قَلْبٌ شَقِيٌّ، عُنْوَانٌ اخْتَرْتُهُ لِدِيوَانٍ فِيهِ بَعْضُ قَصَائِدِي المُتَمَرِّدَةِ وَالمُتَأَلِّمَةِ، وَالثَّورِيَّةِ الْمُقَاوِمَةْ، الَّتِي نَزَفْتُهَا بَيْنَ أَوَاخِرِ التِّسْعِينَاتِ وَبِدَايَةِ الأَلْفَيْنَاتِ.
وَكُلُّهَا تَعْبِيرَاتٌ عَنِ الوَجَعِ، سَوَاءً مَا كَانَ يَخُصُّنِي فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ القَاسِيَةِ مِنْ حَيَاتِي، أَوْ مَا يَخُصُّ الأُمَّةَ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ المُحِبُّ الغَيُورُ عَلَيْهَا مِنْ قَهْرٍ لِحَالِهَا، وَأَلَمٍ لِمَآلِهَا، كَمَا تَجِدُ مَثَلًا فِي قَصِيدَةِ «مَدَار».
وَمِنْ بَيْنِ القَصَائِدِ الَّتِي لَهَا مَنْزِلَةٌ خَاصَّةٌ جِدًّا قَصِيدَةُ «البِدَايَة» الَّتِي أَفْتَتِحُ بِهَا هٰذَا الدِّيوَانَ.
فَقَدْ كَتَبْتُهَا بَعْدَ وَجَعٍ رُوحِيٍّ وَعَاطِفِيٍّ شَدِيدٍ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الاسْتِمَاعِ إِلَى «القَصِيدَة» الَّتِي كَتَبَهَا الشَّاعِرُ وَالمُنَاضِلُ الفِلَسْطِينِيُّ الكَبِيرُ مُعِين بْسِيسُو قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامَيْنِ سَنَةَ 1984، فِي عَرْضِ البَحْرِ بَعْدَ حِصَارِ بَيْرُوتَ صَيْفَ 1982، الَّذِي جَاءَ نَتِيجَةً لِانْهِيَارِ وَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ الَّذِي أَقَرَّتْهُ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ.
وَقَدِ انْتَهَى الحِصَارُ بِخُرُوجِ مُنَظَّمَةِ التَّحْرِيرِ الفِلَسْطِينِيَّةِ بِالقُوَّةِ مِنْ لُبْنَانَ. وَهُنَالِكَ فِي البَحْرِ الَّذِي يَمْتَدُّ بِلَا نِهَايَةٍ، وَفِي شُعُورٍ أَنَّ لَا أَحَدَ يُرِيدُ اسْتِقْبَالَ المُنَاضِلِ الفِلَسْطِينِيِّ، كَتَبَ بْسِيسُو رَائِعَتَهُ «القَصِيدَة» الَّتِي سَمِعْتُهَا فِي الحَيِّ الجَامِعِيِّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بِصَوْتِ الفَنَّانِ المِصْرِيِّ الكَبِيرِ كَرَم مُطَاوِع، وَجَاءَ صَوْتُهُ هَادِئًا حَزِينًا يُرَدِّدُ:
سلامًا أَيُّهَا المُتْرَاسُ
إِنْ ضَاقَتْ بِكَ المُدُنُ
فَمَا ضَاقَتْ بِكَ السُّفُنُ
وَيَا قَدَمًا زَرَعْتُ القَمْحَ فِيهَا
وَهِيَ تَرْتَحِلُ
شَرَايِينِي الَّتِي قُطِعَتْ
شَرَايِينِي الَّتِي تَصِلُ
لِمَاذَا لَمْ أَزَلْ حَيًّا
أَنَا المَطْعُونُ بِالزَّيْتُونِ وَالعِنَبِ
أَ سَاعَةُ حَائِطٍ لِلنَّارِ
فِي السُّحُبِ
أَ تِمْثَالٌ مِنَ اللَّهَبِ
عَلَى قَدَمَيْهِ قُرْبَانٌ مِنَ الحَطَبِ
وَقَدْ حَمَلَتِ القَصِيدَةُ شُعُورًا رُوحِيًّا قَوِيًّا بِالقَهْرِ وَالغُرْبَةِ لَامَسَ رُوحِي المُتْعَبَةَ المُعَذَّبَةَ حِينَئِذٍ، وَمَا تَزَالُ.
