4 دقائق للقراءة
قِفْ بِالدِّيَارِ
مُعَارَضَةٌ لِقَصِيدَةٍ مِنْ أَرْوَعِ قَصَائِدِ عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ، وَقَدْ كَتَبْتُهَا مُنْذُ قَرَابَةِ الْعِشْرِينَ عَامًا، غَيْرَ أَنِّي غَيَّرْتُ الْقَافِية.
وَتَجْمَعُنِي بِعَنْتَرَةَ صِلَةٌ رُوحِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، لِأَنَّهُ شَاعِرٌ عَظِيمٌ وَمُحَارِبٌ عَظِيمٌ، وَسَيَّافٌ لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ، وَقَدْ جَمَعْتُ أَيْضًا بَيْنَ الشِّعْرِ وَفُنُونِ الدِّفَاعِ، وَبَرَعْتُ فِي فُنُونِ السَّيْفِ وَفَنِّ السَّامُورَاي.
كَمَا أَنَّهُ عَاشِقٌ أَزَلِيٌّ، وَلَعَلِّي لَقِيتُ مِنَ الْعِشْقِ مِثْلَمَا لَقِيَ، أَوْ أَشَدَّ…
الْقَصِيدَةُ الَّتِي عَارَضْتُهَا
مِنْ أَعْظَمِ الشِّعْرِ فِي الْغَزَلِ وَالْفَخْرِ مَعًا:
| قِفْ بِالدِّيَارِ وَصِحْ إِلَى بَيْدَاهَا |
| فَعَسَـى الدِّيَارُ تُجِيبُ مَنْ نَادَاهَا |
| دَارٌ يَفُوحُ الْمِسْكُ مِنْ عَرَصَاتِهَا |
| وَالْعُودُ وَالنَّدُّ الذَّكِيُّ جَنَاهَا |
| دَارٌ لِعَبْلَةَ شَطَّ عَنْكَ مَزَارُهَا |
| وَنَأَتْ لَعَمْرِي مَا أَرَاكَ تَرَاهَا |
| مَا بَالُ عَيْنِكَ لَا تَمَلُّ مِنَ الْبُكَا |
| رَمَدٌ بِعَيْنِكَ أَمْ جَفَاكَ كَرَاهَا |
| يَا صَاحِبِي قِفْ بِالْمَطَايَا سَاعَةً |
| فِي دَارِ عَبْلَةَ سَائِلًا مَغْنَاهَا |
| أَمْ كَيْفَ تَسْأَلُ دِمْنَةً عَادِيَّةً |
| سَفَتِ الْجَنُوبُ دِمَانَهَا وَثَرَاهَا |
| يَا عَبْلَ قَدْ هَامَ الْفُؤَادُ بِذِكْرِكُمْ |
| وَأَرَى دُيُونِي مَا يَحُلُّ قَضَاهَا |
| يَا عَبْلَ إِنْ تَبْكِي عَلَيَّ بِحُرْقَةٍ |
| فَلَطَالَمَا بَكَتِ الرِّجَالُ نِسَاهَا |
| يَا عَبْلَ إِنِّي فِي الْكَرِيهَةِ ضَيْغَمٌ |
| شَرِسٌ إِذَا مَا الطَّعْنُ شَقَّ جِبَاهَا |
| وَدَنَتْ كِبَاشٌ مِنْ كِبَاشٍ تَصْطَلِي |
| نَارَ الْكَرِيهَةِ أَوْ تَخُوضُ لَظَاهَا |
| وَدَنَا الشُّجَاعُ مِنَ الشُّجَاعِ وَأُشْرِعَتْ |
| سُمْرُ الرِّمَاحِ عَلَى اخْتِلَافِ قَنَاهَا |
| فَهُنَاكَ أَطْعَنُ فِي الْوَغَى فُرْسَانَهَا |
| طَعْنًا يَشُقُّ قُلُوبَهَا وَكُلَاهَا |
