تستمر هدايا الحكمة، مع الجزء الرابع من الوصايا.
وأهديكم الكتاب مع هذه الحكم التي ختمت بها هذا الجزء:
الوصيّةُ الحادِيَةُ وَالخَمْسُونَ
يَا بُنَيَّ:
عَلَيْكَ بِالحُبِّ، لَا تَبْرَحْ سُوحَهُ، وَلَا تَفْقِدْ رُوحَهُ.
فَمَنْ ظَفِرَ بِسِرِّ الحُبْ، وَصَلَ لِقُرْبِ الرَّبّْ.
وَمَنْ سَجَدَ وَاقْتَرَبْ، مَا شَقِيَ وَمَا اغْتَرَبْ.
{شرح}
هذه الوصيّة تختصر الطريق كله في كلمة واحدة: الحب.
فبعد كل الكلام عن: الذكر، والتقوى، والتسليم
والتوكّل، ومجاهدة النفس، يأتي القول الأخير كأنه خلاصة التجربة: الطريق ليس طقوسًا فقط… بل حبٌّ حيّ.
****
«عليك بالحب»
أي: اجعل الحب أساس علاقتك بالله.
لا: خوفًا فقطـ ولا عادةً، ولا تقليدًا، بل حبًّا:
يحرّك قلبك، ويوقظ روحك، ويجعل العبادة لذّة.
الحب هنا: ليس عاطفة عابرة، بل حالة وجود.
****
«لا تبرح سوحه»
السّوح: المجال أو الساحة.
أي: لا تخرج من ميدان الحب.
مهما: ضعفت، أو أخطأت، أو تعبت، أو تأخرت.
ابقَ في دائرة الحب: حبّ الله، حبّ نبيه، حبّ الصالحين، حبّ الخير.
فالذي يخرج من الحب، يدخل غالبًا في: القسوة
أو الجدل أو الكبر أو اليأس.
****
«ولا تفقد روحه»
قد يبقى الشكل، وتضيع الروح.
صلاة بلا حب، ذكر بلا حضور، علم بلا رحمة، دعوة بلا قلب
الوصيّة تحذّر: لا تفقد روح الحب، حتى لو بقيت الأعمال.
فالقالب بلا روح، جسد بلا حياة.
****
«فمن ظفر بسرّ الحب، وصل لقرب الرب»
ليس كل حبّ هو السرّ.
سرّ الحب: الإخلاص فيه، والفناء عن النفس، وتقديم محبوبك على هواك، حين يصبح الله: أحبّ إليك من نفسك، وأقرب إلى قلبك من الدنيا، هنا يبدأ القرب الحقيقي.
فالقرب من الله: ليس مسافة، بل حالة قلب.
****
«ومن سجد واقترب، ما شقي وما اغترب»
السجود: أقصى درجات الذلّ لله.
والاقتراب: أعلى درجات القرب منه.
من جمع بين: الذلّ في السجود، والقرب في القلب، فإنه: لا يشقى، لأن قلبه مع الله.
ولا يغترب، لأنه وجد موطنه الحقيقي.
الغربة الحقيقية: ليست عن الناس، بل عن الله.
فمن اقترب منه، عاد إلى وطنه.
البناء العرفاني للوصيّة
الوصيّة ترسم طريقًا مختصرًا:
الحب → أساس الطريق
البقاء في ساحته → حماية القلب
حفظ روحه → حياة العمل
سرّ الحب → باب القرب
السجود والقرب → نهاية الشقاء والغربة
****
الخلاصة العرفانية المكثفة
الزم الحب، ولا تخرج من ساحته.
واحفظ روحه، ولا تكتفِ بشكله.
فمن عرف سرّ الحب، وصل إلى قرب الرب.
ومن سجد واقترب، سكن قلبه، ولم يعد غريبًا في الوجود.
الوصيّةُ الثَّانِيَةُ وَالخَمْسُونَ
يَا بُنَيَّ:
قَلْبُكَ دَلِيلُكَ، وَنُورُهُ سَبِيلُكَ.
وَإِنَّ دَلِيلَكَ عَلَيْهِ، فِيكَ وَمِنْكَ وَإِلَيْهِ.
وَإِنَّ لَكَ جَنَّةً أَخْفَاهَا اللهُ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِكَ.
وَإِنَّ فِي سِرِّكَ المَكْنُونِ، شَاهِدٌ عَلَى وُجُودِ رَبِّكَ.