وَمَا كَانَ أَوْجَعَ قَوْلَهُ، وَمَا أَشَدَّ وَجَعَهُ بِصَوْتِ كَرَم مُطَاوِع الحَزِينِ الشَّجِيِّ، إِذْ يَقُولُ:
اُبْرُكْ عَلَى الجُرْحِ وَاشْرَبْ
أَيُّهَا الجَمَلُ
لَقَدْ عَطِشْتَ طَوِيلًا أَيُّهَا الجَمَلُ
لَقَدْ مَشَيْتَ طَوِيلًا أَيُّهَا الجَمَلُ
لَقَدْ صَبَرْتَ طَوِيلًا أَيُّهَا الجَمَلُ
فَهَوْدَجٌ أَنْتَ لِلسُّلْطَانِ مُرْتَحِلُ
وَأَنْتَ قُرْبَانُ مَنْ حَطُّوا
وَمَنْ رَحَلُوا
لَا شَارِعٌ لَكَ فِيهِ
شُبَّاكٌ
وَلَا وَطَنُ
لَكَ فِيهِ لَا بَطَلُ
وَلَا وَثَنُ
عَطْشَانُ لَا عُودُ مَاءٍ
أَنْتَ تَمْلِكُهُ
لَكِنْ لِخَطْفِكَ يَمْشِي البَحْرُ وَالسُّفُنُ
جَوْعَانُ وَهُوَ عَلَى السِّكِّينِ سُنْبُلَةٌ
عُرْيَانُ وَهُوَ عَلَى صَحْرَائِهِمْ غُصُنُ
وَالشَّمْسُ دُودَةُ قَزٍّ
كُلُّ مَا سَكَبَتْ
مِنَ الحَرِيرِ لَهُمْ
لَكِنْ لَكَ الكَفَنُ.
لَقَدْ كَانَ هٰذَا مِنْ أَكْثَرِ مَا أَثَّرَ بِي مِنَ الشِّعْرِ الحُرِّ، فَكَانَتْ قَصِيدَتِي «البِدَايَة» تَفَاعُلًا مَعَ «القَصِيدَة» لِمُعِين بْسِيسُو.
وَكَذٰلِكَ كُنْتُ فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ مُتَأَثِّرًا بِقَصَائِدَ أُخْرَى، وَأَهَمُّهَا: «أُنْشُودَةُ المَطَر» لِبَدْرِ شَاكِرِ السَّيَّاب. قَرَأْتُهَا وَعَارَضْتُهَا وَأَنَا فِي الدِّرَاسَةِ الثَّانَوِيَّةِ، وَتَحْدِيدًا سَنَةَ 1995، وَلَكِنِّي فَقَدْتُ تِلْكَ القَصِيدَةَ الَّتِي عَارَضْتُهَا بِهَا وَقَرَأْتُهَا فِي قِسْمِ الدِّرَاسَةِ أَمَامَ انْبِهَارِ الأُسْتَاذَةِ وَالتَّلَامِيذِ حِينَئِذٍ.
وَذَكَّرَنِي ذٰلِكَ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنْشَدْتُ فِيهَا الشِّعْرَ سَنَةَ 1984 وَأَنَا فِي المَدْرَسَةِ الِابْتِدَائِيَّةِ، حِينَ أَنْشَدْتُ لِلمُتَنَبِّي، وَقَدْ حَفِظْتُ لَهُ رَائِعَتَيْهِ: «وَاحَرَّ قَلْبَاه»
وَ «أَرَقٌّ عَلَى أَرَق»، وَكُنْتُ فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِي.
وَتُعَدُّ «أُنْشُودَةُ المَطَر» لِبَدْرِ شَاكِرِ السَّيَّاب – الَّذِي زُرْتُ مَدِينَتَهُ البَصْرَة وَنَهْرَ جَيْكُور بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ – مِنْ أُولَى قَصَائِدِ الشِّعْرِ الحُرِّ، إِذْ يُرْجِعُ النُّقَّادُ لِشَاعِرِ العِرَاقِ فَضْلَ وِلَادَةِ مَدْرَسَةِ الشِّعْرِ الحُرِّ أَوْ شِعْرِ التَّفْعِيلَة، مَعَ الشَّاعِرَةِ نَازِك المَلَائِكَة.
