2 دقائق للقراءة
تَحِيَّاتِي إِلَيْكُمْ.
أَقُصُّ عَلَيْكُمْ فِي قِصَّةً قَصِيرَةً جِدًّا مِنْ بُنَيَّاتِ أَفْكَارِي، لِتَكُونَ مَثَلًا.
كَانَ الطَّاوُوسُ يَمُرُّ فِي وَادٍ اسْتَوْطَنَتْهُ صُنُوفٌ مِنْ بَنَاتِ ضِفْدَعٍ، وَبَنِي خُنْفُسَاءَ، وَقِطْعَانٌ مِنَ القِرَدَةِ، وَأَسْرَابٌ مِنَ البُومِ وَالغِرْبَانِ.
وَكَانُوا كُلَّمَا مَرَّ بِهِمْ تَنَادَوْا بَيْنَهُمْ:
هَا هُوَ المُغْرُورُ، السَّافِلُ، الدَّجَّالُ، الكَذَّابُ، المُدَّعِي، يَمُرُّ بَيْنَكُمْ.
ثُمَّ تَبَارَوْا فِي شَتْمِهِ وَالسُّخْرِيَةِ مِنْهُ.
وَلَعَلَّ ضَبُعًا مَرَّ بِهِمْ، أَوْ كَلْبًا، أَوْ شِرْذِمَةً مِنَ الخَنَازِيرِ، فَأَعَانَتْهُمْ بِالنُّبَاحِ وَالعُوَاءِ، بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ فِي قُلُوبِهَا مِنْ حِقْدٍ، وَفِي نُفُوسِهَا مِنْ مَرَضٍ.
وَقَدْ يَصْدُرُ حِمَارٌ مَا، مِنْ مَكَانٍ مَا، أَوْ تَيْسٌ بِلِحْيَةٍ طَوِيلَةٍ، فَيُقَهْقِهَانِ سَاخِرَيْنِ مِنَ الطَّاوُوسِ المُدَّعِي، الفَاسِدِ الرَّأْيِ وَالمَقَالِ.
لَكِنَّ الطَّاوُوسَ لَمْ يُجِبْهُمْ أَبَدًا.
فَفِي الغَابَةِ الْتَقَى شَجَرَةً قَدِيمَةً، قَالَتْ لَهُ:
عِنْدَمَا تَمُرُّ بِذَلِكَ الوَادِي، فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ سَوْفَ يَكْرَهُونَكَ، وَسَوْفَ يَشْتُمُونَكَ، لَا لِذَنْبٍ أَذْنَبْتَهُ، بَلْ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَفْقِدُونَهُ وَيَفْتَقِدُونَهُ، يَرَوْنَهُ لَدَيْكَ.
فَالضِّبَاعُ لَمْ تُصَادِقِ النُّمُورَ يَوْمًا، مَهْمَا بَذَلَتِ النُّمُورُ مِنَ الجُهْدِ، لِأَنَّ كَوْنَ النَّمِرِ نَمِرًا، وَكَوْنَ الضَّبُعِ ضَبُعًا، يَجْعَلُ الأَخِيرَ يَمْقُتُ الأَوَّلَ حَسَدًا، لِعَجْزِهِ أَنْ يَكُونَ نَمِرًا مِثْلَهُ، وَلِأَنَّهُ سَجِينٌ فِي ضَبُعَنَتِهِ، ضَبُعٌ وَلَوِ ادَّعَى غَيْرَ ذَلِكَ.
وَلَنْ تَجِدَ ضِفْدَعَةً تُحِبُّ نَسْرًا، فَهِيَ فِي بِئْرِ الوَحْشَةِ وَوَحْلِ الغَفْلَةِ وَالجَهْلِ، وَتَرَاهُ يُطْلِقُ جَنَاحَهُ فِي الآفَاقِ، فَأَنَّى لَهَا أَنْ تُحِبَّهُ؟
إِنَّمَا تَنْقِمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَدَرَتْ أَنْ تُغْوِيَ كَلْبًا أَسْوَدَ وَتُمَنِّيهِ بِنَفْسِهِا لِيَغْتَالَ النَّسْرَ غَدْرًا لَفَعَلَتْ، وَلَشَقَّتْ بَطْنَهُ وَأَكَلَتْ كَبِدَهُ.
وَكَذَا الكَائِنَاتُ البَشِعَةُ كُلُّهَا تَمْقُتُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ وَأَجْمَلُ مِنْهَا.
ولطَالَمَا ابْتُلِيَتْ بِبَشَاعَةٍ تَفُوقُ بَشَاعَةَ ظَاهِرِهَا، بَشَاعَةَ البَاطِنِ وَالجَوْهَرِ.
ثُمَّ عَلَّمَتْهُ الشَّجَرَةُ حِكْمَةً، وَأَمْرًا يَفْعَلُهُ كُلَّمَا بَادَرُوا إِلَى شَتْمِهِ أَوِ السُّخْرِيَةِ مِنْهُ.
مَرَّ بِهِمْ، ضَحِكُوا وَسَخِرُوا، وَاجْتَمَعُوا عَلَى الحَطِّ مِنْ شَأْنِهِ، فَرَفَعَ ذَيْلَهُ المُزْدَانَ بِبَدِيعٍ مِنا أَبْدَعِ اللَّهُ فِيهِ.
تِلْكَ الأَلْوَانُ قَتَلَتْهُمْ كَمَدًا، وَأَمَاتَتْهُمْ غَيْظًا.
ذَاكَ الجَمَالُ أَحْرَقَ بَشَاعَةَ وُجُوهِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ.
لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ أَوْجَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ شَتْمٍ أَوْ عِقَابٍ.
تَغَشَّوا جُلُودَهُمْ، أَغْمَضُوا أَعْيُنَهُمْ، عَوَى مِنْهُمْ مَنْ عَوَى، وَزَمْجَرَ مِنْهُمْ مَنْ زَمْجَرَ…
لَكِنَّ الطَّاوُوسَ مَرَّ مُبْتَسِمًا، وَبِجَوَارِهِ نَمِرٌ عَظِيمٌ، لَا تَرَاهُ أَعْيُنُ المُرْجِفِينَ.
سوسة 06/05/2026 15:27
#حديثنا_قياس
#ضرب_المرجفين
#عقاب_إبداعي
#ردوا_بمثلها_إن_استطعتم