| وَسَلِي الْفَوَارِسَ يُخْبِرُوكِ بِهِمَّتِي |
| وَمَوَاقِفِي فِي الْحَرْبِ حِينَ أَطَاهَا |
| وَأَزِيدُهَا مِنْ نَارِ حَرْبِي شُعْلَةً |
| وَأُثِيرُهَا حَتَّى تَدُورَ رَحَاهَا |
| وَأَكُرُّ فِيهِمْ فِي لَهِيبِ شُعَاعِهَا |
| وَأَكُونُ أَوَّلَ وَاقِدٍ بِصَلَاهَا |
| وَأَكُونُ أَوَّلَ ضَارِبٍ بِمُهَنَّدٍ |
| يَفْرِي الْجَمَاجِمَ لَا يُرِيدُ سِوَاهَا |
| وَأَكُونُ أَوَّلَ فَارِسٍ يَغْشـَى الْوَغَى |
| فَأَقُودُ أَوَّلَ فَارِسٍ يَغْشَاهَا |
| وَالْخَيْلُ تَعْلَمُ وَالْفَوَارِسُ أَنَّنِي |
| شَيْخُ الْحُرُوبِ وَكَهْلُهَا وَفَتَاهَا |
| يَا عَبْلَ كَمْ مِنْ فَارِسٍ خَلَّيْتُهُ |
| فِي وَسْطِ رَابِيَةٍ يَعُدُّ حَصَاهَا |
| يَا عَبْلَ كَمْ مِنْ حُرَّةٍ خَلَّيْتُهَا |
| تَبْكِي وَتَنْعَى بَعْلَهَا وَأَخَاهَا |
| يَا عَبْلَ كَمْ مِنْ مُهْرَةٍ غَادَرْتُهَا |
| مِنْ بَعْدِ صَاحِبِهَا تَجُرُّ خُطَاهَا |
| يَا عَبْلَ لَوْ أَنِّي لَقِيتُ كَتِيبَةً |
| سَبْعِينَ أَلْفًا مَا رَهِبْتُ لِقَاهَا |
| وَأَنَا الْمَنِيَّةُ وَابْنُ كُلِّ مَنِيَّةٍ |
| وَسَوَادُ جِلْدِي ثَوْبُهَا وَرِدَاهَا |
تَعْرِيفٌ بِصَاحِبِ الْقَصِيدَةِ
عَنْتَرَةُ بْنُ شَدَّادٍ العَبْسِيُّ
(نحو 525م – 608م) فارسٌ وشاعرٌ جاهلي من بني عبس، يُعد من أشهر أبطال العرب وأحد أصحاب المعلقات.
وُلد في نجد لأبٍ عربي هو شداد العبسي، وأمٍ حبشية تُدعى زبيبة، فعانى في صغره من العبودية واحتقار قومه له بسبب لونه ونسبه، ولم يُعترف به ابنًا لأبيه إلا بعد أن أظهر شجاعة نادرة في القتال، فثبتت مكانته بين فرسان قبيلته.
اشتهر بشعر الفروسية والحماسة، وكان مثالًا للبطولة والإباء والشهامة، كما عُرف بغزله العفيف في ابنة عمه عبلة بنت مالك، التي ظل حبها محورًا رئيسيًا في شعره، وواجه في سبيلها عقبات اجتماعية كثيرة. شارك في حرب داحس والغبراء، وكان له فيها صيتٌ عظيم، حتى لُقّب بـ”أبي الفوارس”، وعُدّ من أغربة العرب لسمرته.
تمتاز قصائده بجزالة اللفظ وقوة التصوير وصدق العاطفة، وتُعد معلقته من أجمل ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، إذ جمعت بين الفخر والحب ووصف المعارك. عاش نحو تسعين عامًا.