وَأَعْتَقِدُ أَنَّ مُعِين بْسِيسُو تَفَاعَلَ مَعَ قَصِيدَةِ السَّيَّابِ الَّتِي مَطْلَعُهَا:
عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ
أَوْ شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ كَالأَقْمَارِ فِي نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنًا سَاعَةَ السَّحَرْ
كَأَنَّمَا تَنْبُضُ فِي غَوْرَيْهِمَا النُّجُومْ
وَتَغْرَقَانِ فِي ضَبَابٍ مِنْ أَسًى شَفِيفْ
كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَهُ المَسَاءْ
دِفْءُ الشِّتَاءِ فِيهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيفْ
وَالمَوْتُ وَالمِيلَادُ وَالظَّلَامُ وَالضِّيَاءْ
فَتَسْتَفِيقُ مِلْءَ رُوحِي رَعْشَةُ البُكَاءْ
كَنَشْوَةِ الطِّفْلِ إِذَا خَافَ مِنَ القَمَرْ
كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ
وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ فِي المَطَرْ
وَكَرْكَرَ الأَطْفَالُ فِي عَرَائِشِ الكُرُومْ
وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَرْ
أُنْشُودَةُ المَطَرْ
مَطَرْ
مَطَرْ
مَطَرْ
وَتَأَثَّرْتُ كَذٰلِكَ فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ بِقَصِيدَةٍ لِمُنَاضِلٍ وَشَاعِرٍ فِلَسْطِينِيٍّ كَبِيرٍ، نِلْتُ شَرَفَ مُكَالَمَتِهِ هَاتِفِيًّا مَرَّةً فِي أَوَاخِرِ أَعْوَامِ حَيَاتِهِ، إِذْ تُوُفِّيَ سَنَةَ 2014، عَنْ طَرِيقِ صَدِيقِي المُنَاضِلِ الفِلَسْطِينِيِّ جُمْعَة النَّاجِي رَحِمَهُ الله.
وَكُنْتُ طِيلَةَ أَعْوَامِ الجَامِعَةِ أَبْدَأُ إِلْقَاءَ الشِّعْرِ فِي الأَمْسِيَاتِ الشِّعْرِيَّةِ بِمَقْطَعٍ مِنْ قَصِيدَتِهِ الأَشْهَر «شَخْصٌ غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيه»، وَهِيَ مَلْحَمَةٌ شِعْرِيَّةٌ بِحَقٍّ:
جُرِحْتُ وَجُرْحِي عَمِيقٌ
وَصَمْتِي عَمِيقٌ
وَصَوْتِي عَمِيقٌ
وَأُقْسِمُ أَنِّي أُقَاتِلْ
وَسَوْفَ أَظَلُّ أُقَاتِلْ
وَسَوْفَ أَظَلُّ
لِيُولَدَ حَقٌّ
وَيَزْهَقَ بَاطِلْ
كَمَا تَأَثَّرْتُ كَثِيرًا بِشَاعِرَيْنِ آخَرَيْنِ، تَجِدُ لَهُمَا أَثَرًا فِي هٰذَا الدِّيوَانِ وَفِي سِوَاهُ، وَهُمَا الشَّاعِرُ الفِلَسْطِينِيُّ الكَبِيرُ مَحْمُود دَرْوِيش، وَخَاصَّةً قَصِيدَتُهُ «يَطِيرُ الحَمَام» الَّتِي وَجَدْتُ فِيهَا جَمَالًا لُغَوِيًّا وَإِيقَاعِيًّا كَبِيرًا انْعَكَسَ عَلَى بَعْضِ قَصَائِدِي.
وَيَقُولُ فِي مَطْلَعِهَا:
يَطِيرُ الحَمَامُ
يَحُطُّ الحَمَامْ
أَعِدِّي لِيَ الأَرْضَ كَيْ أَسْتَرِيحْ
فَإِنِّي أُحِبُّكِ حَتَّى التَّعَبْ
صَبَاحُكِ فَاكِهَةٌ لِلأَغَانِي
وَهٰذَا المَسَاءُ ذَهَبْ
وَنَحْنُ لَنَا حِينَ يَدْخُلُ ظِلٌّ إِلَى ظِلِّهِ فِي الرُّخَامْ
وَأُشْبِهُ نَفْسِي حِينَ أُعَلِّقُ نَفْسِي
عَلَى عُنُقٍ لَا تُعَانِقُ غَيْرَ الغَمَامْ
وَأَنْتِ الهَوَاءُ الَّذِي يَتَعَرَّى أَمَامِي كَدَمْعِ العِنَبْ
وَأَنْتِ بَدَايَةُ عَائِلَةِ المَوْجِ حِينَ تَشَبَّثَ بِالبَرِّ
حِينَ اغْتَرَبْ
وَإِنِّي أُحِبُّكِ، أَنْتِ بَدَايَةُ رُوحِي، وَأَنْتِ الخِتَامْ
يَطِيرُ الحَمَامُ
يَحُطُّ الحَمَامْ.
