3 دقائق للقراءة
الوصيّةُ السِّتُّونَ
يَا بُنَيَّ:
إِذَا أَسْعَدَكَ أَمْرٌ، فَاذْكُرْ: إِنْ كَانَ هٰذَا حَالَ السَّعَادَةِ بِالأَمْرِ، فَكَيْفَ السَّعَادَةُ بِرَبِّ كُلِّ أَمْرٍ.
وَإِنْ غَابَ عَنْكَ حَبِيبٌ، فَاشْتَقْتَ إِلَيْهِ، فَاذْكُرْ: إِنْ كَانَ هٰذَا حَالَ الشَّوْقِ لِلْمَخْلُوقِ، فَكَيْفَ حَالُ الشَّوْقِ لِلْخَالِقِ.
وَإِنِ التَقَيْتَ مَنْ فَارَقْتَ، فَغَمَرَكَ مِنَ الدَّمْعِ وَالبَهْجَةِ مَا غَمَرَكَ، فَاذْكُرْ أَنَّكَ سَوْفَ تَلْقَى اللهَ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَلْقَاهُ.
وَأَعِدَّ لِلِقَائِهِ مَا يَجْعَلُ اللُّقْيَا لُقْيَا حَبِيبٍ بِحَبِيبٍ، وَمُشْتَاقٍ بِمُشْتَاقٍ.
لَا لُقْيَا مُعَاتَبٍ بِمُعَاتِبٍ، أَوْ مُحَاسَبٍ بِمُحَاسِبٍ، أَوْ مُعَاقَبٍ بِمُعَاقِبٍ.
{شرح}
هذه الوصيّة من أعمق الوصايا شعورًا وأقربها إلى القلب، لأنها لا تتحدث عن أوامر ونواهٍ فقط، بل تستعمل مشاعر الإنسان اليومية لتقوده إلى أعظم حقيقة: أن كل شعور جميل في الدنيا ليس إلا ظلًّا ضعيفًا لما عند الله.
فهي وصيّة في تحويل التجارب الإنسانية إلى مرايا للقاء الإلهي.
«إذا أسعدك أمر، فاذكر…
فكيف السعادة برب كل أمر»
أحيانًا ينجح الإنسان في عمل، أو يلتقي بصديق، أو يسمع خبرًا مفرحًا، أو يتحقق له حلم، فيشعر بسعادة كبيرة.
الوصيّة تقول: إذا كانت هذه السعادة من أمر صغير، أو موقف عابر، أو شيء زائل، فكيف ستكون السعادة إذا لقيت ربّ كل هذه الأمور، ربّ الفرح نفسه، وربّ النعمة كلها.
أي أن كل لذّة في الدنيا هي مجرد إشارة ضعيفة إلى اللذّة الكبرى.
كما قال بعض العارفين: ما في الدنيا من لذّة، إلا وهي ظلّ لذّة القرب من الله.
«وإن غاب عنك حبيب…
فكيف حال الشوق للخالق»
كل إنسان يعرف شوق الحبيب، وشوق الأم لولدها، وشوق الصديق لصديقه، وشوق الغائب لوطنه.
هذا الشوق يحرق القلب، ويشغل الفكر، ويملأ الروح.
الوصيّة تقول: إذا كان هذا الشوق لإنسان ضعيف فانٍ محدود، فكيف يكون الشوق لمن خلق الجمال كله، وأعطى الحب كله، وهو أصل كل محبوب.
أي أن كل شوق في الدنيا هو تدريب خفيّ على الشوق إلى الله.
«وإن التقيت من فارقت…
فاذكر أنك سوف تلقى الله»
من أعظم مشاعر الحياة لقاء بعد فراق، وعودة غائب، ومصافحة بعد طول انتظار.
تدمع العين، ويخفق القلب، ويمتلئ الصدر بالبهجة.
الوصيّة تقول: تذكّر أنك ستلقى الله. وسؤالها الضمني: كيف سيكون ذلك اللقاء؟ لقاء راحة أم لقاء خوف؟ لقاء قرب أم لقاء حساب؟
«وأعد للقياه…
ما يجعل اللقيا لقيا حبيب بحبيب»
الوصيّة لا تخوّف فقط، بل ترشد إلى الهدف: اجعل لقاءك بالله لقاء محبّ بمحبوب، لا لقاء متهم بقاضٍ، ولا عاصٍ بعقاب. أي ابنِ علاقة حب مع الله، حتى يكون لقاؤك به شوقًا لا رعبًا، وأنسًا لا رهبة فقط.
«لقيا معاتَب بمعاتِب»
هذا هو اللقاء الأول الذي تحذّر منه الوصيّة: لقاء عبد يُعاتبه الله على تقصيره وغفلته وإعراضه.
«أو محاسَب بمحاسِب»
اللقاء الثاني: لقاء حساب دقيق، لا حب فيه، بل ميزان وعدّ ووقفات عسيرة.
«أو معاقَب بمعاقِب»
وهو أسوأها: لقاء عقوبة بسبب الكبر، أو الظلم، أو الإعراض، أو الفساد.
«الفكرة العرفانية الكبرى في الوصيّة»
الوصيّة تبني جسرًا بين مشاعر الدنيا ولقاء الآخرة.
فتقول: كل سعادة تذكير بسعادة القرب من الله، وكل شوق تدريب على الشوق إليه، وكل لقاء نموذج للقاء الله.
فالحياة كلها تمرين روحي على اللقاء الأعظم.
«مقارنة عرفانية»
هذه الوصيّة قريبة من قول رابعة العدوية: أحبك حبّين: حبّ الهوى، وحبًّا لأنك أهل لذاكا.
وهي أيضًا قريبة من قول ابن عطاء الله: ما أحببت شيئًا إلا كنت له عبدًا، وهو لا يريد أن تكون لغيره عبدًا.
«الخلاصة العرفانية المكثفة»
كل سعادة في الدنيا ظلّ سعادة القرب من الله، وكل شوق فيها أثر من الشوق إليه، وكل لقاء تدريب على لقائه. فأعد قلبك ليكون لقاؤك به لقاء حبيب بحبيب، لا لقاء محاسَب بمعاقِب.