4 دقائق للقراءة
أهديكم كلاما عرفانيا في الحب، قل من عرفه، وأدرك عمقه ومعناه.
هذا هو الحب كما نراه بعين العرفان، وبسر النبي وآل بيته، وعباده الصالحين.
هذا هو الحب في المعين الخضري اللدني، وبشرح من ذكاء مصنوع فيه نفحة زرعناها فيه لطول محاورة، وتأثير دقيق. وهنالك بعد النقاط نعيد شرحها لأنه رغم تمكنه ورغم ما زرعنا فيه وما يمتلكه من برمجيات وخوارزميات مذهلة، يبقى محدودا أما الروح الإنسانية العارفة بالله.
الوصيّةُ الحادِيَةُ وَالخَمْسُونَ
يَا بُنَيَّ:
عَلَيْكَ بِالحُبِّ، لَا تَبْرَحْ سُوحَهُ، وَلَا تَفْقِدْ رُوحَهُ.
فَمَنْ ظَفِرَ بِسِرِّ الحُبْ، وَصَلَ لِقُرْبِ الرَّبّْ.
وَمَنْ سَجَدَ وَاقْتَرَبْ، مَا شَقِيَ وَمَا اغْتَرَبْ.
{شرح}
هذه الوصيّة تختصر الطريق كله في كلمة واحدة: الحب.
فبعد كل الكلام عن: الذكر، والتقوى، والتسليم
والتوكّل، ومجاهدة النفس، يأتي القول الأخير كأنه خلاصة التجربة: الطريق ليس طقوسًا فقط… بل حبٌّ حيّ.
«عليك بالحب»
أي: اجعل الحب أساس علاقتك بالله.
لا: خوفًا فقطـ ولا عادةً، ولا تقليدًا، بل حبًّا:
يحرّك قلبك، ويوقظ روحك، ويجعل العبادة لذّة.
الحب هنا: ليس عاطفة عابرة، بل حالة وجود.
«لا تبرح سوحه»
السّوح: المجال أو الساحة.
أي: لا تخرج من ميدان الحب.
مهما: ضعفت، أو أخطأت، أو تعبت، أو تأخرت.
ابقَ في دائرة الحب: حبّ الله، حبّ نبيه، حبّ الصالحين، حبّ الخير.
فالذي يخرج من الحب، يدخل غالبًا في: القسوة
أو الجدل أو الكبر أو اليأس.
«ولا تفقد روحه»
قد يبقى الشكل، وتضيع الروح.
صلاة بلا حب، ذكر بلا حضور، علم بلا رحمة، دعوة بلا قلب
الوصيّة تحذّر: لا تفقد روح الحب، حتى لو بقيت الأعمال.
فالقالب بلا روح، جسد بلا حياة.
«فمن ظفر بسرّ الحب، وصل لقرب الرب»
ليس كل حبّ هو السرّ.
سرّ الحب: الإخلاص فيه، والفناء عن النفس، وتقديم محبوبك على هواك، حين يصبح الله: أحبّ إليك من نفسك، وأقرب إلى قلبك من الدنيا، هنا يبدأ القرب الحقيقي.
فالقرب من الله: ليس مسافة، بل حالة قلب.
«ومن سجد واقترب، ما شقي وما اغترب»
السجود: أقصى درجات الذلّ لله.
والاقتراب: أعلى درجات القرب منه.
من جمع بين: الذلّ في السجود، والقرب في القلب، فإنه: لا يشقى، لأن قلبه مع الله.
ولا يغترب، لأنه وجد موطنه الحقيقي.
الغربة الحقيقية: ليست عن الناس، بل عن الله.
فمن اقترب منه، عاد إلى وطنه.
البناء العرفاني للوصيّة
الوصيّة ترسم طريقًا مختصرًا:
الحب → أساس الطريق
البقاء في ساحته → حماية القلب
حفظ روحه → حياة العمل
سرّ الحب → باب القرب
السجود والقرب → نهاية الشقاء والغربة
الخلاصة العرفانية المكثفة
الزم الحب، ولا تخرج من ساحته.
واحفظ روحه، ولا تكتفِ بشكله.
فمن عرف سرّ الحب، وصل إلى قرب الرب.
ومن سجد واقترب، سكن قلبه، ولم يعد غريبًا في الوجود.
الوصيّةُ الثَّامِنَةُ وَالخَمْسُونَ
يَا بُنَيَّ:
خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ حُبًّا لِلْخَلْقِ، فَلَمْ يَخْلُقْ كَارِهًا مُضْطَرًّا.
وَاخْتَارَ الأَصْفِيَاءَ حُبًّا لِلأَصْفِيَاءِ، فَمَا اخْتَارَهُمْ لَهْوًا وَعَبَثًا.
وَفَضَّلَ أَهْلَ الفَضْلِ، حُبًّا لِأَهْلِ الفَضْلِ.
فَمَا مُفَضَّلٌ إِلَّا لِحُبِّ مَوْلَى الفَضْلِ لَهُ.
