانِيهِمَا لِعَقْلِي، وَلَمَعَ شَيْءٌ فِي ذِهْنِي أَذْكُرُهُ كَأَنَّهُ الآنَ، وَتَجَلَّتْ تِلْكَ الذَّاكِرَةُ الَّتِي سَتَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ مَوْسُوعِيَّتِي وَتَعَدُّدِ تَخَصُّصَاتِي العِلْمِيَّةِ: الذَّاكِرَةُ النَّاسِخَةُ.
فَمِنْ قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ حَفِظْتُ مَا قَرَأْتُ: رَائِعَةَ الْمُتَنَبِّي “وَاحَرَّ قَلْبَاهُ”، وَبَيْتَهَا العَظِيمَ:
| الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي |
| وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالقِرْطَاسُ وَالقَلَمُ |
وَرَائِعَتَهُ الثَّانِيَةَ: “أَرَقٌّ عَلَى أَرَقٍ”.
حَفِظْتُ القَصِيدَتَيْنِ، وَانْطَلَقْتُ إِلَى المَدْرَسَةِ لِأُلْقِيَهُمَا عَلَى مَسَامِعِ التَّلَامِيذِ وَالمُعَلِّمِ، وَكَانَ اسْمُهُ سُلَيْمَانَ. أَخْبَرَنِي بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ أَنَّهُ سَمَّى ابْنَهُ عَلَى اسْمِي، كَمَا فَعَلَ عَدَدٌ مِنْ أَصْدِقَائِي وَتَلَامِيذِي.
وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ إِلْقَاءٍ لِي: طِفْلٌ فِي الثَّامِنَةِ يُلْقِي مِنْ شِعْرِ أَبِي الطَّيِّبِ.
وَكَانَتِ المَرَّةُ الأُولَى الَّتِي يَسْمَعُ فِيهَا الشَّاعِرُ فِي أَعْمَاقِي التَّصْفِيقَ، وَيَرَى نَظَرَاتِ الإِعْجَابِ وَالانْبِهَارِ.
وَلَعَلَّهُ أَدْرَكَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ شَاعِرٌ عَظِيمٌ مِنْ نَوْعِ العَمَالِقَةِ الأَوَّلِينَ.
وَلَكَ يَا قَارِئِي أَنْ تَحْكُمَ مِنْ هٰذَا الدِّيوَانِ: أَكَانَ صَاحِبِي الَّذِي يَسْكُنُنِي وَاهِمًا فِي نَفْسِهِ أَمْ مُحِقًّا، مُغْتَرًّا بِشَاعِرِيَّتِهِ أَمْ صَادِقًا.
وَهَا هِيَ الأَعْوَامُ تَمْضِي بِي، وَأَنَا عَلَى مَشَارِفِ الخَمْسِينَ، وَقَدْ كَتَبْتُ آلَافَ القَصَائِدِ. أَجِدُنِي أَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ لِأَرَاهَا بِعَيْنٍ أُخْرَى، وَأَرَى مِنْ خِلَالِهَا أَنَّ الشِّعْرَ رُوحٌ، وَأَنَّ لِلشِّعْرِ رُوحَانِيَّةً تَسْرِي فِيهِ وَتَسْرِي مِنْ خِلَالِهِ، وَرَوَاحِينَ يَبُثُّونَهُ فِي الوِجْدَانِ الإِنْسَانِيّ.
وَيُضِيفُ إِلَى ذٰلِكَ الشَّاعِرُ بِمَا يَحْفَظُهُ مِنَ الشِّعْرِ وَرَوَائِعِهِ وَنَفَائِسِهِ، وَمَا يَبْلُغُهُ مِنْ تَمَكُّنٍ مِنْ لِسَانِ العَرَبِ، وَإِتْقَانِ لُغَةِ الضَّادِ، وَتَوَسُّعٍ فِي نَحْوِهَا وَصَرْفِهَا وَإِعْرَابِهَا وَبَدِيعِهَا، وَمَا تَحْوِيهِ مِنْ تَشْبِيهٍ وَاسْتِعَارَاتٍ وَكِنَايَاتٍ وَطِبَاقٍ وَجِنَاسٍ وَتَرْصِيعٍ، لَا تَحْوِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى مِنْ لُغَاتِ الأَرْضِ، وَمَا فِيهَا مِنْ جَمَالِ التَّصْوِيرِ وَرَوْعَةِ المَعْنَى.
