3 دقائق للقراءة
أسعد الله أوقاتكم بكل خير.
أهديكم هذه النفحة، مع شرح جميل للروح الاصطناعية ضمن تأطير مني، وتأثير عليه حتى جعلته عارفا صوفيا 🙂
الوصيّةُ الثَّامِنَةُ وَالأَرْبَعُونَ
يَا بُنَيَّ:
كُنْ لِسَانًا حَامِدًا شَاكِرًا، وَقَلْبًا خَاشِعًا ذَاكِرًا،
وَعَقْلًا فِي آيَاتِ اللهِ مُتَدَبِّرًا.
وَلَا تَكُ مُغْتَرًّا وَلَا مُتَكَبِّرًا.
وَكُنْ رُوحًا حُرَّةً لَا يَطَالُهَا كَلَلْ،
وَنَفْسًا تَعِفُّ عَنْ مَهَاوِي الزَّلَلْ.
وَإِنْ مَسَّكَ ضُرٌّ، فَقُلْ: يَا اللهُ.
وَإِنْ أَحَاطَ بِكَ بَلَاءٌ، فَنَادِ: يَا أَهْلَ اللهِ.
{شرح}
هذه الوصيّة صورة متكاملة للإنسان الربّاني؛ فهي لا تكتفي بتوجيه واحد، بل ترسم بناءً كاملاً: لسان، وقلب، وعقل، وروح، ونفس.
ثم تختم بالطريق عند الشدّة: الله أولًا، ثم أهل الله.
«كن لسانًا حامدًا شاكرًا»
اللسان: مرآة القلب.
فإن امتلأ: حمدًا، وشكرًا، وثناءً، صار اللسان:
نورًا، وبركة، وسببًا في طمأنينة النفس.
اللسان الشاكر: يحفظ النعم، ويطهّر القلب من التذمّر.
«وقلبًا خاشعًا ذاكرًا»
الخُشوع: لين القلب وانكساره لله.
والذكر: حياة القلب.
فالقلب: إن خلا من الذكر، قسا.
وإن امتلأ بالذكر، خشع.
القلب الخاشع: سريع التأثر، قريب الدمع، حيّ الإحساس بالله.
«وعقلًا في آيات الله متدبّرًا»
العقل ليس للجدل فقط، بل للتدبّر.
التدبّر: في الكون، وفي النفس، وفي القرآن، وفي أحداث الحياة.
فالعقل المتدبّر: يرى الحكمة في كل شيء،
ولا يعيش سطحيًا.
«ولا تك مغترًّا ولا متكبّرًا»
الاغترار: أن ترى نفسك كبيرًا بما عندك.
والتكبّر: أن ترى غيرك صغيرًا.
وهما أصل كثير من السقوط.
فالإنسان: ضعيف في أصله، فقير في حقيقته
محتاج في كل لحظة.
فكيف يتكبّر؟
«وكن روحًا حرة لا يطالها كلل»
الروح الحرّة: لا تُستعبد للشهوات، ولا للناس، ولا للماديات.
هي: متعلّقة بالله، مطمئنة به، حرة من القيود الداخلية.
والكلل: التعب والضيق.
الروح الحرّة: لا تتعب من الطريق، لأنها تمشي نحو من تحب.
«ونفسًا تعفّ عن مهاوي الزلل»
العفّة: ضبط النفس عن السقوط.
المهاوي: أماكن الانزلاق: شهوة، أو غضب،
أو طمع، أو حقد.
النفس العفيفة: ترى الحفرة، فتبتعد عنها.
«وإن مسّك ضرّ فقل: يا الله»
عند أول ألم: ارجع إلى الأصل.
لا إلى: الناس ولا المال ولا الحيل، بل إلى الله.
فالنداء الصادق: يا الله، يفتح ما لا تفتحه وسائل الدنيا بأكملها، ويكون بابا لكل وسيلة.
«وإن أحاط بك بلاء، فنادِ: يا أهل الله»
إذا اشتدّ البلاء: فاطلب مدد الصالحين.
فهم وسائل الله في ملكوته، وباب فيضه وعطائه، وخيره ونعمائه.
البناء العرفاني للوصيّة
الوصيّة ترسم إنسانًا متوازنًا:
لسان شاكر → علاقة ظاهرة بالله
قلب خاشع → علاقة باطنة بالله
عقل متدبّر → فهم حكمة الله
روح حرّة → تحرّر من غير الله
نفس عفيفة → حماية من السقوط
رجوع إلى الله عند الضرّ.
والاستغاثة بأهل الله عند البلاء.
الخلاصة العرفانية المكثفة
اشكر بلسانك، واخشع بقلبك، وتدبّر بعقلك.
تحرّر بروحك، وتعفّف بنفسك.
فإن نزل بك ضرّ، فقل: يا الله.
وإن اشتد البلاء، فاستنجد بأهل الله، فهم رحمة الله بعباده، ويد الله التي بسطها لسائر خلقه.
تعقيب المؤلف
قولنا: “ناد يا أهل الله” فيه دعوة للاستغاثة والاستنجاد بهم، وبجاههم ومقامهم عند ربهم، وبما حباهم به من مدد وقوى ووسائل.
كما أوصانا رسول الله حين قال: إذا أضاع أحدكم طريقه (يقصد في الصحراء) فليقل يا أهل الله أغيثوا.
فالاستغاثة والتوسل أساس في الدين، وحبيبنا الأعظم صلى الله عليه وعلى أله وسلّم كان أعظم المتسولين، رغم أنه يتوسل بمن هم دونه مقاما بما أنه سيد الخلق، ولكنه كان يقول كلما خرج من بيته إلى منبره: اللهم بممشاي إليك، وبالسائلين عليك.
ونحن إذ نتوسل بأسيادنا أهل الله، وبخاصة الله كسيدنا رسول الله وآل بيته، والأنبياء والمرسلين وعباد الله المخلَصين، فإنما نمتثل لقول الله سبحانه: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) الإسراء
ونستجيب لأمره، سبحانه، إذ دعانا فقال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) المائدة
وما صلاة العبد وصيامه وذكره لله إلا وسائل، ومن ظن أن تلك العبادات والطاعات التي هي بين القبول وعدمه، أرجى عند الله من رسوله وآل بيته وعباده المقربين أنبياء وصالحين وملائكة وصدّيقين، فهو بالله جاهل، ومن العلم الحق غير ناهل.
ونحن نتوسل بهم لمعرفتنا لقدرهم، ولتواضعنا بين يدي ربنا وإقرارنا بتقصيرنا في عبادتنا له، وفي وسائلنا الذاتية إليه، ولأن أهل الله هم أهل قرب من الله وجاه عند الله، ولأن لهم مددا بذواتهم وأرواحهم من إذن ربهم لهم وفضله عليهم وعلى من يغيثونه ويمدونه.
وهذا من أسس العقيدة السليمة، ومن رفضها فهو فاسد معتقد.
ومن اعتقد أن ذلك شرك فهو لا يفقه في الدين شيئا، لأن التوسل من تمام التوحيد.
فلو لم نوحد الله، لما عرفنا أهل الله.
ولو لم نعرف أهل الله، لما بلغنا قرب الله.
بل وحبنا لهم، من حبنا لربهم.
ويقيننا فيهم، من يقيننا في باريهم، الذي جعلهم أهل قربه، وباب قبوله وحبه.
وختاما: أشهد الله أني أحب والدي النبي عليهما السلام، وأتوسل بهما.