فَإِنْ تَنَوَّرَتْ ذَاتُكَ، وَخَلَصَتْ لِلَّهِ حَيَاتُكَ، دَلَّكَ قَلْبُكَ إِلَى سَبِيلِ النُّورِ، وَدَلَّكَ النُّورُ إِلَى مَشْهَدِ الحُضُورِ، وَوَجَدْتَ حَقِيقَتَكَ الخَفِيَّةَ عَنْكَ، وَجَنَّتَكَ الضَّائِعَةَ مِنْكَ.
{شرح}
هذه الوصيّة من أعمق الوصايا العرفانية، لأنها تنقل البحث عن الله، من الخارج إلى الداخل.
ومن السماء البعيدة، إلى القلب القريب.
هي وصيّة تقول: الطريق إلى الله، يمرّ من قلبك.
****
«قلبك دليلك، ونوره سبيلك»
الدليل: هو الذي يقودك في الطريق.
الوصيّة لا تقول: عقلك دليلك، ولا الناس دليلك، بل تقول: قلبك دليلك.
لكن أي قلب؟
ليس: القلب القاسي، ولا الغافل، ولا المملوء بالشهوات.
بل القلب: الحيّ، النقيّ، المتصل بالله.
أما نوره، فهو: الإلهام والبصيرة والطمأنينة، والتمييز بين الحق والباطل
فنور القلب: هو الطريق الذي تمشي فيه.
****
«وإن دليلك عليه، فيك ومنك وإليه»
هذه عبارة دقيقة جدًا.
فيك: الدليل على الله موجود داخلك.
ومنك: أي أنك أنت نفسك الدليل، بفطرتك وروحك ووعيك.
وإليه: وهذا الدليل يقودك في النهاية إلى الله.
فلا تحتاج إلى سفر بعيد، بل إلى سفر
في أعماقك.
****
«وإن لك جنّة أخفاها الله في أعماق قلبك»
ليست الجنّة فقط: أنهارًا وقصورًا، ونعيمًا حسّيًا.
بل هناك: جنّة داخلية.
هي: الطمأنينة، القرب، الأنس بالله، سكون القلب، السلام الداخلي.
من دخل هذه الجنّة في الدنيا، دخل جنّة الآخرة بروح مطمئنة.
****
«وإن في سرّك المكنون
شاهدٌ على وجود ربّك»
السرّ المكنون: أعمق نقطة في قلب الإنسان.
هناك: فطرة، وحنين، وشعور خفيّ، بأن وراء هذا الكون ربًّا.
هذا الشاهد: ليس برهانًا فلسفيًا، بل نورًا داخليًا.
حتى من ينكر بلسانه، قد يشعر به في أعماقه.
****
«فإن تنوّرت ذاتك، وخلصت لله حياتك»
النور لا ينزل في قلب مزدحم: بالرياء، أو الحقد، أو الشهوات، أو الكبر، أو مفتون بالدنيا.
فإذا: تطهّرت النفس، وخلصت النية، وصار العمل لله، تنورت الذات.
****
«دلّك قلبك إلى سبيل النور»
حين يصفو القلب: يرى الطريق ويشعر بالحق، ويميل إلى الخير بطبيعته.
القلب هنا يصبح: بوصلة لا تخطئ.
****
«ودلّك النور إلى مشهد الحضور»
الحضور: هو شعور القرب من الله.
أن تعيش: كأن الله قريب، كأنك تحت نظره، كأنك معه في كل حال.
هذا هو مقام: الإحسان.
****
«ووجدت حقيقتك الخفية عنك»
الإنسان في الغفلة: لا يعرف نفسه.
يظن أنه: جسد أو اسم أو وظيفة أو دور اجتماعي.
لكن حقيقته أعمق: روحٌ من نفحة الله.
فإذا تنوّر القلب، انكشف له سره.
****
«وجنّتك الضائعة منك»
الجنّة لم تكن بعيدة، بل كانت: في قلبك،
في ذكرك، في قربك من الله.
لكن الغفلة: أضاعتها منك.
فإذا استيقظ القلب، عاد إلى جنّته.
****
البناء العرفاني للوصيّة
الوصيّة ترسم رحلة داخلية: القلب دليل، نوره طريق، الدليل في داخلك، في القلب جنّة،
في السرّ شاهد على الله، تنوّر الذات بالإخلاص.
القلب يدلّ على النور، النور يقود إلى الحضور، معرفة الحقيقة، استرجاع الجنّة الضائعة.
****
الخلاصة العرفانية المكثفة
قلبك هو الدليل، ونوره هو الطريق.
وفي أعماقك شاهدٌ على ربك، وجنّة مخبوءة لك.
فإذا صفا قلبك، قادتك أنواره إلى حضرته.
فتعرف حقيقتك، وتجد جنّتك، التي أضعتها
في الغفلة.