وَالثَّانِي هُوَ الشَّاعِرُ السُّورِيُّ الكَبِيرُ نِزَار قَبَّانِي، وَخَاصَّةً قَصِيدَتُهُ الَّتِي كَتَبَهَا بَعْدَ مَقْتَلِ زَوْجَتِهِ العِرَاقِيَّةِ السَّيِّدَةْ الشَّهِيدَةْ بَلْقِيس الرَّاوِي فِي تَفْجِيرِ سَيَّارَةٍ مُفَخَّخَةٍ أَمَامَ سِفَارَةِ العِرَاقِ فِي بَيْرُوتَ سَنَةَ 1981، وَكَانَتْ تَعْمَلُ فِي القِسْمِ الثَّقَافِيِّ.
وَقَدْ زَلْزَلَ ذٰلِكَ وِجْدَانَ نِزَار، فَأَبْدَعَ رَائِعَتَهُ الخَالِدَةَ «قَصِيدَة بَلْقِيس» الَّتِي يَقُولُ فِي مَطْلَعِهَا:
شُكْرًا لَكُمْ
شُكْرًا لَكُمْ
فَحَبِيبَتِي قُتِلَتْ، وَصَارَ بِوُسْعِكُمْ
أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسًا عَلَى قَبْرِ الشَّهِيدَةْ
وَقَصِيدَتِي اغْتِيلَتْ
وَهَلْ مِنْ أُمَّةٍ فِي الأَرْضِ
إِلَّا نَحْنُ تَغْتَالُ القَصِيدَةْ
بَلْقِيس…
كَانَتْ أَجْمَلَ المَلِكَاتِ فِي تَارِيخِ بَابِلْ
بَلْقِيس…
كَانَتْ أَطْوَلَ النَّخْلَاتِ فِي أَرْضِ العِرَاقْ
كَانَتْ إِذَا تَمْشِي
تُرَافِقُهَا طَوَاوِيسٌ
وَتَتْبَعُهَا أَيَائِلْ
بَلْقِيسُ… يَا وَجَعِي
وَيَا وَجَعَ القَصِيدَةِ حِينَ تَلْمَسُهَا الأَنَامِلْ
هَلْ يَا تُرَى
مِنْ بَعْدِ شَعْرِكِ سَوْفَ تَرْتَفِعُ السَّنَابِلْ
وَلَا غَرَابَةَ فِي هٰذَا، فَهِيَ الَّتِي أَحَبَّهَا كَثِيرًا، وَلَهُ مَعَهَا قِصَّةُ حُبٍّ عَجِيبَةٌ.