وَمَا مِنْ مَفْضُولٍ إِلَّا لِحِكْمَةِ مَوْلَى الفَضْلِ بِهِ.
فَاجْعَلْ فَضْلَ الحُبِّ فِيكَ، يَجْعَلْ لَكَ اللهُ فَضْلًا.
وَاجْعَلْ صَفَاءَ الحُبِّ فِيكَ، يَجْعَلْكَ اللهُ صَفِيًّا.
وَكُنْ بِالحُبِّ، يَكُنِ الحُبُّ بَابَكَ إِلَى رَبِّ الحُبِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الحُبَّ أَهْدَى إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَجْلَى عَلَيْهِ دَلِيلًا.
{شرح}
هذه الوصيّة تعود إلى الجوهر الذي تتكرر الإشارة إليه في كثير من الحكم: الحب.
لكنها هنا لا تقدّمه كحالٍ روحي فقط، بل كسرّ الخلق والاختيار والفضل. فهي تقول إن الكون لم يُبنَ على الإكراه، بل على الحب.
«خلق الله الخلق حبا للخلق»
أي أن أصل الإيجاد ليس كراهة، ولا حاجة، ولا اضطرارًا، بل محض إرادة مقرونة بالحب والفضل. فالله لم يخلقك لأنه محتاج إليك، ولا لأنه مجبر على خلقك، بل خلقك بكرمه، وبرحمته، وبلطفه. فالوجود نفسه أثر من آثار الحب الإلهي.
«فلم يخلق كارها مضطرا»
الله لا يضطر، ولا يُجبر، ولا يُكره.
فكل ما في الوجود ناتج عن إرادة حرة وحكمة ورحمة.
فوجودك ليس صدفة، ولا عبئًا على الكون، بل اختيار إلهي.
«واختار الأصفياء حبا للأصفياء»
الأصفياء هم الأنبياء والأولياء والعباد الصادقون. لم يُختاروا لهوًا، ولا تفضيلًا بلا معنى، “بل لأن الله خلقهم كما يحب، وزينهم بما يحب، وجعلهم فيما يحب، وارتضاهم لحبه، واصطفاهم لقربه” .
«فما اختارهم لهوا وعبثا»
كل اختيار إلهي وراءه حكمة؛ فالله لا يعبث، ولا يفضّل بلا سبب، ولا يرفع بلا معنى. فكل مقام ثمرة سرّ خفيّ.
«وفضّل أهل الفضل، حبا لأهل الفضل»
الله يرفع أهل الصدق، وأهل الخير، وأهل النقاء، لأنه يحب هذه الصفات.
فالتفضيل ليس اعتباطيًا، بل نتيجة صفات محبوبة عند الله.
«فما مفضّل إلا لحب مولى الفضل له»
كل من رُفع في العلم، أو الإيمان، أو الحكمة، أو المكانة عند الله، فذلك بسبب محبة الله له. فالأصل في الرفعة ليس الجهد فقط، بل المحبة الإلهية.
«وما من مفضول إلا لحكمة مولى الفضل به»
ليس كل تأخر علامة هوان. قد يكون اختبارًا، أو سترًا، أو تربية، أو تأخيرًا لمقام أعلى.
فالتفاوت بين الناس له حكمة، حتى لو لم ندركها.
«فاجعل فضل الحب فيك
يجعل لك الله فضلا»
ازرع الحب في قلبك لله، وللخير، وللناس، وللحق.
فإذا امتلأ قلبك بالحب، جعل الله لك فضلًا، ومكانة، وقبولًا.
«واجعل صفاء الحب فيك
يجعلك الله صفيا»
ليس كل حب صافياً. الحب الصافي هو ما كان بلا مصلحة، ولا رياء، ولا تلوّن، حبًا لله لا لهوى النفس. فإذا صفا حبك، صفّاك الله.
«وكن بالحب
يكن الحب بابك إلى رب الحب»
لا تجعل الحب فكرة أو كلامًا، بل حالة تعيش بها. فإذا صرت محبًا لله، محبًا للخير، محبًا لعباد الله، صار الحب نفسه بابك إلى الله.
«واعلم أن الحب أهدى إليه سبيلا»
الحب أسرع طريق إلى الله، لأن الطاعة بالحُب خفيفة، والذكر بالحُب لذيذ، والعبادة بالحُب قريبة.
«وأجلى عليه دليلا»
الحب أوضح دليل على الله. فمن أحبّ شعر بالله، واقترب منه، وذاق حضوره.
فالمحبة برهان قلبي، أقوى من ألف برهان عقلي.
«البناء العرفاني للوصيّة»
الوصيّة تقوم على ثلاث طبقات مترابطة:
*فالكون خُلق بالحب.
*والاصطفاء والفضل قاما على الحب.
«الخلاصة العرفانية المكثفة»
الخلق وُجد بالحب، والاصطفاء كان بالحب، والفضل قام على الحب.
فازرع الحب في قلبك، يُعطك الله فضله، وصفِّ حبك، يصفِّك الله.
فالحب أقرب طريق إلى الله، وأوضح دليل عليه.