كَلِمَةُ بِدَايَة
عَزِيزِي الْعَاشِقْ…
هَذَا الدِّيوَانُ هَدِيَّتِي إِلَيْكَ، مِنْ عَاشِقٍ إِلَى آخَرْ…
وَلِأَنَّ الْعِشْقَ الَّذِي يَجْمَعُنَا كَوْنٌ شَاسِعٌ وَاسِعٌ مِنَ الْأَحْلَامِ وَالْآمَالِ وَالذِّكْرَيَاتِ وَالْمَشَاعِرِ وَالْقِصَصِ، فَسَأُهْدِيكَ رَقْصَةَ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ عَلَى خَطِّ الشِّعْرِ، وَعَزْفَ الْقَصَائِدِ عَلَى قَلْبِ الشَّاعِرِ، وَشَيْئًا مِنْ ذِكْرَيَاتِ الصِّبَا، تَنْثُرُهُ عَلَى صَفْحَةِ الرُّوحِ رِيحُ الصَّبَا.
فِي ذِكْرَى عِيدِ مِيلَادِي السَّابِعِ وَالأَرْبَعِينَ، أَجْلِسُ لِأَخُطَّ لَكَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ السَّرِيعَةَ، وَأَنَا أُرَاجِعُ مَا كَتَبَ الْعُشَّاقُ الَّذِينَ مَرُّوا بِي،
أَوْ مَرَرْتُ بِهِمْ، مُنْذُ أَوَاخِرِ التِّسْعِينَاتِ..
لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَصِفَ لَكَ كَيْفَ يَشْعُرُ قَلْبِي الْيَوْمَ، وَهُوَ يَرَى نَبَضَاتِهِ الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا زُهَاءُ الثَّلَاثِينَ عَامًا.
وَلَكِنِّي أَلْمَحُ كَذَلِكَ عَبْقَرِيَّةً شِعْرِيَّةً فَذَّةً، وَنَبْضًا مُخْتَلِفًا، وَأَرَى أَنَّ عُمْرَ الشَّاعِرِ فِي أَعْمَاقِي كَانَ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ عُمْرِي حِينَئِذٍ، وَمَا يَزَالُ يَسْبِقُنِي عُمْرًا وَيُذْهِلُنِي بِتَنَوُّعَاتِهِ، كَأَنَّهُ قَبِيلَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ تَسْكُنُ قَلْبًا مُفْرَدًا، وَجَيْشٌ مِنَ الْعُشَّاقِ يَحْتَرِقُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فِي مُقْلَتَيْ مُحَارِبٍ.
هَا أَنَا إِذًا، بِكُلِّ مَا صِرْتُ أُمَثِّلُهُ مِنْ شَخْصِيَّاتٍ وَتَخَصُّصَاتٍ وَذَوَاتٍ، أُهْدِيكَ هَذَا الدِّيوَانَ الصَّغِيرَ فِي حَجْمِهِ وَالْكَبِيرَ فِي قِيمَتِهِ؛ فَأَنْتَ لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ كَيْفَ كَانَ الَّذِينَ كَتَبُوهُ:
الشَّاعِرُ الشَّابُّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْعِشْرِينَ فِي ذَلِكَ الرِّيفِ، حَيْثُ أَيَّامُ الطُّفُولَةِ الْبِكْرِ وَالصِّبَا الْغَضِّ النَّدِيْ..
وَالطَّالِبُ الَّذِي جَاءَ لِلْتَّوِّ إِلَى الْجَامِعَةِ، وتَتَرَاءَى الْمَدِينَةُ كَبِيرَةً حَدَّ الذُّهُولِ فِي عَيْنَيْهِ الْحَالِمَتَيْنِ.
وَالْفَقِيرُ الْمُدْقِعُ، الْغَنِيُّ بِمَا وَهَبَهُ رَبُّهُ. وَالرِّيَاضِيُّ الْبَارِعُ فِي فُنُونِ الدِّفَاعِ، الَّذِي كَانَ يَرَى فِي الشِّعْرِ نَوْعًا مِنَ الْقِتَالِ لِلرَّدَاءَةِ بِالْجَمَالِ، وَلِلْبُؤْسِ وَالْوَحْدَةِ بِالْإِبْدَاعِ، وَلِكُلِّ خَيْبَةِ حُبٍّ بِرَوْعَةِ قَصِيدَةٍ.
لَقَدْ كَانَ الشِّعْرُ حِينَئِذٍ كُلَّ مَا يَمْلِكُ.
وَهَا هُوَ الْآنَ يَرَى تِلْكَ الْمَلْحَمَةَ، بِعَيْنَيْنِ دَامِعَتَيْنِ، وَاعْتِزَازٍ كَبِيرٍ.
سُوسَة
27 جَانْفِي 2026 — 11:31