إِذْ رَفَضَ وَالِدُهَا أَنْ يُزَوِّجَهُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ رَآهَا فِي مُلْتَقًى شِعْرِيٍّ بِالعِرَاقِ فِي بَدَايَةِ السِّتِّينَاتِ، فَبَقِيَتْ فِي قَلْبِهِ وَخَوَاطِرِهِ حَتَّى رَجَعَ بَعْدَ أَعْوَامٍ طَوِيلَةٍ إِلَى مِهْرَجَانِ المِرْبَد، وَأَنْشَدَ رَائِعَتَهُ «مَرْحَبًا يَا عِرَاق» الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
مَرْحَبًا يَا عِرَاق، جِئْتُ أُغَنِّيكَ
وَبَعْضٌ مِنَ الغِنَاءِ بُكَاءُ
مَرْحَبًا، مَرْحَبًا… أَتَعْرِفُ وَجْهًا
حَفَرَتْهُ الأَيَّامُ وَالأَنْوَاءُ
أَكَلَ الحُبُّ مِنْ حُشَاشَةِ قَلْبِي
وَالبَقَايَا تَقَاسَمَتْهَا النِّسَاءُ
كُلُّ أَحْبَابِي القُدَامَى نَسُونِي
لَا نُوَارُ تُجِيبُ أَوْ عَفْرَاءُ
فَالشِّفَاهُ المُطَيَّبَاتُ رَمَادٌ
وَخِيَامُ الهَوَى رَمَاهَا الهَوَاءُ
سَكَنَ الحُزْنُ كَالعَصَافِيرِ قَلْبِي
فَالأَسَى خَمْرَةٌ وَقَلْبِي الإِنَاءُ
أَنَا جُرْحٌ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ
وَخُيُولِي قَدْ هَدَّهَا الإِعْيَاءُ
فَجِرَاحُ الحُسَيْنِ بَعْضُ جِرَاحِي
وَبِصَدْرِي مِنَ الأَسَى كَرْبَلَاءُ
وَأَنَا الحُزْنُ مِنْ زَمَانٍ صَدِيقِي
وَقَلِيلٌ فِي عَصْرِنَا الأَصْدِقَاءُ
مَرْحَبًا يَا عِرَاق، كَيْفَ العَبَاءَاتُ
وَكَيْفَ المَهَا… وَكَيْفَ الظِّبَاءُ
مَرْحَبًا يَا عِرَاق… هَلْ نَسِيَتْنِي
بَعْدَ طُولِ السِّنِينَ سَامَرَّاءُ
مَرْحَبًا يَا جُسُور، يَا نَخْل، يَا نَهْر
وَأَهْلًا يَا عُشْب… يَا أَفْيَاءُ
كَيْفَ أَحْبَابُنَا عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ
وَكَيْفَ البِسَاطُ وَالنُّدَمَاءُ
كَانَ عِنْدِي هُنَا أَمِيرَةُ حُبٍّ
ثُمَّ ضَاعَتْ أَمِيرَتِي الحَسْنَاءُ
أَيْنَ وَجْهٌ فِي الأَعْظَمِيَّةِ حُلْوٌ
لَوْ رَأَتْهُ تَغَارُ مِنْهُ السَّمَاءُ
إِنَّنِي السِّندِبَادُ… مَزَّقَهُ البَحْرُ
وَعَيْنَا حَبِيبَتِي المِينَاءُ
مَضَغَ المَوْجُ مَرْكَبِي، وَجَبِينِي
ثَقَبَتْهُ العَوَاصِفُ الهَوْجَاءُ
إِنَّ فِي دَاخِلِي عُصُورًا مِنَ الحُزْنِ
فَهَلْ لِي إِلَى العِرَاقِ الْتِجَاءُ
وَأَنَا العَاشِقُ الكَبِيرُ… وَلَكِنْ
لَيْسَ تَكْفِي دَفَاتِرِي الزَّرْقَاءُ
فَفَهِمَ القَوْمُ أَنَّهُ عَاشِقٌ لِعِرَاقِيَّةٍ، وَتَعَاطَفَ مَعَهُ العِرَاقِيُّونَ، وَخَاصَّةً الرَّئِيسُ العِرَاقِيُّ الرَّاحِلُ أَحْمَد حَسَن البَكْر الَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الخَبَرِ فَأَخْبَرَهُ. فَتَوَسَّطَ لَهُ، حَيْثُ أَرْسَلَ لِخِطْبَةِ بَلْقِيسَ إِلَى نِزَار كُلًّا مِنْ وَزِيرِ الشَّبَابِ شَفِيق الكَمَالِي وَوَكِيلِ وِزَارَةِ الخَارِجِيَّةِ شَاذِل طَاقَة، وَكِلَاهُمَا شَاعِرَانِ، فَوَافَقَ وَالِدُهَا بَعْدَ ذٰلِكَ، فَتَزَوَّجَا سَنَةَ 1969.
وَلَكِنَّهَا قُتِلَتْ، وَكَانَ ذٰلِكَ أَكْبَرَ أَحْزَانِ نِزَار، كَأَنَّ الشِّعْرَ مَوْصُولٌ بِشَقَاءِ القَلْبِ وَوَجَعِهِ. وَقِصَّتُهُمَا مِنْ أَوْجَعِ وَأَجْمَلِ قِصَصِ الحُبِّ فِي عَصْرِنَا.