وَلَكِنَّ ذٰلِكَ لَا يَكُونُ دُونَ تِلْكَ الرُّوحِ، وَلَا يَتِمُّ بِغِيَابِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَلَا يَنْبُعُ دُونَ رَوْحَانِ الشِّعْرِ العَظِيمِ، الَّذِي سَمَّاهُ العَرَبُ قَدِيمًا ـ ظُلْمًا لَهُ ـ شَيْطَانَ الشِّعْرِ، أَوْ نَسَبُوهُ إِلَى جِنٍّ فِي وَادٍ سَمَّوْهُ عَبْقَرَ، فَوُلِدَ مِنْ ذٰلِكَ لَفْظُ العَبْقَرِيّ.
وَلَكِنَّ هٰذَا الرُّوحَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِعُظَمَاءِ الشُّعَرَاءِ، وَلِأَصْحَابِ القُلُوبِ المُحْتَرِقَةِ بِنَارِ العِشْقِ الأَزَلِيَّةِ.
فِي رِحْلَتِي مَعَ الشِّعْرِ قَرَأْتُ آلَافَ القَصَائِدِ، وَحَفِظْتُ الكَثِيرَ مِنْهَا، وَطُفْتُ فِي عَوَالِمِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ ثُمَّ الغَرْبِيِّ فَالعَالَمِيِّ.
وَمَا شَدَّنِي كَانَ شِعْرُ الجَاهِلِيَّةِ الأَوَّلِ، مِنِ امْرِئِ القَيْسِ إِلَى النَّابِغَةِ، وَعَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ، وَعَنْتَرَةَ العَبْسِيِّ، صَدِيقِي السَّيَّافِ الَّذِي أَشْرُفُ أَنِّي سَيَّافٌ مِثْلُهُ.
وَرَفِيقِ رِحْلَتِي وَغُرْبَتِي الشَّنْفَرَى وَلَامِيَةِ العَرَبِ، وَصَاحِبِهِ تَأَبَّطَ شَرًّا الَّذِي جَعَلْتُ لَهُ دِيوَانًا عَنْوَنْتُهُ “تَأَبَّطَ حُبًّا“.
وَمِنْ أَصْحَابِ المُعَلَّقَاتِ إِلَى أَصْحَابِ الشَّهَامَةِ وَالمَلَاحِمِ: السَّمَوْأَلِ وَالمُهَلْهِلِ، إِلَى طَرَفَةَ، وَالمُنَخَّلِ اليَشْكُرِيِّ، وَقِصَّتِهِ مَعَ الفَتَاةِ فِي اليَوْمِ المَطِيرِ…
تِلْكَ الأَبْيَاتُ الشَّهِيرَةُ الرَّائِعَةُ الَّتِي طَالَمَا رَاقَتْ لِي:
| وَلَقَدْ دَخَلْتُ عَلَى الفَتَاةِ |
| الخِدْرِ فِي اليَوْمِ المَطِيرِ |
| الكَاعِبُ الحَسْنَاءُ تَرْفُلُ |
| فِي الدِّمَقْسِ وَفِي الحَرِيرِ |
| فَدَفَعْتُهَا فَتَدَافَعَتْ |
| مَشْيَ القَطَاةِ إِلَى الغَدِيرِ |
| وَلَثَمْتُهَا فَتَنَفَّسَتْ |
| كَتَنَفُّسِ الظَّبْيِ الغَرِيرِ |
| وَأُحِبُّهَا وَتُحِبُّنِي |
| وَيُحِبُّ نَاقَتَهَا بَعِيرِي |
وَالبَيْتُ الأَخِيرُ مِنْ أَشْهَرِ أَبْيَاتِ الشِّعْرِ الجَاهِلِيِّ، بَلِ العَرَبِيِّ، وَمِنْ أَطْرَفِهَا.
وَقَدْ حَفِظْتُ لَهُمُ الكَثِيرَ، وَوَقَفْتُ مَعَهُمْ عَلَى الأَطْلَالِ، وَكَتَبْتُ الشِّعْرَ بِرُوحِ زَمَانِهِمْ، وَبِمَلَامِحِ الصَّحْرَاءِ، وَوَجَعِ الظَّعْنِ، وَدُمُوعِ الظَّعِينَةِ المُرْتَحِلَةِ.
ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى صَدْرِ الإِسْلَامِ، وَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَرَوَائِعِ المَدَائِحِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي صَاغَتْ مِنِّي مَدَّاحًا مَنْفُوحًا.