قَصِيدَتِي
| قِفْ بِالدِّيَارِ وَسَائِلِ الأَطْلَالَا |
| فَعَسـَى تَكَلَّمُ أَوْ تُجِيبُ سُؤَالَا |
| أَوْ جُدْ بِدَمْعِكَ كَيْ تُجَاوِبَكَ الْحِمَى |
| وَلَقَدْ عَلِمْتَ لَقَدْ سَأَلْتَ مُحَالَا |
| دِمَنٌ عَفَتْ عَنْهَا الرِّيَاحُ فَهَاجَمَتْ |
| قِبَلَ الْجَنُوبِ وَشَاكَسَتْهَا شِمَالَا |
| لَمْ تُبْقِ مِنْهَا غَيْرَ مَا يُبْقِي الرَّدَى |
| بَعْضَ الرَّمِيمِ سَفَتْ عَلَيْهِ رِمَالَا |
| سَكَنَتْ بِهَا الذُّؤْبَانُ بَعْدَ ظِبَائِهَا |
| وَالْجِنُّ تَخْطُرُ فِي الظَّلَامِ خَيَالَا |
| وَتَرَى بُيُوتَ الْعَنْكَبُوتِ بِرُكْنِهَا |
| وَتَرَى الْعَجَاجَ بِغَوْرِهَا مُنْهَالَا |
| أَقْوَتْ وَأَقْفَرَ رَبْعُهَا وَذَوَى بِهِ |
| مَا كَانَ يَوْمًا لِلْجَمَالِ مِثَالَا |
| مِنْ خِدْرِ آنِسَةٍ وَنُمْرُقِ كَاعِبٍ |
| وَخَمَائِلٍ آوَتْ إِلَيْهَا غَزَالَا |
| خَوْدٌ لَمِيسٌ كَمْ يُجَنُّ بِهَا الْفَتَى |
| شَمْسٌ تُفِيءُ عَلَى الْمُحِبِّ ظِلَالَا |
| فَتَنَتْ قُلُوبَ الْعَاشِقِينَ صَبَابَةً |
| وَالْحُسْنُ صَالَ عَلَى النُّفُوسِ وَجَالَا |
| لَهَا نَظْرَةٌ كَالسَّهْمِ سَدَّدَ رَمْيَهُ |
| لَحْظٌ رَمَاهُ لِكَيْ يُمِيتَ رِجَالَا |
| وَاللَّيْلُ مُنْسَدِلٌ يَنَامُ بِنَاعِمٍ |
| قِنْوٍ يُعَانِقُ وَاحَةً وَجِبَالَا |
| صِنْوَانِ مِنْ عَجَبٍ حَوَاهُمَا هَيْكَلٌ |
| لِلْعِشْقِ تَاهَا صَبَابَةً وَدَلَالَا |
| وَإِذَا الشِّفَاهُ بِبَسْمَةٍ جَادَتْ بِمَا |
| يُـغْـشـِي عَلَى الْمُشْتَاقِ إِذْ يَتَلَالَا |
| يُفْنِيهِ مِنْ شَغَفٍ جَمِيلُ تَبَسُّمٍ |
| مِنْ ثَغْرِ مَنْ ذَخَرَ النَّمِيرَ زُلَالَا |
| فَمُكَرَّمٌ وَمُحَبَّذٌ وَمُحَرَّمٌ |
| عَنْ كُلِّ سَوْءَاتِ الظُّنُونِ تَعَالَى |
| لَهَا عِفَّةُ الْقِدِّيسِ يَحْفَظُهَا الْحَيَا |
| فَتَزِيدُ فِي عَيْنِ الْمُحِبِّ جَلَالَا |
| فَغَدَا التَّشَوُّفُ لِلْوِصَالِ غِوَايَةً |
| وَغَدَا الْغَرَامُ تَوَلُّهًا وَخَبَالَا |
| وَغَدَتْ لِغَاشِيَةِ الْفِرَاقِ غَشَاوَةٌ |
| قَدْ غَبَّشَتْ قَلْبًا يَهِيمُ وَبَالَا |
| وَسَرَتْ بِنَفْسِ الْمُسْتَهَامِ كَآبَةٌ |
| إِذْ صَارَ ذَاكَ الْوَجْدُ مِنْهُ وَبَالَا |
| فَالْقَلْبُ لَمْ يَصْدُقْ بِعَبْلَةَ ظَنُّهُ |
| وَالْحُلْمُ يَزْعُمُ كَاذِبًا مُحْتَالَا |
| أَنَّى اصْطِبَارُ الصَّبِّ يَا عَذْبَ اللَّمَى |
| يَا صَاحِبَ الْوَجْهِ الصَّبُوحِ تَعَالَى |
| أَشْكُوكَ قَلْبًا بَاتَ يَخْنُقُهُ النَّوَى |
| وَضِرَامُهُ أَنْ قَدْ صَعُبْتَ مَنَالَا |
| يَا مَنْ تَمَنَّعَ عَنْ وِصَالِ مُتَيَّمٍ |
| وَلِهِ الْفُؤَادِ فَكَمْ يَرُومُ وِصَالَا |