وَكَانَ أَثَرُ نِزَارٍ كَبِيرًا عَلَيَّ فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ، مِنْ “قَصِيدَةِ بَلْقِيسْ” الَّتِي دَفَعَتْنِي أَنْ أَجْعَلَ عُنْوَانَ مُعْظَمِ قَصَائِدِ هٰذَا الدِّيوَانِ فِيهِ كَلِمَةُ «قَصِيدَة»، كَقَصِيدَةِ الحِصَارِ، وَقَصِيدَةِ الوَجَعِ، وَقَصِيدَةِ اليَمِّ، كَمَا أَنَّ قَصِيدَتِي «صَلَاة» الَّتِي تَجِدُهَا فِي دِيوَانِي «رِيح الصَّبَا» هِيَ تَفَاعُلٌ مَعَ مَدْرَسَتِهِ الشِّعْرِيَّةِ وَمَعَ قَصِيدَةِ «قَارِئَة الفِنْجَان» الَّتِي غَنَّاهَا العِنْدَلِيبُ الأَسْمَرُ عَبْد الحَلِيم حَافِظ سَنَةَ 1976 بِلَحْنِ المُوسِيقَار مُحَمَّد المَوْجِي، وَكَانَتْ آخِرَ أَغَانِيهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ سَنَةَ 1977.
أَمَّا مُنْتَهَى الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ صَاغُوا القَلْبَ الشَّقِيَّ لَدَيَّ شَاعِرًا فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ مِنْ حَيَاتِي وَأَنَا فِي العِشْرِينَ، فَقَدْ كَانَ الشَّاعِرُ المِصْرِيُّ العِمْلَاقُ أَمَل دُنْقُل.
فَقِصَّةُ بُؤْسِهِ وَفَقْرِهِ وَأَلَمِهِ وَغُرْبَتِهِ كَانَتْ مُشَابِهَةً لِلسَّيَّاب، بَلْ حَتَّى مَلَامِحُ الوَجْهِ.
وَكَمْ كَانَ أَثَرُهُ عَلَيَّ بَالِغًا وَأَنَا أَقْرَأُ قَصِيدَتَهُ «لَا تُصَالِح» الَّتِي حَمَلَتْ رَمْزَ كُلَيْبٍ وَجَسَّاسٍ وَالمُهَلْهَل، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى عَدَمِ المُصَالَحَةِ مَعَ العَدُوِّ الصُّهْيُونِيِّ، وَخَاطَبَ بِهَا الرَّئِيسَ السَّادَاتَ حِينَئِذٍ، وَيَقُولُ فِي مَطْلَعِهَا الَّذِي نَالَ شُهْرَةً وَاسِعَةً:
لَا تُصَالِحْ!
وَلَوْ مَنَحُوكَ الذَّهَبْ
أَتَرَى حِينَ أَفْقَأُ عَيْنَيْكَ
ثُمَّ أُثْبِتُ جَوْهَرَتَيْنِ مَكَانَهُمَا…
هَلْ تَرَى
هِيَ أَشْيَاءُ لَا تُشْتَرَى…
وَهَا نَحْنُ نَرَى اليَوْمَ أَنَّ ذٰلِكَ العَدُوَّ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ صُلْحٌ أَبَدًا، وَلَا بُدَّ مِنَ الِالْتِزَامِ بِالقَضِيَّةِ، وَدُونَ ذٰلِكَ الذُّلُّ وَالِانْطِمَاسُ وَالفَنَاءُ بِمَعْنَاهُ الوُجُودِيِّ لَا الصُّوفِيِّ.
أُهْدِيكُمْ هٰذِهِ القَصَائِدَ مِنْ قَلْبٍ شَقِيٍّ، ثُمَّ صَارَ سَعِيدًا رَغْمَ شَقَائِهِ، لِأَنَّهُ عَرَفَ بَعْدَ أَعْوَامٍ طَوِيلَةٍ أَنَّ ذٰلِكَ الشَّقَاءَ هُوَ مَا يَصْنَعُ القُلُوبَ العَظِيمَةَ.
وَكَمَا قُلْتُ فِي حِكْمَةٍ مِنْ تِلْكَ الأَعْوَامِ تَجِدُهَا فِي هَذَا الدِّيوَانْ:
أَلَمٌ عَظِيمٌ لِقَلْبٍ عَظِيمٍ، وَقَلْبٌ عَظِيمٌ لِأَلَمٍ عَظِيمٍ.
سوسة
15/03/2026 11:57