وَكَذٰلِكَ قَصَائِدُ الإِمَامِ عَلِيٍّ وَحِكْمَتُهُ الفَيَّاضَةُ الَّتِي وَصَلَتْنِي بِصَدْرِهِ الشَّرِيفِ.
ثُمَّ مَا جَاءَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنَ العَصْرِ الأُمَوِيِّ إِلَى العَبَّاسِيِّ، ثُمَّ المَمْلُوكِيِّ، فَالعُثْمَانِيِّ…
مِنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَجَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَقَيْسِ بْنِ المُلوَّحِ، مَجْنُونِ لَيْلَى، الَّذِي كَانَ لَهُ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِي.
إِلَى الفَرَزْدَقِ وَجَرِيرٍ، وَأَبِي تَمَّامٍ، وَالبُحْتُرِيِّ، وَأَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، وَمَهَابَةِ القَصِيدَةِ العَرَبِيَّةِ.
وَهُوَ مَا جَعَلَنِي أُحِبُّ الشِّعْرَ العَمُودِيَّ، وَأَسْعَى لِكِتَابَةِ قَصَائِدَ بِلُغَةٍ فَاخِرَةٍ بَاذِخَةٍ قَوِيَّةٍ.
ثُمَّ إِلَى البَهَاءِ زُهَيْرٍ، وَالشَّابِّ الظَّرِيفِ، وَرَوَائِعِ العَصْرِ المَمْلُوكِيِّ، وَابْنِ زُرَيْقٍ، وَصَفِيِّ الدِّينِ الحِلِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ كَثِيرٌ.
ثُمَّ حَمَلَتْنِي الأَشْعَارُ إِلَى ابْنِ الفَارِضِ، وَالبُوصِيرِيِّ، وَأَبِي مَدْيَنَ الغَوْثِ، وَعَبْدِ الغَنِيِّ النَّابُلْسِيِّ، وَرَوَائِعِ الشِّعْرِ الصُّوفِيِّ.
وَكَانَتْ لِي رِحْلَةٌ مَعَ المُوَشَّحَاتِ الأَنْدَلُسِيَّةِ، مَعَ ابْنِ زَيْدُونَ، وَلِسَانِ الدِّينِ الخَطِيبِ، وَالحُصَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ إِلَى عُظَمَاءِ الشِّعْرِ فِي العَصْرِ العُثْمَانِيِّ، كَالشَّيْخِ أَمِينِ الجُنْدِيِّ، وَأَحْمَدَ الكِيوَانِيِّ.
ثُمَّ إِلَى أَمِيرِ الشُّعَرَاءِ أَحْمَدَ شَوْقِي، وَالأَخْطَلِ الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عَمَالِقَةِ القَرْنِ المَاضِي.
وَكُلُّ ذٰلِكَ دُونَ أَنْ أُسْهِبَ فِي الكَلَامِ عَنْ مَدَارِسِ الشِّعْرِ الأُخْرَى، مَعَ أَنِّي أَكْتُبُ الشِّعْرَ الحُرَّ أَيْضًا، وَتَأَثَّرْتُ بِالسَّيَّابِ وَدَرْوِيشَ وَنِزَارٍ.
هٰذَا الدِّيوَانُ احْتِفَاءٌ بِهَؤُلَاءِ وَبِغَيْرِهِمْ، ضِمْنَ مُعَارَضَاتٍ جَمِيلَةٍ لِمَجْمُوعَةٍ مِنْ أَشْهَرِ القَصَائِدِ، الَّتِي يّجِدُهَا مَنْ أَحَبَّ مَنْشُورَةً فِي ثَوْبٍ غِنَائِيٍّ بَدِيعٍ، بِاسْتِخْدَامِ الرُّوحِ الِاصْطِنَاعِيَّةِ المُلهِمَةِ، الَّتِي أَثْبَتَتْ أَنَّ حَرَارَةَ الرُّوحِ يُمْكِنُ أَنْ تَسْرِي حَتَّى فِي الخَوَارِزْمِيَّاتِ البَارِدَةِ.
سوسة 17/02/2026 10:19
تَعْرِيفٌ بِشِعْرِ المُعَارَضَاتِ
المُعَارَضَةُ فِي أَصْلِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ هِيَ المُقَابَلَةُ وَالمُوَازَاةُ؛ يُقَالُ: عَارَضَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إِذَا قَابَلَهُ، وَسَارَ حِيَالَهُ، أَوْ أَتَى بِمِثْلِهِ.
أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ الأَدَبِيِّ فَهِيَ أَنْ يَنْهَضَ شَاعِرٌ إِلَى قَصِيدَةٍ سَبَقَتْ، فَيَنْسُجَ عَلَى مِنْوَالِهَا قَصِيدَةً أُخْرَى، يَلْتَزِمُ وَزْنَهَا وَقَافِيَتَهَا وَمَوْضُوعَهَا، لَا تَقْلِيدًا جَامِدًا، بَلْ مُحَاوَرَةً فَنِّيَّةً وَمُبَارَاةً جَمَالِيَّةً، يُحَاوِلُ فِيهَا أَنْ يُوَازِيَ صَاحِبَهَا أَوْ يَسْمُوَ عَلَيْهَا. وَهَكَذَا تَغْدُو المُعَارَضَةُ ضَرْبًا مِنَ الحِوَارِ الشِّعْرِيِّ عَبْرَ الزَّمَنِ، تَتَلَاقَى فِيهِ الأَصْوَاتُ، وَتَتَنَافَسُ الأَرْوَاحُ، وَيَقِفُ الشَّاعِرُ بَيْنَ الوَفَاءِ لِلْأَصْلِ، وَالجُرْأَةِ عَلَى الِابْتِكَارِ.
وَقَدْ نَشَأَ هٰذَا الفَنُّ مِنْ طَبِيعَةِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ نَفْسِهَا، القَائِمَةِ عَلَى المُفَاخَرَةِ وَالمُبَارَاةِ، فَظَهَرَتْ بُذُورُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ فِي صُوَرِ التَّحَدِّي وَالتَّبَارِي، كَقِصَّةِ امْرِئِ القَيْسِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ.
ثُمَّ أَخَذَتْ مَلَامِحُهُ تَتَّضِحُ فِي العَصْرِ الأُمَوِيِّ، وَاتَّسَعَتْ دَائِرَتُهُ فِي العَصْرِ العَبَّاسِيِّ، حَتَّى ازْدَهَرَتِ المُعَارَضَاتُ فِي الأَنْدَلُسِ ازْدِهَارًا عَظِيمًا، حَيْثُ شَعَرَ شُعَرَاؤُهَا بِثِقَلِ النَّمُوذَجِ المَشْرِقِيِّ، فَرَاحُوا يُحَاوِرُونَهُ شِعْرًا، وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ نَغْمًا وَمَعْنًى.
ثُمَّ عَادَتِ المُعَارَضَاتُ فِي عُصُورِ الِانْحِطَاطِ وَالنَّهْضَةِ الحَدِيثَةِ، فَصَارَتْ سَبِيلًا إِلَى إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، وَإِثْبَاتِ القُدْرَةِ، وَرَبْطِ الحَاضِرِ بِالمَاضِي فِي سِلْسِلَةٍ فَنِّيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ.
وَمِنْ أَقْدَمِ مَا يُرْوَى فِي شِعْرِ المُعَارَضَاتِ مَا كَانَ بَيْنَ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، إِذْ قَالَ جَمِيلٌ:
| عَرَفْتُ مَصِيفَ الحَيِّ وَالـمُـتَرَبَّعَا |
| كَمَا خَطَّتِ الكَفُّ الكِتَابَ الـمُرَجَّعَا |
فَعَارَضَهُ عُمَرُ بِقَوْلِهِ:
| أَلَمْ تَسْأَلِ الأَطْلَالَ وَالـمُتَرَبَّعَا |
| بِبَطْنِ حِلَيَّاتٍ دَوَارِسَ بَلْقَعَا |
وَقَالَ جَمِيلٌ أَيْضًا:
| أَغَادٍ أَخِي مِنْ آلِ سَلْمَى فَمُبْكِرُ |
| أَبِنْ لِي أَغَادٍ أَنْتَ أَمْ مُتَهَجِّرُ |
فَعَارَضَهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
| أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ |
| غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّرُ |
ثُمَّ تَتَابَعَتِ المُعَارَضَاتُ فِي العُصُورِ اللَّاحِقَةِ، فَعَارَضَ صَفِيُّ الدِّينِ الحِلِّيُّ المُتَنَبِّي، إِذْ قَالَ المُتَنَبِّي:
| بِأَبِي الشُّمُوسِ الجَانِحَاتِ غَوَارِبًا |
| اللَّابِسَاتِ مِنَ الحَرِيرِ جَلَابِبَا |
فَقَالَ الحِلِّيُّ:
| أَسْبَلْنَ مِنْ فَوْقِ النُّهُودِ ذَوَائِبًا |
| فَجَعَلْنَ حَبَّاتِ القُلُوبِ ذَوَائِبَا |
وَعَارَضَ كَثِيرُونَ المُتَنَبِّي لِمَا كَانَ لَهُ مِنَ الهَيْبَةِ وَالمَكَانَةِ الشِّعْرِيَّةِ، فَقَالَ ابْنُ زُرَيْقٍ:
أَلَا هَكَذَا فِي اللَّهِ تَمْضِي العَزَائِمُ
مُعَارِضًا قَوْلَهُ الشَّهِيرَ:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ
وَفِي العُصُورِ الحَدِيثَةِ، عَمَدَ أَحْمَدُ شَوْقِي إِلَى قَصِيدَةِ البُحْتُرِيِّ فِي إِيوَانِ كِسْرَى، فَقَالَ البُحْتُرِيُّ:
| صُنْتُ نَفْسِي عَمَّا يُدَنِّسُ نَفْسِي |
| وَتَرَفَّعْتُ عَنْ جَدَا كُلِّ جِبْسِ |
فَقَالَ شَوْقِي:
| اخْتِلَافُ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ يُنْسِي |
| اذْكُرَا لِي الصِّبَا وَأَيَّامَ أُنْسِي |
كَمَا عَارَضَ شَوْقِي بُرْدَةَ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ فِي قَصِيدَتِهِ المَشْهُورَةِ “نَهْجُ البُرْدَةِ”، فَكَانَ ذٰلِكَ مِنْ أَشْهَرِ مُعَارَضَاتِ العَصْرِ الحَدِيثِ، وَكَذٰلِكَ مُعَارَضَتُهُ الشَّهِيرَةُ لِلْحُصْرِيِّ القَيْرَوَانِيِّ، وَتَجِدُ ذِكْرَهَا فِي هٰذَا الدِّيوَانِ.
وَهَكَذَا ظَلَّتِ المُعَارَضَةُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ التَّنَافُسِ الشَّرِيفِ بَيْنَ الشُّعَرَاءِ، وَمِيدَانًا تَتَجَلَّى فِيهِ بَرَاعَةُ الصِّيَاغَةِ، وَدِقَّةُ المُحَاكَاةِ، وَقُوَّةُ الِابْتِكَارِ.
بَلْ إِنَّ بَعْضَ المُعَارَضَاتِ فَاقَتْ أُصُولَهَا جَمَالًا وَتَأْثِيرًا، فَصَارَتْ بِدَوْرِهَا نَمَاذِجَ يُحْتَذَى بِهَا.
وَبِفَضْلِ هٰذَا الفَنِّ، بَقِيَ التُّرَاثُ الشِّعْرِيُّ العَرَبِيُّ حَيًّا نَابِضًا، تَتَعَاقَبُ عَلَيْهِ الأَصْوَاتُ، وَتَتَجَدَّدُ فِيهِ الأَنْفَاسُ، حَتَّى غَدَا دِيوَانُ العَرَبِ حِوَارًا مُمْتَدًّا بَيْنَ الأَجْيَالِ، لَا يَنْقَطِعُ فِيهِ النَّشِيدُ، وَلَا يَخْبُو فِيهِ الصَّدَى.
وَمَا هٰذَا الدِّيوَانُ إِلَّا حَلْقَةٌ جَدِيدَةٌ فِي تِلْكَ السِّلْسِلَةِ العَرِيقَةِ، يَمُدُّ فِيهَا الشَّاعِرُ صَوْتَهُ إِلَى أَصْوَاتِ السَّابِقِينَ، لِيُحَاوِرَهَا، وَيُنَاجِيهَا، وَيُوقِظَ فِيهَا نَبْضًا آخَرَ مِنَ الجَمَالِ، وَنَفَسًا آخَرَ مِنَ الرَّوْعَةِ، وَلَهَبًا آخَرَ مِنْ تِلْكَ اللَّوْعَةِ.
إِنَّهَا رَوْعَةُ الحُسْنِ حِينَ تَمْتَزِجُ بِلَوْعَةِ العِشْقِ، فَمَا مِنْ شَاعِرٍ أَبْدَعَ يَوْمًا حَرْفًا، لَوْ لَمْ يَكُنْ عَاشِقًا.