| يَا بِنْتَ قَوْمٍ أَكْرَمِينَ أَلَنْ أَرَى |
| عِنْدَ الْكِرَامِ مِنَ الْعَطَاءِ نَوَالَا |
| فَلَكَمْ شَكَوْتُ مِنَ الْهَيَامِ وَقَدْ قَسَا |
| وَمِنَ الَّذِي جَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالَا |
| وَأَرَاقَ مِنْ دَمِيَ الْمَنِيعِ عَنِ الْعِدَى |
| حِينَ الْكُمَاةُ رَأَوْا بِذَاكَ مُحَالَا |
| يَا شِبْهَ غِزْلَانِ الْفَلَاةِ لَدَى الْحِمَى |
| يَا غُصْنَ بَانٍ غَازَلُوهُ فَمَالَا |
| إِنِّي عَشِقْتُكِ وَالزَّمَانُ قَدِ انْطَوَى |
| مُذْ كَانَ رَسْمُكِ فِكْرَةً وَخَيَالَا |
| يَا رِحْلَةَ الأَيَّامِ يَا وَجَعَ الْخُطَى |
| كَمْ ذَا يُذَوِّبُ ذَا الْجَمَالُ جِمَالَا |
| أَنَّتْ جِمَالُ الصَّبْرِ مِنْ حُسْنٍ بَدَا |
| يَسْبِي الْعُيُونَ نَضَارَةً وَجَمَالَا |
| أَلْقَاهُ يَـصْرَعُـنِي وَأَصْـرَعُ دُونَهُ |
| شُؤْسَ السِّبَاعِ صَلَابَةً وَنِزَالَا |
| كَمْ بِتُّ أَجْرَعُ مِنْ هَوَاكِ مُدَامَةً |
| صِرْفًا وَأَمْزِجُ فِي الْكُؤُوسِ حُثَالَا |
| إِنِّي امْرُؤٌ سَمْحٌ حَسِيبٌ سَيِّدٌ |
| صَلْدٌ جَرِيءٌ قَدْ جَسُـرْتُ فِعَالَا |
| وَالْخَيْلُ تَعْلَمُ وَالْفَوَارِسُ أَنَّنِي |
| شَيْخُ الْحُرُوبِ وَمَا سَمِعْتُ جِدَالَا |
| ضِرْغَامُ مَعْمَعَةٍ هِزَبْرُ كَرِيهَةٍ |
| لَيْثٌ تَقَدَّمَ فِي الْوَطِيسِ وَجَالَا |
| يَا عَبْلَ لَوْ أَنِّي لَقِيتُ كَتِيبَةً |
| سَبْعِينَ أَلْفًا مَا رَهِبْتُ قِتَالَا |
| مَا زَالَ يَنْبِضُ فِي غَرَامِكِ خَافِقِي |
| لَا زَالَ فِيكِ مُتَيَّمًا لَا زَالَا |
| صَمَدَتْ قِلَاعُهُ حِينَ كُنْتِ جِوَارَهُ |
| وَالْيَوْمَ فَارَقَهُ الْحَبِيبُ فَزَالَا |
| قِفْ بِالدِّيَارِ وَقَدْ أَتَيْتَ تَزُورُهَا |
| بَعْدَ الَّذِي جَعَلَ الْكِرَامَ ذِلَالَا |
| مَا بَالُ عَيْنِكِ لَا تَمَلُّ مِنَ الْبُكَا |
| دَمْعًا تَثُجُّ مِنَ النَّوَى مِهْطَالَا |
| يَا دَارَ عَبْلَةَ قَدْ أَتَيْتُكِ زَائِرًا |
| لَكِنَّ رَبْعَكِ لَا يَرُدُّ مَقَالَا |
| فَلْتَذْكُرِي يَا دَارُ أَوَّلَ نَظْرَةٍ |
| بَاتَتْ رِمَاحًا فِي الْحَشَا وَنِبَالَا |
| وَتَذَكَّرِي يَا دَارُ يَوْمَ فِرَاقِنَا |
| وَعِنَاقَنَا وَالطَّعْنَ حِينَ تَتَالَى |
| مَرَّ الَّذِي يَمْضـِي وَلَمْ يَمْضِ الَّذِي |
| بِالْحُبِّ شَدَّ عَلَى الْمُحِبِّ حِبَالَا |
| صِرْنَا كَمَا طَلَلِ الْحِمَى لَكِنَّنَا |
| مَا زِلْنَا فِي نَظَرِ الْهَوَى أَطْفَالَا |
طَرَابُلُس
29/10/2007 – السَّاعَةُ 10:19:49 صَبَاحًا
أَجْرَيْتُ عَلَى الْقَصِيدَةِ بَعْضُ التَّعْدِيلَاتِ فِي سُوسَةَ
بِتَارِيخِ 19/02/2026 – السَّاعَةُ 11:52