موسوعة البرهان، الجزء الأول (19): العلم بالله (9): الأطر المنهجية (1) ” وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ “

3 دقائق للقراءة

ليس العلم بالله مطلبا إعجازيا ومقصدا تعجيزيا، فكل ما في الكون يحوي دروسا للعلم بالله، وفي ما في الذات، وفي كل وِجْهة وَجِهة ومكان، فتأمل قوله سبحانه: ” وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)”
فالله حقيقي قلبا وعقلا، فكل قلب لا يؤمن بذلك قلب معتلّ أو مريض، وكل عقل لا يصل إلى حقيقة ذلك عقل قاصر منقوص مهما علِم ومهما ظنّ انه يعلم.
العلم بالله مثبت جلي لأن آيات الله التي تخاطب الإنسان فيها قسم مشاهد واضح، والقسم الباطني يمكن تمثله تصوريا وربطه والوصول للعلم بالله من خلاله، وحجج الله كما سأبين في علم الحجة بينة وبراهينه ثابتة، ولكن لابد من قلب سليم وعقل متدبر ن ولابد كذلك حسب رأيي من أطر أنا على يقين أن تدبري الآن فيها والمسميات التي أطلقها عليها ما هو إلا جهد إنساني نسبي لما هو موجود في أهل الإيمان والعلماء بالله عبر الأزمنة وفق مسميات وفهوم أخرى نعرف منها ما نعرف ونجهل منها ما نجهل.
تنقسم الأطر المنهجية للعلم بالله وفق اعتقادي إلى فروع ثلاثة كبرى، هي الأطر المرحلية، الأطر العلمية، والأطر الاستقرائية.
1 الأطر المرحلية: قلنا أن العلم بالله مقام للإيمان وقمة من قممه، ولئن انفصل فهو موصول، في حين أن الإسلام لله مرحلة يقع الانتقال منها كليا حين يتم الإيمان فيتحد الإسلام لله مع الإيمان به ليكون تسليما كليا، ولعلنا نرى نموذجا هو هذا:

إذا فالمسلم باللسان مسلم بوجود إله، نطق الشهادتين فقال بلسانه “لا إله إلا الله..محمد رسول الله”، وكل ذلك بلسانه فقط، فهو مقول لفظي فيه اعتراف بألوهية الله ونبوة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، وهو تسليم بالوجود بشكل عرضي، ظاهري خارجي فقط.
أما المؤمن بهو بالضرورة مسلم، ولكن ما نطق به لسانه قد آمن به قلبه، فهو في حال الإسلام بالقلب قد يرتد عنه وقد يكفر بعد ذلك أو ينافق، وهذا موجود بنص القرآن الكريم وهو في تاريخ الإسلام مدعم بشواهد كثيرة زمن النبي عليه الصلاة والسلام وبعده، والله سبحانه حين قال عن الأعراب آيته: ” قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14)”
فهو يعلم حقيقتهم ويبينها مستثنيا معمما الحكم على الأغلبية منهم أهل الإيمان فقال سبحانه: ” الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)”
فالإيمان الحقيقي نقلة كلية بعد الإسلام اللساني لله إلى التسليم القلبي الفعلي الكلي الجوهري والإيمان الراسخ الثابت الذي لا رجوع عنه، لأن الإيمان إن كان مجرد قشر سطحي في القلب أمكن للنفاق والكفر الموغل في القلوب المريضة أن يخمد نوره لتطغى الظلمات فيه ومن ذلك قوله سبحانه: ” كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)”
ولذلك كان الحرص على التطبيق الفعلي للإيمان، وتفعيله بشكل متبصر، كي لا يكون التفعيل مجرد مظهر، لأن التفعيل الحقيقي إظهار للإيمان لا سجنه في مجرد مظهر لا غير.

مقالات ذات صلة

حكمة من إشراقات
هنا موعد جديد مع الذكاء الاصطناعي وأنا أعد الجزء الثالث من كتاب إشراقات، وأعدت شرح هذه الحكمة: الإشراقة الحادية والسبعونالرؤية غير النظر.فالعين تنظر، والقلب...
3 دقائق للقراءة
دلالة الاسراء والمعراج
دلالة الإسراء والمعراج إنّ الإسراء والمعراج دليل اشتياق السماء لرسول الله ﷺ قبل موته، وما موته إلا تركه لجسده الشريف وانتقاله إلى حياة عظيمة...
2 دقائق للقراءة
بين النبي والولي
بين النبي والولي أرجع إلى نقطة أنّ كل نبي يُبعث لحضارة وهي في قمة قوتها إلا ما بعد موسى، كان هنالك قتل الفرعون إبادة...
2 دقائق للقراءة
صراع الباطن والباطل
ليت بعض الشيوخ يقرؤون هذا قبل أن يلوثوا قلوب أتباعهم بالحقد والكراهيةإنهم نفوسهم لم تواجه الشر الذي فيها، وبواطن لم تتطهر من الباطل وأهله،...
3 دقائق للقراءة
لنحتفل بالمولد
هَا قَدْ أَشْرَقَ مَوْلِدُ سَيِّدِ الأَنَامِ، وَمِصْبَاحِ الظَّلَامِ، نَبِيِّنَا وَشَفِيعِنَا وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.إِنَّهُ حَدَثٌ مُفْرَدٌ لِمَقَامٍ مُفْرَدٍ، لَيْسَ فِي أَيَّامِ الْخَلْقِ نَظِيرٌ...
2 دقائق للقراءة
في النظر والمنظور
في كل مسألة نظر، وفي كل نظر منظور، وقد يختلف باختلاف الناظر، فمن نظر بالحكمة وجد أثرها، ومن نظر محبا أو منبهرا، كارها أو...
4 دقائق للقراءة
أحوال القلوب
في سيرورة الأيام حكم قديمة تتجدد، وآيات لله تنجلي وفق سنة وناموس إلهي لا تبديل له.تحت بند قوله سبحانه:﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِی ٱلَّذِینَ خَلَوۡا۟ مِن...
4 دقائق للقراءة
كلمة حق حسينية
سواء كنت سنيا أو شيعيا، فقضية الإمام الحسين تعنيك، لأنها من جواهر القضايا التي يقاس بها الإيمان ويمتحن بها تحقق معنى الإسلام.لا إيمان دون...
< 1 دقيقة للقراءة
الوظيفة المحمدية في الصلاة على خير البرية
ة بسم الله الرحمن الرحيم﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة ١٢٨]﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ شَـٰهِدࣰا...
2 دقائق للقراءة
زيارة الشيخ حمود الصوافي
‏تشرفت يوم أمس بزيارة العبد الصالح العلامة الكبير الشيخ حمود بن حميد الصوافي، في مدرسته العامرة للعلوم الإسلامية في مدينة سناو من أرض عمان...
2 دقائق للقراءة